الخميس، 09 يوليو 2026

03:06 ص

الفتنة اختارت منتخبها

مع كل كأس عالم أو بطولة رياضية كبرى، لا يقتصر الأمر على المنافسة داخل المستطيل الأخضر، تخرج في الأفق منافسة أخرى تتعلق بالمشاعر، تصل لشاشات الهواتف وتتحول لملاعب متوازية، لتصبح بعض المنشورات أقرب لشرارة كافية لإشعال معركة لا علاقة لها بكرة القدم.

هذه المرة، ضجّت مواقع التواصل الاجتماعي بالحديث عن مواجهة مرتقبة بين منتخبي المغرب وفرنسا، وبينما تأكدت مواجهة الفريقين، بدأ سباق من المنشورات لا يدور حول خطط فنية أو حظوظ التأهل، لكن جاء أقرب لسؤال واحد.. من تشجع؟

إجابات تلك الأسئلة لم تعد تُبنى على حب كرة القدم، بقدر الارتباط بمشاعر الغضب، أو اعتمادًا على مقاطع فيديو مجتزأة، ومشاعر يصنعها الترند أكثر مما يصنعها الواقع.

في الساعات الماضية، ظهرت مقاطع فيديو لمغاربة يحتفلون بخروج المنتخب المصري من كأس العالم، ليندفع البعض ويتعامل باعتبارها دليًلا على موقف شعب كامل، وكأن الملايين من البشر يمكن اختزالهم في بعض المقاطع أو التعليقات.

ما يحدث حاليًا هو تكرار لنفس الفكرة التي وقعنا فيها مرارًا مع شعوب أخرى، البعض منا يصدر أحكامًا جماعية بناء على أكثر الأصوات صخبًا، لا أكثرها عددًا.

الحقيقة تقول إن مواقع التواصل لا تعكس صورة الشعوب بقدر ما تعكس صورة من يجيدون إثارة الجدل، هناك آخرون يحتفظون باحترامهم، يكتفون بمشاهدة المباراة وتهنئة الفائز أو مواساة الخاسر.

تلك الفئة غالبًا لا تظهر في قوائم الأكثر تداوًلا، لأن الاحترام لا يصنع التريند، بينما يفعله الاستفزاز.

لهذا السبب، يجب التعامل بحذر مع كل ما يُقدم لنا باعتباره رأي شعب، فلا الشعب المصري بأكمله يشبهون أكثر المصريين انفعالا على الإنترنت، ولا المغاربة جميعًا يشبهون أصحاب المقاطع المستفزة، لا توجد أمة في العالم يمكن اختصارها في منشور أو تعليق أو مقطع فيديو لثوان.

ولكن في الوقت ذاته، لكل مشجع الحق في اختيار الفريق الذي يقوم بتشجيعه. قد تشجع فرنسا لأنك تستمتع بها أو ترى فيها الأفضل، لك مطلق الحرية دون أن تتعرض للتشكيك أو التخوين.

بينما البعض يميل للمغرب باعتبارها آخر فريق عربي وإفريقي يتواجد بكأس العالم، وهو اختيار مفهوم ومشروع.

كرة القدم في النهاية مساحة للتذوق والانتماء الرياضي، وليست محكمة لتوزيع صكوك الوطنية أو العروبة، لكن ما يستحق الانتباه ألا نترك الفتنة تختار، وألا يتحول تشجيعنا لحملة غضب أو انتقام من شعب بأكمله بسبب تصرفات قلة.

تلك الانفعالات السريعة قد تمنحنا شعورًا مؤقتًا بالانتصار، لكنها تترك مسافات أكبر بين شعوب تجمعها روابط أعمق من كرة القدم.

مصر اعتادت طوال تاريخها أن تكون صاحبة شخصية مستقلة، ولا تتدخل في هذا النوع من الاستقطاب، مصر أكبر من أن تحدد موقفها من تعليقات مجهولة وأكبر أن تجعل علاقتها بشعوب أخرى مرهونة بما يكتبه بعض المتحمسين خلف الشاشات.

ستنتهي مباراة المغرب وفرنسا بفوز أحدهما، وتطوي بطولة كأس العالم صفحتها كما طُويت عشرات البطولات سابقًا، بينما ستبقى الكلمات التي نلقيها والصور التي نرسمها في أذهاننا عن الشعوب.

لتشجع من تشاء، اذهب لفرنسا الأقرب لقلبك أو ساند المغرب إذا كنت تعتقد بأن رحلتها تستحق الاستمرار، لكن لا تجعل منشورات غاضبة وتريندات غابرة تتحكم في أمرك، وتذكر أن كرة القدم في النهاية تمنحنا بعض المتعة في 90 دقيقة.

اقرأ أيضًا:

لماذا تخشى الجماهير المغربية سيناريو "مباراة مصر والأرجنتين" أمام فرنسا؟

حكم مباراة مصر والأرجنتين.. "الرجل الأكثر كراهية" في الشارع العربي
 

search