الإثنين، 17 أغسطس 2026

04:35 م

كيف نجح محمد أسامة في تحويل مصر من "موقع تصوير" إلى "شريك في صناعة الصورة"؟

محمد أسامة وعمر شريف

محمد أسامة وعمر شريف

خلف كل صورة في فيلم قصة، وخلف كل مشهد رواية، وخلف كل نجاح أشخاص لا تظهر صورهم على الشاشة.
فالحضور المصري اللافت، جغرافيًا وفنيًا، في فيلم «مرحبًا بكم في مطعم التنين»، المكتسح حاليًا شباك التذاكر الصيني، والذي برز فيه الطفل المصري عمر شريف، والفنان شريف صبحي، وفاروق محمد، وغيرهم، ليس مجرد تفصيل صغير في قصة أخرى أكبر.

كان الوجود المصري أكثر من عابر، بل جزءًا أساسيًا في الرواية. فالحضور المصري، بلهجته وفنانيه والأماكن الذي صور فيها الفيلم، كان من الممكن أن يكون مجرد مشاهد عابرة، لولا شخص عمل في الظل على بناء جسر بين صناعتين وثقافتين. أنه المصري محمد أسامة، المعروف في الصين باسم «التنين الصغير»، عبر شركته «دراجون بريدج ميديا"، والذي جعل المشاركة المصرية في الفيلم أكبر من مجرد حضور فني في فيلم يتناول منطقة الشرق الأوسط.

WhatsApp Image 2026-08-17 at 15.11.08 (1)
الجسر الخفي وراء الحضور المصري البارز في «مرحبا بكم في مطعم التنين»

فقد حضرت اللهجة والموهبة والمكان، ونجح أسامة في نقل مصر من كونها مكانًا تأتي إليه الكاميرا الأجنبية، إلى كونها شريكًا يساعد في صناعة الصورة نفسها.

قبل «الجسر».. كان هناك رجل مصري يتعلم كيف يعبر

لم يبدأ محمد أسامة من شركة إنتاج، وإنما من اللغة. يقول إن اختياره دراسة الصينية في جامعة القاهرة، بعد حصوله على 95% في الثانوية العامة، كان قرارًا بدا لعائلته خروجًا عن المألوف. وكان والده، بحسب ما رواه أسامة، يريد له مسارًا أكثر تقليدية واستقرارًا، بينما اختار دخول قسم اللغة الصينية، الذي كان حديث النشأة آنذاك.

ويلخص أسامة بداية علاقته بالصين بطريقة تكاد تختصر مسيرته كلها، قائلًا: «علاقتي بالصين مثلما قلت سابقًا كانت قدرًا وقرارًا».

ويروي أسامة، في حديث مع «تليجراف مصر»، أن فضوله تجاه اللغة بدأ بعد أن سمع جاره يتحدث الصينية، ثم وجد في إنشاء قسم جديد للغة الصينية بجامعة القاهرة إشارة دفعته إلى خوض التجربة.

ويضيف: «الأمر لم يكن مجرد دراسة أكاديمية. أثناء الجامعة عملت مرشدًا للوفود الصينية، الأمر الذي منحني احتكاكًا مباشرًا باللغة وأصحابها، ثم ذهبت إلى الصين بعد أداء الخدمة العسكرية، وبدأت هناك رحلة لم تكن مستقيمة ولا سهلة».

WhatsApp Image 2026-08-17 at 15.11.08
 أسامة عمل مدرسًا للعربية، ثم في ترجمة الأفلام الصينية إلى العربية

عمل أسامة مدرسًا للعربية، ثم في ترجمة الأفلام الصينية إلى العربية، ومر بفترة فقد فيها عمله ومدخراته، قبل أن ينتقل إلى مجال التسويق، ثم إلى وكالة أنباء شينخوا، حيث عمل محررًا للأخبار، قبل أن يعود إلى مصر ويؤسس شركته.

لكنه يعتبر أن التجربة التي غيرت موقعه داخل المجتمع الصيني جاءت عندما بدأ يظهر في البرامج الصينية، متحدثًا عن مصر بالصينية التي يفهمها الجمهور ويعيشها.

وجاءت مشاركته في البرنامج الصيني «محادثات غير رسمية» لتمنحه مساحة مختلفة تمامًا. ولم يكن أسامة يقدم مصر بوصفها مادة سياحية فقط؛ تحدث عن الطعام، والأفراح، والعادات، والسياحة، والأسرة، وحتى موضوعات اجتماعية حساسة، مستخدمًا الكوميديا واللغة اليومية.

وبمرور الوقت، أصبح لأسامة نفسه جمهور صيني يتابعه على منصات التواصل، وظهرت مجموعات مخصصة لمتابعته يتبادل فيها الآلاف الحديث عنه.

يقول: "لم اتعلم الصينية لكي اتحدث مع الصينيين فقط؛ تعلمهتا لكي يفهم كيف يفكرون، وما الذي يثير فضولهم، وما الذي يضحكهم، وكيف ينظرون إلى المصري والعربي".

ويضيف «لم أعد من هذه اللحظة مجرد أجنبي في الصين. أصبحت وجهًا مصريًا يعرفه الصينيون».

ويضيف: «اكتشفت أن كثيرًا مما يعرفه الصينيون عن مصر كان محصورًا في صور قليلة: الأهرامات، الصحراء، النيل، المومياوات. الصينيون ينظرون إلى مصر من خلال الصحراء والأهرامات والنيل، بينما ينظر المصريون إلى الصين من خلال الكونغ فو وجاكي شان والصناعة الصينية. شعرت بأنني أستطيع أن أجعل المصريين يعرفون الصين الحقيقية، وأن أجعل الصينيين يعرفون مصر الحقيقية».

