الخميس، 09 يوليو 2026

07:37 م

"حوت الأسمدة".. القصة الكاملة لمنع "الخشن" وعائلته من التصرف بأموالهم

رجل الأعمال محمد الخشن

رجل الأعمال محمد الخشن

دخل ملف رجل الأعمال محمد الخشن، رئيس شركة “إيفرجرو” للأسمدة، مرحلةً جديدةً من التصعيد، بعدما وجه البنك المركزي المصري البنوك بمنعه و22 من أفراد عائلته من التصرف في أموالهم، على خلفية تعثره في سداد مديونيات مصرفية تقدر بعشرات المليارات من الجنيهات، وفق ما نقلته “الشرق بلومبرج” عن خمسة مصرفيين.

وقالت المصادر المصرفية، إن توجيه البنك المركزي جاء تنفيذًا لقرار صادر من النائب العام، ضمن الإجراءات المرتبطة بملف إعادة هيكلة مديونية الخشن، في واحد من أكبر ملفات التعثر المصرفي المرتبطة بالقطاع الصناعي خلال السنوات الأخيرة.

ولا يعني قرار منع التصرف في الأموال مصادرة الأصول أو صدور حكم نهائي، لكنه إجراء تحفظي يستخدم في بعض الملفات المالية المعقدة لحماية حقوق الدائنين، وضمان عدم نقل أو بيع أو التصرف في أصول محل نزاع لحين انتهاء الإجراءات القانونية والمصرفية الخاصة بإعادة الهيكلة.

اتفاق سابق لإعادة الهيكلة

وفي أبريل الماضي، أعلن البنك المركزي، نجاح تحالف البنوك الدائنة في التوصل إلى اتفاق لإعادة هيكلة مديونية محمد الخشن وشركاته، وأشارت تقارير وقتها إلى أنها تبلغ نحو 40 مليار جنيه، بما يعادل قرابة 805 ملايين دولار وفق سعر الصرف السائد آنذاك.

وأكد المركزي، في ذلك الوقت، أن الاتفاق يستهدف استيفاء كامل المديونيات المستحقة، بما يشمل أصل الدين والعوائد، مع الحصول على الضمانات الكافية لتغطية قيمة المديونية، في خطوة تهدف إلى الحفاظ على حقوق البنوك الدائنة وفي الوقت نفسه استمرار النشاط الاقتصادي للشركة.

ويعكس دخول البنك المركزي على خط الأزمة حساسية الملف بالنسبة للجهاز المصرفي، خاصة أن المديونية موزعة على عدد كبير من البنوك، كما ترتبط بشركة صناعية كبيرة تعمل في قطاع استراتيجي هو إنتاج الأسمدة المتخصصة.
خلاف حول حجم المديونية

حجم مديونية شركة إيفرجرو

من جانبها، نفت شركة “إيفرجرو”، في بيان سابق، صحة الأرقام المتداولة بشأن حجم مديونيتها، ووصفتها بأنها “غير دقيقة”، مؤكدة أن أصل المديونية يبلغ نحو 11.8 مليار جنيه فقط.

وقالت الشركة، إن أصل الدين في ديسمبر2021 كان يتوزع بين تمويلات من بنوك محلية بنحو 6 مليارات جنيه، إلى جانب قرض مشترك بالعملة الأجنبية بقيمة 425 مليون دولار.

وأوضحت أن الرقم المتداول عند 40 مليار جنيه لا يمثل تمويلات نقدية حصلت عليها الشركة، وإنما يعكس إجمالي الالتزامات بعد إضافة الفوائد، وفروق سعر الصرف، وتكلفة التمويل المتراكمة خلال السنوات الماضية.

وبحسب الشركة، فإن تضخم الالتزامات جاء نتيجة عدة عوامل، في مقدمتها الارتفاعات الكبيرة في أسعار الفائدة، والتقلبات الحادة في سعر صرف الدولار، إذ تحرك الدولار من نحو 15.7 جنيه في عام 2021 إلى نحو 54 جنيهًا في مارس 2026، ما أدى إلى زيادة ضخمة في قيمة الالتزامات الدولارية عند إعادة تقييمها بالجنيه.

من هو محمد الخشن؟

يعد محمد الخشن واحدًا من أبرز الأسماء في قطاع صناعة الأسمدة في مصر، واشتهر بلقب “حوت الأسمدة” بسبب توسع شركته “إيفرجرو” في إنتاج الأسمدة المتخصصة والمركبات الزراعية المستخدمة في السوق المحلية والتصدير.

