الثلاثاء، 14 يوليو 2026

08:22 م

استراتيجية الاستنزاف المتدرج.. هل تنجح واشنطن في شل ذراع إيران البحرية؟

مضيق هرمز

مضيق هرمز

أثار إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرض حصار بحري على إيران وتنصيب واشنطن "حارسة" للممر المائي الأكثر أهمية في العالم مع فرض رسوم عبور، العديد من التساؤلات عن الاستراتيجية الحقيقية التي يتبعها ترامب لإضعاف طهران دون تفجير حرب شاملة.

 فهل ينجح الحصار الأمريكي فعلاً في تأمين المضيق وإخضاع الخصم الإيراني، أم أن قدرة الحرس الثوري على المناورة بأسلحة "الإنكار البحري" غير المتكافئة ستغرق هذا الطموح في مياه الخليج؟

فرض حصار بحري على مضيق هرمز

قال ترامب إن الولايات المتحدة ستعيد فرض الحصار البحري على إيران، وستضمن بقاء مضيق هرمز مفتوحاً، وذلك بعد تبادل المزيد من الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة بين الجانبين، مضيفًا في منشور على منصة "تروث سوشيال"، إن "مضيق هرمز سيظل مفتوحاً، بوجود إيران أو دونها.

وأضاف أن الولايات المتحدة ستصبح، من الآن فصاعداً، "حارسة مضيق هرمز"، مشيراً إلى أنها ستتقاضى، وفق طرحه، رسوماً بنسبة 20 بالمئة على الشحنات التي تمر عبر المضيق.

وتثير هذه التصريحات تساؤلات واسعة بشأن طبيعة المرحلة المقبلة، وما إذا كانت واشنطن تتجه نحو حرب بحرية واسعة، أم أنها ستواصل اتباع استراتيجية تقوم على توجيه ضربات محسوبة ومتدرجة لإضعاف القدرات الإيرانية من دون الانزلاق إلى حرب شاملة.

إدارة التصعيد.. الاستراتيجية الأمريكية لتجنب الحرب الشاملة

يرى المستشار في الأمن القومي والعلاقات الدولية اللواء محمد عبدالواحد أن المواجهة، رغم اتساع نطاق العمليات العسكرية، لم تصل بعد إلى مستوى الحرب الشاملة، موضحاً أن الطرفين لا يزالان حريصين على إبقاء الصراع تحت هذه العتبة.

وأضاف عبد الواحد في تصريحات لـ"تليجراف مصر"، إن الولايات المتحدة تتبع استراتيجية تُعرف بـ"إدارة التصعيد"، وهي استراتيجية تسمح لواشنطن بمواصلة الضغط العسكري على إيران دون الدخول في مواجهة شاملة ومفتوحة.

ويحقق هذا النهج، وفق تحليله، عدة أهداف للولايات المتحدة، من بينها تخفيف حدة الانتقادات داخل الإدارة الأمريكية وبين الأطراف الرافضة للحرب، إلى جانب تقويض الرواية الإيرانية التي تصور المواجهة باعتبارها "حرباً وجودية".

كما تحاول واشنطن تحقيق حالة من التوازن الدقيق بين استمرار العمل العسكري وتجنب تصعيد واسع تكون له تداعيات مباشرة على الاقتصاد العالمي، خصوصاً تدفقات النفط وأسواق المال والبورصات.

استهداف "العُقد الحساسة"

يشير عبد الواحد إلى أن طبيعة الأهداف الأمريكية تغيرت مقارنة بجولات سابقة من المواجهة، فخلال الجولة السابقة التي امتدت لنحو 40 يوماً، تركز الاستهداف الأمريكي والإسرائيلي، على القدرات العسكرية التقليدية، بما في ذلك المنشآت النووية ومواقع الصواريخ ومخازنها، فضلاً عن القوات المسلحة ومراكز القيادة والسيطرة.

أما في الجولة الحالية، فتسعى الولايات المتحدة بصورة أكبر إلى ضرب "العُقد الحساسة"، أي المكونات الأساسية للمنظومة العسكرية غير المتكافئة التي يعتمد عليها الحرس الثوري الإيراني في تهديد الملاحة وفرض نفوذه في مضيق هرمز.

وتشمل هذه المنظومة الرادارات ومنصات الصواريخ والمدفعية الساحلية والألغام البحرية والزوارق الصغيرة، وهي عناصر مترابطة تعمل ضمن شبكة متكاملة.

"السيطرة البحرية" مقابل "الإنكار البحري"؟

يفرق عبد الواحد بين مفهومين عسكريين أساسيين لفهم ما يجري في مضيق هرمز: "السيطرة البحرية" و"الإنكار البحري"، وبحسب تحليله، حاول الحرس الثوري الإيراني فرض نوع من السيطرة على المضيق، لكنه لم يتمكن من تحقيق سيطرة بحرية كاملة في ظل التفوق العسكري والوجود الأمريكي.

وبدلاً من ذلك، نجحت إيران في تطبيق مفهوم "الإنكار البحري"، أي جعل استخدام المنطقة البحرية أكثر خطورة وكلفة على الخصوم والسفن التجارية.

ولا تحتاج إيران، وفق هذا النموذج، إلى نشر مدمرات كبيرة لإغلاق المضيق فعلياً، إذ يكفي التهديد باستهداف السفن التي لا تلتزم بمسارات أو تعليمات معينة لرفع مستوى المخاطر، وهو ما يدفع شركات الشحن والتأمين إلى تجنب المنطقة أو رفع تكاليف المرور والتأمين بصورة كبيرة.

