الخميس، 09 يوليو 2026

02:42 م

الإعلامية رفيدة ياسين

الذين يؤلمهم فرح مصر…!

ليس من الحكمة أن نعاتب الكرة على تقلّبها، فهي بنتُ الاحتمال وأخت الحظ، لا تعقد لأحدٍ عهدًا دائمًا، تبتسم اليوم لهذا، وتؤجل ابتسامتها لذاك، وتترك في القلوب فرحًا هنا، وغصّةً هناك.

تلك هي سنّة الرياضة منذ أن عرفها الإنسان، يومٌ تشرق فيه رايات النصر، ويومٌ آخر تتوارى خلف غيوم الخسارة، ولا يبقى في النهاية إلا الشرف لمن أدّى، والكرامة لمن قاتل، والاحترام لمن عرف كيف ينتصر وكيف يخسر.

غير أن ما استعصى على الفهم، وما ظل يثير في النفس دهشةً لا تنقضي، ليس اختلاف الناس في التشجيع، ولا ميل القلوب إلى هذا المنتخب أو ذاك، فالميول لا تُحاكم، والأذواق لا تُصادر.

وإنما العجيب والغريب والمريب أن ترى من يجعل من هزيمة غيره عيدًا، ومن حزن أخيه مهرجانًا، وكأن الأفراح في قاموسه لا تزهر إلا فوق أنقاض الآخرين.

أيُّ تصدّعٍ هذا الذي يصيب الأرواح حتى تستكثر على بلدٍ بحجم مصر أن يفرح؟ 
وأيُّ جدبٍ يضرب القلوب حتى تصبح دموع الآخرين موردًا للبهجة، وانكساراتهم زادًا للنفوس؟.

إن الحسد، إذا استوطن القلب، لم يترك فيه نافذةً يدخل منها الضوء، بل يحيله كهفًا رطبًا لا تنبت على جدرانه إلا الطحالب. 

ومن أظلم قلبه، رأى في كل شمسٍ مؤامرة، وفي كل نجاحٍ استفزازًا، وفي كل ضحكة جريمةً تستحق العقاب.

غير أن سنن الله لا تنحاز إلى النيات الفاسدة، فما أكثر المكائد التي حفرت لصاحبها قبرًا، وما أكثر السهام التي عادت إلى كنانة رامِيها.

ولقد بلغ ببعض النفوس الخربة أن تمنّت للمصريين ليلةً من الحزن، لكن لله سننًا لا تغيّرها أمنيات الحاقدين، فكم من نارٍ أُوقدت لتحرق غيرها، فإذا بها تأكل الحطب الذي أشعلها.

أما عن أبناء مصر، فلم يدخلوا الميدان يحملون أحلامهم وحدها، بل حملوا كالأبطال وطنًا بأكمله على أكتافهم، ومضوا كمن يمشي إلى قدره بثبات.

قاتلوا حتى آخر نبضة في المباراة، وحتى إذا أسدل الستار بغير النهاية المنتظرة، خرجوا مرفوعي الرؤوس كما يخرج الفرسان من ساحات الوغى يحملون ما هو أبقى من الكؤوس: محبة الناس، واحترام الخصوم، حتى وإن تكالبت مخالب المتآمرين.
إن البطولات التي تُكتب في ضمائر البشر هي النصب التذكاري الذي لا تطمسه ضوضاء الانحياز، ولا تغيّر من جوهره صافرةٌ أخيرة، لأن الحقائق الكبيرة لا يعيد التاريخ كتابتها إرضاءً للصغار.

وليس السؤال: يا مصر… بتعمليها إزاي؟

فبلد ترضع الأطفال منذ المهد معنى الانتماء، لا يعسر عليها أن تربي رجالًا يعرفون كيف يصنعون المجد، وكيف يحفظون للأوطان هيبتها.

ومصر بالنسبة إلى كثير من السودانيين ليست بلدًا مجاورًا فحسب، بل شقيقة،
وما بين الأشقاء لا تفسده صيحات التعصب، ولا تعكره نزوات المتعصبين من هنا أو هناك. 

فالعلاقة بين مصر والسودان صاغها التاريخ، وحفظ عمقها  النيل، مثلما باركتها الجغرافيا، وحفظتها ذاكرة الواعيين من الشعبين.

وليس عيبًا أن يشجع المرء أستراليا أو الأرجنتين أو أي منتخب آخر.

إنما العيب كل العيب أن يتحول التشجيع إلى منصة للكراهية، وأن يصبح سقوط الآخرين أمنية.

ولعل أخطر ما يواجه الإنسان في حياته ليس خصمًا أعلن خصومته، ولا عدوًا كشف عن وجهه، وإنما أولئك الذين يخفون الخناجر تحت أثواب المودة، ويغمسون سهامهم في العسل قبل أن يطعنوك بها، فالسهام القادمة من الأمام قد يردها الدرع، أما التي تأتي من ظهور الثقة، فهي التي تترك في الأرواح ندوباً لا تندمل سريعًا.

لقد رأيت من السودانيين من التفّوا حول العلم المصري كأنهم يحتفون بانتصارٍ يخصُهم، ورأيت من المصريين من قابلوا ذلك الحب بمودةٍ صادقة، كما رأيت أصواتًا أخرى اختارت أن تعزف لحن الكراهية، فأساءت إلى مصر وأهلها، أو إلى السودان وأبنائه. 

غير أن الضجيج لا يصنع حقيقة، فالأوطان تُقاس بأخيارها، لا بمن شذّ عنها، والشعوب تُعرف بأصحاب القلوب النقية، لا بمن استوطن الحقد صدورهم.

ولهذا فإن معركتنا الحقيقية ليست مع اختلاف الانتماءات الرياضية، بل مع ثقافة الكراهية، ومع ذلك الصدأ الذي يأكل الضمائر كما يأكل الملح الحديد.

إن أخطر ما كشفتْه هذه البطولة لم يكن مستوى المنتخبات، بل مستوى النفوس. 
فقد عرفنا أن هناك من يصفق للفائز، وهناك من يصفق لسقوط غيره، وبين التصفيقين مسافةٌ بحجم الأخلاق.

وستظل مصر، شاء الحاقدون أم أبوا، أرسخ من أن تزعزعها أمنية عابرة خرجت من قلب امتلأ بالدخان حتى عجز عن رؤية الشمس.

فالأوطان العظيمة عموماً تشبه الجبال، تنعق الغربان على قممها كل صباح، لكنها لا تنال من شموخها شيئًا وهكذا هو السودان.

وهكذا هي مصر أيضًا… كلما أراد الحاسدون أن يحجبوا نورها، أدركوا متأخرين أن الشمس لا يحجبها غربال.

وتلك هي مصر… أختُ بلادي..هنيئا لأبطال منتخب مصر لقد رفعوا الرؤوس وكشفوا مافي النفوس من خبث وطُهر وهذا هو الأهم والانتصار الحقيقي، ففيه الدرس وفيه العبرة وفيه النجاح الذي لا تصنعه الدعاية ولا تمنحه الألقاب والكؤوس.

search