وتأسست “إيفرجرو” عام 2006، وتعد من أكبر الشركات العاملة في مجال إنتاج الأسمدة المتخصصة في الشرق الأوسط، وتمتلك أربعة مصانع رئيسية تنتج مجموعة من المركبات، بينها سلفات البوتاسيوم، ويوريا فوسفات، ونترات الكالسيوم، ونترات المغنيسيوم، والأسمدة الورقية.

ووفق بيانات الشركة، يعمل بها أكثر من 5 آلاف موظف، وتحقق مبيعات سنوية تقدر بنحو 12 مليار جنيه، كما تصل صادراتها إلى نحو 120 مليون دولار سنويًا إلى أكثر من 80 دولة حول العالم.

وتقول الشركة إن القيمة الاستبدالية لأصولها بلغت نحو 62 مليار جنيه وفق آخر تقييم في أغسطس 2025، وهو رقم تستخدمه للتأكيد على أن لديها قاعدة أصول قوية يمكن أن تدعم موقفها في مفاوضات إعادة الهيكلة.

كيف تحولت الأزمة إلى ملف مصرفي كبير؟

بدأت الأزمة مع تصاعد الضغوط المالية على الشركة خلال السنوات الأخيرة، في ظل ارتفاع تكلفة التمويل، وتراجع القدرة التشغيلية، وتذبذب سعر الصرف، وتأثر سلاسل الإمداد بفعل الأزمات العالمية.

وقالت “إيفرجرو”، في بيانها السابق، إن عدم صرف تسهيلات رأس المال العامل التي تم الاتفاق عليها مع البنوك في عام 2022 انعكس سلبًا على الطاقة الإنتاجية، التي تراجعت إلى نحو 50%، ما زاد الضغوط التشغيلية والمالية على الشركة.

وفي نهاية 2024، عينت الشركة مستشارًا ماليًا مستقلًا بناءً على طلب البنوك للتفاوض بشأن إعادة جدولة الديون، قبل توقيع مذكرة تفاهم تتضمن الخطوط العريضة لإعادة الهيكلة.

كما تم في ديسمبر 2025 توقيع اتفاق لإعادة جدولة الشريحة المقومة بالجنيه المصري، بينما استمرت المراجعات النهائية الخاصة بالشريحة الدولارية وتسهيلات رأس المال العامل.

موقف دفاع الشركة

وفي تعليقه السابق على الأزمة، قال خالد أبوبكر، محامي الشركة، إن الأرقام المتداولة بشأن المديونية تحتاج إلى قراءة دقيقة، مؤكدًا أن الجهاز المصرفي المصري يتمتع بدرجة عالية من الانضباط والرقابة.

وشدد أبوبكر على أن الجدل الدائر لا يعكس الصورة الكاملة، خاصة في ظل امتلاك الشركة أصولًا قوية، معتبرًا أن تداول معلومات غير دقيقة قد يؤثر على مناخ الاستثمار والثقة في القطاع الصناعي.

ماذا يعني القرار للبنوك والشركة؟

يمثل قرار منع التصرف في الأموال حلقة جديدة في مسار تفاوضي وقانوني معقد بين الشركة والبنوك الدائنة، هدفه الأساسي ضمان حقوق البنوك، وفي الوقت نفسه الحفاظ على استمرار شركة صناعية كبيرة تعمل في قطاع حيوي.

وتكشف الأزمة عن معضلة أوسع داخل بعض ملفات التمويل الصناعي في مصر؛ إذ يمكن أن تتحول المديونية الأصلية إلى التزامات ضخمة بفعل الفوائد وفروق العملة، خصوصًا عندما تكون هناك قروض دولارية طويلة الأجل في بيئة شهدت تغيرات حادة في سعر الصرف.

وبين أرقام البنوك، وبيانات الشركة، وإجراءات النائب العام، يبقى ملف محمد الخشن مفتوحًا على أكثر من مسار: تسوية مصرفية تحفظ أموال الدائنين، أو إجراءات قانونية أوسع إذا تعثرت عملية إعادة الهيكلة.

لكن المؤكد أن القضية لم تعد مجرد خلاف حول مديونية شركة، بل أصبحت اختبارًا مهمًا لقدرة الجهاز المصرفي على إدارة ملفات التعثر الكبرى، وحماية حقوقه، دون الإضرار بكيانات صناعية كبيرة تملك أصولًا وتشغل آلاف العاملين وتساهم في الصادرات.

اقرأ أيضا:

محمد حمودة يعلن اتخاذ إجراءات قانونية ضد مروجي استبعاده في قضية "مليارات الخشن"

search