الأربعاء، 22 يوليو 2026

01:09 ص

هل يستطيع الإنسان أن يعيش بلا وهم؟

لا يبدأ الوهم بكذبة، بل بحقيقة ناقصة، بكلمة نريد تصديقها، أو حلم نرفض التخلي عنه، أو صورة تخدع أعيننا فنحسبها واقعًا، هكذا يتسلل إلى حياتنا بهدوء، حتى يصبح جزءًا من قراراتنا، ومشاعرنا، ونظرتنا لأنفسنا ولمن حولنا.

لم يعد الوهم حالة نفسية تصيب أفرادًا بعينهم، بل أصبح صناعة متكاملة يتقنها العالم الحديث. بضغطة زر، تُصنع حياة مثالية على شاشات الهواتف، وتُباع السعادة في صورة، ويُقاس النجاح بعدد الإعجابات، بينما تختبئ خلف الكاميرات خيبات لا يراها أحد، وقلوب أنهكها الاكتئاب، وأشخاص يبتسمون للناس ويبكون في عزلة.

أخطر أنواع الوهم ليس ما يبيعه الآخرون لنا، بل ما نصنعه نحن بأيدينا، حين نمنح أشخاصًا صفات لم يمتلكوها، ونرسم لهم مكانة لم يسعوا إليها، ثم نلومهم لأنهم لم يكونوا كما تخيلنا، كثير من الانكسارات لم يصنعها الواقع، بل صنعتها توقعات مبالغ فيها، وأحلام لم يكن لها أساس سوى رغبتنا في تصديقها.

وفي عالم المال، يُغيّب الوهم العقول قبل أن يسرق الأموال، وعود بالثراء السريع، ومشروعات بلا أساس، واستثمارات لا تقوم إلا على الطمع، فيندفع البعض خلف السراب، ليكتشفوا بعد فوات الأوان أن الطريق الذي ظنوه يقود إلى القمة لم يكن إلا دائرة أعادتهم إلى نقطة البداية.

لكن، هل الوهم شر كله؟ ربما لا، فالإنسان لا يستطيع أن يعيش بالحقيقة وحدها، شيء من الوهم هو ما يجعل الأب يواصل العمل رغم التعب، والأم تتحمل المشقة وهي تؤمن بأن أبناءها سيصبحون أفضل منها، والطالب يسهر الليالي وهو يرى نفسه في مكان لم يصل إليه بعد، ذلك الوهم، حين يقترن بالعمل، يتحول إلى أمل، والأمل هو أول خطوة في طريق الحقيقة.

المشكلة تبدأ عندما يصبح الوهم بديلًا عن الفعل، حين يكتفي الإنسان بالأحلام دون أن يتحرك، ويقنع نفسه بأنه سيصل دون أن يسير، عندها يتحول الوهم إلى سجن، ويصبح أخطر من الفشل، لأن الفاشل يدرك خسارته، أما أسير الوهم فيظن أنه ينتصر وهو يغرق.

الحقيقة ليست جميلة دائمًا، لكنها الطريق الوحيد الذي يقود إلى النجاة، أما الوهم، فقد يمنحنا لحظات من الراحة، لكنه لا يبني مستقبلًا، ولا يصنع نجاحًا، ولا يعيد عمرًا ضاع في انتظار معجزة لن تأتي.

وربما كانت المأساة الحقيقية أن الإنسان لا يكتشف أنه كان يعيش داخل وهم، إلا بعد أن يستيقظ.. ليجد أن الزمن مضى، وأن الحقيقة كانت تنتظره طوال الوقت، لكنه كان مشغولًا بالنظر إلى السراب.

ويبقى السؤال مفتوحًا: هل يستطيع الإنسان أن يعيش بلا وهم؟ أم أن الحقيقة، بكل ما تحمله من قسوة، تحتاج دائمًا إلى شيء من الخيال حتى تصبح أكثر احتمالًا؟.

اقرأ أيضًا:

لا مزيدَ من الانتظار والتردد.. الحب يحتاج إلى شجاعة الحسم والوضوح

search