الأحد، 09 أغسطس 2026

05:53 ص

منارة الوحي على أرض المنيا.. "كفر أبو العودين" أيقونة الكتاتيب المجانية وحاضنة حفظة القرآن الكريم

كفر أبو العودين" أيقونة الكتاتيب المجانية بالمنيا

كفر أبو العودين" أيقونة الكتاتيب المجانية بالمنيا

​ما إن تطأ قدماك أرضها، حتى تتسلل إلى مسامعك أصوات الأطفال العذبة وهم يرتلون آيات الذكر الحكيم، لتتحول حواريها وشوارعها إلى خلايا نحل إيمانية لا تنام.

هنا في قرية "كفر أبو العودين"، التابعة لمركز بني مزار شمال محافظة المنيا، يتنافس الصغير والكبير على حفظ كتاب الله، متخذين من القرآن منهج حياة ونبراس تفوق، في لوحة مجتمعية فريدة تتحدى إيقاع العصر الحديث.

نفحات من عبق الماضي

​لا يتجاوز عدد سكان القرية 12 آلاف نسمة، ورغم صغر حجمها الجغرافي والسكاني، إلا أنها احتلت مكانة بارزة على خريطة القرى القرآنية في مصر، وتعود التسمية التاريخية للقرية إلى الشيخ "أبو العودين"، أحد الأولياء والصالحين الذين استوطنوا المنطقة منذ طلائع الفتح الإسلامي، ليترك خلفه إرثاً روحياً متأصلاً في وجدان أهل القرية الذين ورثوا حب القرآن كابراً عن كابر.

WhatsApp Image 2026-08-08 at 2.54.02 PM
كفر أبو العودين" أيقونة الكتاتيب المجانية

​6 كتاتيب مجانية.. عطاء بلا حدود

​تنفرد القرية بظاهرة مشرفة تتمثل في انتشار 6 كتاتيب قرآنية تعمل بشكل كامل بالمجان، ولم يقتصر الأمر على مقار الكتاتيب الثابتة فحسب، بل يمتد لجهود تطوعية يقوم بها محفظو القرآن من أبناء القرية الذين يجوبون المناهج والدروب لتحفيظ النشء كتاب الله احتساباً لوجه الله تعالى.

لا تقتصر الحلقات على تلاوة القرآن الكريم فحسب، بل تشمل دراسة الأحاديث النبوية الشريفة، ورعاية المواهب الصوتية، وتنظيم المسابقات الدوّارية لتحفيز الطلاب وتشجيعهم على الاستمرار،​كما تشهد الحلقات إقبالاً واسعاً بمختلف الأعمار السنية؛ حيث يفضل الكثير من الدارسين البدء بحفظ سورة البقرة مباشرة بدلاً من قصار السور، وسط متابعة دقيقة من المحفظين.

التفوق والنجاح ثمرة كتاب الله

​يفند مصطفى الإمام، ابن القرية الذي يمتلك صوتاً ملائكياً، الشائعات التي تروج لأن حفظ القرآن يتعارض مع الدراسة والتحصيل العلمي.

يقول مصطفى:​"حفظت القرآن كاملاً في غضون 3 سنوات فقط بدأت في الصف السادس الابتدائي، ورغم عملي الحالي كمهندس، إلا أن حفظ كتاب الله كان الدافع الأساسي لتفوقي والتحاقي بكلية الهندسة."

​ويضيف مسترجعا فضل والده الذي شجعه مراراً وتكراراً، بل وكان يفضّل ذهابه للكتاب على بعض الدروس الخصوصية، ورغم نجاحه في ختم القرآن برواية حفص عن عاصم، إلا أن طموحه لم يتوقف، حيث يحاول جاهداً دراسة القراءات العشر رغم تحديات ظروف العمل.

WhatsApp Image 2026-08-08 at 2.54.19 PM
مصطفى الإمام

​رحلة بدأت في سن الرابعة

​بدأ إبراهيم جمال عبد الناصر، أحد حفظة القرآن الكريم (16 سنة) رحلته المباركة في سن مبكرة جداً لا تتجاوز الرابعة من عمره، متأثراً برؤية أصدقائه يترددون على الكتاب، وقد أتم ختم القرآن كاملاً وهو في الصف الثاني الإعدادي.

​ويؤكد إبراهيم على دور للأسرة في نجاح هذه الرحلة، مشيراً إلى أن الدعم العائلي والمواظبة اليومية هما حجر الأساس لتذليل صعوبة السور المتشابهة، لافتاً إلى أن الكتاتيب هي الحاضنة الحقيقية لعمالقة التلاوة في مصر أمثال الشيخ المنشاوي وعبد الباسط عبد الصمد ومحمد رفعت.

WhatsApp Image 2026-08-08 at 3.58.15 PM
إبراهيم جمال عبد الناصر

​رؤية الخبراء والمحفظين: المجتمع الحاضن للقرآن

أكد ​الشيخ يوسف صلاح عبدالله (محفظ قرآني) لموقع " تليجراف مصر" أن الإقبال على الكتاتيب يضم مستويات مختلفة، بدءاً ممّن يحفظون ربع القرآن أو عشرين جزءاً، وصولاً إلى المبتدئين، مشيراً إلى الدور التحفيزي للمسابقات الدورية في خلق روح المنافسة الشريفة بين الطلاب.

​ويوضح حسن إبراهيم (مدرس بمعهد صندفا الأزهري) أن أجواء القرية تبلغ ذروتها خلال شهر رمضان المبارك، حيث تقام مسابقات كبرى بين الكتاتيب لتوزيع الجوائز على المتفوقين، مؤكداً أن مجانية التحفيظ في "أبو العودين" هي سر استمراريتها وبركتها عبر السنين.

WhatsApp Image 2026-08-08 at 2.54.16 PM

تبقى قرية "كفر أبو العودين" نموذجاً حياً للقرية المصرية الأصيلة التي تتخذ من القرآن العظيم دستوراً لأخلاقها ومحركاً لشبابها نحو المجد والتفوق، مثبتةً أن العمل التطوعي الخالص لوجه الله قادر على صناعة أجيال واعدة تسير بنور الوحي في زمن تتسارع فيه متغيرات الحياة.

تابعونا على

search