وبذلك، يصبح تأثير إيران في حركة الملاحة قائماً على "رفع الكلفة" أكثر من اعتماده على السيطرة البحرية التقليدية.

حرب بحرية حديثة وغير متكافئة

يرى عبدالواحد أن المواجهة الحالية تمثل نموذجاً للحرب البحرية الحديثة غير المتكافئة، حيث تواجه قوة بحرية كبرى مثل الولايات المتحدة منظومة تعتمد على وسائل أقل كلفة وأكثر مرونة، من بينها الصواريخ الساحلية والألغام والزوارق الصغيرة والطائرات المسيّرة.

وأضاف أن هذا النموذج قد يجعل من الصراع مثالاً قابلاً للتكرار مستقبلاً في مضائق وخلجان استراتيجية أخرى، خصوصاً في المناطق التي تستطيع فيها قوة إقليمية تهديد الملاحة الدولية من دون امتلاك أسطول بحري تقليدي يوازي أساطيل القوى الكبرى.

كيف تحاول واشنطن إضعاف الحرس الثوري؟

بحسب عبدالواحد، تستخدم الولايات المتحدة أيضاً استراتيجية يمكن وصفها بـ"الاستنزاف المتدرج"، وتقوم هذه الاستراتيجية على الجمع بين الحديث عن المفاوضات وإبقاء المسار الدبلوماسي قائماً من جهة، وتنفيذ ضربات عسكرية نوعية ومتكررة من جهة أخرى.

ويرى عبدالواحد أن الهدف هو استنزاف المنظومة العسكرية التي يعتمد عليها الحرس الثوري تدريجياً، خصوصاً قدراته المنتشرة على طول الساحل الإيراني والمستخدمة في مراقبة المضيق وتهديد السفن، فعلى سبيل المثال، يؤدي استهداف الرادارات إلى تقليص قدرة إيران على المراقبة والرصد، بينما يؤدي تدمير منصات الصواريخ أو الزوارق الصغيرة إلى تقليص قدرتها على تنفيذ الهجمات وفرض التهديد المستمر على الملاحة.

ومع تكرار هذه الضربات، يرى عبدالواحد أن إيران قد تخسر تدريجياً جزءاً مهماً من أدوات الحرب، وهو ما يؤدي في النهاية إلى تراجع قدرتها على فرض "الإنكار البحري" في مضيق هرمز.

ويستشهد في هذا السياق بتراجع كثافة بعض الهجمات الصاروخية الإيرانية مقارنة بمراحل سابقة من المواجهة، معتبراً أن ذلك قد يعكس تأثير عمليات الاستنزاف المتواصلة على القدرات الإيرانية.

هل تستطيع الولايات المتحدة فتح مضيق هرمز بالقوة؟

قال اللواء عبدالواحد، إنه من الناحية العسكرية، تمتلك الولايات المتحدة تفوقاً واضحاً في القوة الجوية والبحرية والقدرات الاستخباراتية، وهو ما يمنحها القدرة على توجيه ضربات متكررة ضد مواقع الرادارات ومنصات الصواريخ والزوارق والمنشآت الساحلية الإيرانية.

وأضاف أن التحدي لا يتمثل فقط في فتح المضيق في لحظة معينة، بل في ضمان استمرار الملاحة بصورة آمنة ومنخفضة المخاطر، فإيران لا تحتاج بالضرورة إلى السيطرة الكاملة على المضيق كي تؤثر في حركة التجارة العالمية، وقد يكون مجرد استمرار قدرتها على تنفيذ هجمات متفرقة أو زرع الألغام أو استخدام المسيّرات والصواريخ كافياً لإبقاء أسعار التأمين والشحن مرتفعة، وبالتالي الحفاظ على قدر من الضغط الاقتصادي.

ومن هنا، قد تنجح الولايات المتحدة في تقليص قدرة إيران على تعطيل الملاحة، لكن القضاء الكامل والسريع على جميع أدوات التهديد الإيرانية قد يكون أكثر صعوبة، خصوصاً في ظل الطبيعة المتحركة والموزعة لمنظومة الحرب غير المتكافئة.

إيران ترفض الدور الأمريكي في إدارة المضيق

في المقابل، رفضت القيادة العسكرية العليا المشتركة في إيران، ممثلة في مقر "خاتم الأنبياء"، تصريحات ترامب، مؤكدة أن الولايات المتحدة لا تملك دوراً في تحديد مستقبل مضيق هرمز، وأن طهران لن تسمح بالتدخل في إدارته.

كما قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن إيران كانت دائماً حامية للمضيق وستبقى كذلك، رافضاً الطرح الأمريكي بشأن فرض رسوم على حركة العبور.

بدورها قالت المنظمة البحرية الدولية التابعة للأمم المتحدة إنها تعارض فرض رسوم عبور على المضائق المستخدمة في الملاحة الدولية، مشددة على عدم وجود أساس قانوني لفرض رسوم إلزامية على مجرد عبور السفن لهذه المضائق.
 

اقرأ أيضًا:
اتفاق واشنطن وطهران يلفظ أنفاسه مع تجدد الانفجارات في بوشهر وبندر عباس

search