الأحد، 02 أغسطس 2026

11:56 م

نهى عبد الرحمن

عفوًا أيها المجتمع.. قتل النساء ليس شرفًا!

قتلوها لمجرد شكهم في سلوكها أو حتى بسبب وسواس مر ببالهم، وربما فقط لإسكات الألسنة أو تجنبًا للقيل والقال!! جرائم متكررة تُرتكب في حق فتيات ونساء وزوجات، بل وأمهات، لكونهن ضحايا لهواجس عابرة أو شكوك واهية استقرت في عقول أحد أفراد عائلاتهن، من الرجال أو النساء.

والمؤسف حقًّا أن الجناة في تلك القضايا يندفعون إلى ارتكاب جرائمهم محميين بتبرير - بل وترحيب - مجتمعي تحت لافتة "الدفاع عن الشرف"، معتقدين أن إزهاق الروح التي حرم الله قتلها صكًا للرجولة أو سببًا للفخر وسط الجموع!

من المؤلم جدًا أن تعيش الفتاة بين أم وأب وأخ يعلقون استمرار وجودها في الحياة على شرط الحفاظ على جسدها؛ لا خوفًا عليها من غضب الله، ولا لكونها غالية لا يستحقها أحدًا إلا بالحلال، بل ليظلا "رجالًا" في عيون الأقارب والجيران، أي لأجل مظهرهم أمام الناس فحسب، وإلا حرماها من حياتها! كيف للفتاة أن تشعر بأن هؤلاء هم أمانها وسندها؟!! كيف تحبهم أو تخشى على مشاعرهم من الأساس؟!!

وبالطبع، فإن العقول التي تؤيد القاتل لا تدرك – أو تدرك ولكنها غير مستعدة للتقبل - أن إقامة الحد على الزاني أو الزانية - على حدٍ سواء- تتطلب رؤية العيان لواقعة الزنا من قبل أربعة شهود، أو اعتراف الشخص بنفسه، وهذا ما لم ولن يحدث في جميع الجرائم المشابهة. وعلاوةً على ذلك، فإن حد الزاني غير المحصن في الإسلام هو الجلد وليس القتل أساسًا، ويُطبق عن طريق الجهة القضائية المختصة وليس أحد أفراد العائلة!

فمن أين يُستمد عُرف مجتمعنا الذي يبيح دم الضحية ويهدره في حالة مجرد الشك في سلوكها أو حتى بسبب خاطرة مرت ببال أحدهم بشأنها!

إن بعض الخطابات التي تبرر قتل النساء تنتقي من الخطاب الديني فقط ما يخدم أهوائها مثل حق التعدد وطاعة الزوج، في حين تتجاهل المبادئ الكبرى للشريعة والتي تؤكد حرمة النفس والمساواة في العقوبة بين الذكر والأنثى، أو ربما تحاول تفسيرها وفق مزاجها الشخصي.

وحين يقرأ أصحاب هذه العقول هذا المقال، سيوجهون أصابع الإتهام فورًا: "أنتِ تريدين أن تكون الفتيات بلا رادع، ترديدن أن ينتشر الزنا"؛ لأنهم ببساطة لن يفهموا مضمونه ولا مغزاه أبدًا.. لذا، فلن نناقش أصحاب هذه العقول الآن - فمنطلق الحوار مع من يبرر العنف يحتاج أولًا إلى الاعتراف بحرمة الدم ورفض تحويل الشكوك إلى أحكام. لكن الله يثلج صدور الأسوياء بقوله تعالى: "إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ".

يوم يُرد لكل مظلوم حقه، وينال كل ظالم جزاءه المستحق؛ ذلك اليوم الذي لا حكم فيه إلا لله، بعيدًا عن عادات البشر وتقاليدهم الظالمة والمقيتة، وبعيدًا عن قطيع يصفق للقاتل وينعته بـ "الكينج".

أحزن لحالنا فأتسائل إلى متى ستظل تحكمنا أعراف المجتمع الهوجاء، لتحكم التقاليد الذكورية على أي مؤنث بالإعدام إذا تحدث عنها الناس بسوء بصرف النظر حتى عن حقيقة أحاديثهم، بل أصبح مجرد مرور هاجس برأس أحدهم بشأنها يُعد مبرر كافي لإزهاق روحها! إلى متى ستظل تُرتكب الجرائم بهذه البساطة؟

إن الواقع المؤلم لما يسمى بـ "جرائم الشرف"يضعنا جميعًا أمام مرآة الحقيقة، لنواجه خللًا ثقافيًا وأخلاقيًا يتطلب وقفة حاسمة لتصحيح المفاهيم المجتمعية المغلوطة، لنزع الغطاء الأخلاقي عن تلك الممارسات التي ترفضها الفطرة الإنسانية السوية، ويبرأ منها الدين الإسلامي الحنيف جملةً وتفصيلًا.

لماذا لا نستفيد من دراسة التجارب التشريعية في بعض الدول العربية التي اتجهت إلى إلغاء الأعذار المخففة في جرائم الشرف؟ وكان آخرها الكويت التي ألغت العام الماضي "العذر القانوني" لمرتكبي جرائم الشرف، بما ترتب عليه تغليظ العقوبات، كما أجرت دول عربية أخرى إصلاحات مماثلة في سنوات سابقة، من بينها الأردن وتونس ولبنان. فلماذا لا يتم مراجعة عقوبات جرائم الشرف ضمن إطار مرجعية إسلامية وتشريعية واضحة، بالتوازي مع ما تشهده قوانين الأسرة في مصر حاليًا من مراجعات وتطوير تشريعي متعلق بقضايا المرأة؟

إن هذا التغيير المطلوب في جوهره هو تفعيل حقيقي ومباشر لـ "الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان" التي أطلقتها مصر، والتي تضع حماية المرأة ومناهضة كافة أشكال العنف ضدها كأحد محاورها الرئيسية. وهو ما يتسق مع هذا التوجه الوطني، ويعزز الجهود الرامية إلى حماية النساء من العنف، ويجعله واقعًا يحمي دماء النساء.

أما آن الأوان ليتطرق القائمون على وضع القوانين ومجلس النواب إلى هذا الأمر، بما يتماشى مع التوجه التنويري والحقوقي للمؤسسات الرسمية، من خلال إعادة تقييم وصياغة النصوص القانونية المرتبطة بالجرائم التي تُرتكب بدافع ما يسمى بالشرف، بما يضمن عدم التوسع في أي ظروف مخففة، مع وضع فلسفة تشريعية أكثر إنصافًا تحمي حق المرأة في الحياة، ولا تسمح بأن يتحول هاجس مر على بال أحدهم إلى مبرر لإزهاق روحها فقط لكونها "أنثى"!

search