WhatsApp Image 2026-08-17 at 15.11.07 (1)
محمد أسامة 

هذه الجملة ربما تكون المفتاح الحقيقي لفهم ما فعله لاحقًا. فأسامة لم يكن يعمل فقط في الترجمة بين العربية والصينية، وإنما في ترجمة الصور الذهنية. والفارق بين الاثنين كبير.

هنا حدث شيء بالغ الأهمية: أصبح المصري شخصًا، لا صورة. وهذه النقلة مهمة جدًا عندما نتحدث عن انتقال الفنان المصري إلى السوق الصينية.

ويكشف أسامة الفلسفة التي انطلق منها قائلًا: «الجمهور لا يستقبل الممثل الأجنبي من فراغ. إنه يستقبله من داخل مجموعة من الصور والانطباعات السابقة. وكلما أصبح هناك حضور بشري حقيقي ومألوف، أصبح الآخر أقل غرابة».
فالرجل الذي كان يبحث عن طريق إلى الصين أصبح يبحث عن طريق للمصريين إلى الصين.

من الخبرة الشخصية إلى «الجسر»

انتبه أسامة إلى أن المشكلة التي تواجه كثيرًا من المواهب العربية ليست بالضرورة نقص الموهبة، وإنما نقص القنوات التي تصل بها هذه الموهبة إلى أسواق جديدة.

يقول: «السوق الصينية ضخمة، لكن الدخول إليها ليس سهلًا. هناك اللغة، والثقافة، ونظام الإنتاج، والعلاقات المهنية، وطبيعة الاختبارات، وطرق التواصل، ومتطلبات العقود والتصوير. ومن دون شخص أو مؤسسة يفهم الطرفين، قد تظل الموهبة المصرية موجودة، لكنها بعيدة عن عين المنتج الصيني».

WhatsApp Image 2026-08-17 at 15.11.06 (3)
WhatsApp Image 2026-08-17 at 15.11.06 (3)

وهنا يصبح دور «الجسر» حاسمًا. فالممثل لا يحتاج فقط إلى أن يعرف أن هناك فرصة؛ يحتاج إلى أن يصل إليها. والمنتج لا يحتاج فقط إلى أن يعرف أن هناك ممثلين موهوبين في مصر؛ يحتاج إلى أن يعرف أين يجدهم، وكيف يختار بينهم، وكيف يعمل معهم.

وهذا هو النوع من الفجوة الذي يمكن لشركة «دراجون بريدج ميديا» أن تملأه.

فبعد أن كانت خبرته الشخصية هي رأس ماله الأساسي، انتقل أسامة إلى بناء منظومة تستطيع أن تجعل هذه الخبرة متاحة لآخرين.

وتعمل شركته «دراجون بريدج ميديا» في مساحة تتجاوز الإنتاج بالمعنى الضيق؛ فهي تتحرك باعتبارها منصة للربط بين الجماهير والأسواق العربية والصينية، من خلال الإنتاج الإعلامي، وصناعة المحتوى، وتمثيل المواهب، والعلاقات العامة، والتسويق والشراكات العابرة للحدود، حتى اسم الشركة- لو ترجم عربيا- يحمل الفكرة: التنين، بوصفه رمزًا صينيًا، والجسر بوصفه وسيلة للعبور.

يقول أسامة: «لكن الجسر الحقيقي ليس اللغة وحدها. إنه شبكة من المعرفة والخبرة والثقة: معرفة من هو الممثل المناسب، ومن أين يأتي، وكيف يتعامل معه المنتج، وكيف تُدار التصاريح، وكيف يتحرك فريق أجنبي في القاهرة، وكيف تُترجم رؤية مخرج صيني إلى واقع مصري دون أن تفقد خصوصيتها».

ويتحدث عن طبيعة الدور باختصار: «دور الشركة مختلف عن دور مكتب خدمات إنتاج تقليدي. إنها تحاول أن تعمل في المنطقة الفاصلة بين الثقافة والإنتاج».

وجاء «مرحبًا بكم في مطعم التنين» ليضع هذا النموذج أمام اختبار حقيقي.

فالفيلم، الذي أخرجه ون مويي وبطولة شن تنغ، احتاج في الجزء المصري من إنتاجه إلى أكثر من مجرد مواقع تصوير. ووفق وصف المشروع، كان على الشركة توفير 24 ممثلًا من الشرق الأوسط، وإدارة الكاستينج، والتنسيق واللوجستيات، والحصول على التصاريح، ومتابعة عمليات التصوير في مواقع مصرية متنوعة.

WhatsApp Image 2026-08-17 at 15.11.06 (2)
WhatsApp Image 2026-08-17 at 15.11.06 (2)

يقول أسامة: «أهمية الرقم. 22 ممثلًا ليسوا 22اسمًا في كشف. إنهم 22 اختيارًا يحتاج كل واحد منهم إلى أن يطابق شخصية ورؤية إخراجية وسياقًا دراميًا. وهذا يتطلب معرفة مزدوجة: معرفة بالسوق المحلية، ومعرفة بما يريده الطرف الصيني».

ويتابع: «إنها عملية ترجمة، لكنها ليست ترجمة كلمات. إنها ترجمة احتياجات إنتاجية وثقافية وفنية».

وكشف أسامة أن اختيار الممثلين في الفيلم قام على عنصر الجودة فقط، مشيرا إلى أن المخرج اختار عمر شريف من بين 6 الاف كطفل من مختلف الدولة العربية تنافسوا على الدور.

ويضيف: «تنقلت الكاميرا بين الحطابة ومصر الجديدة والقاهرة القديمة والصحراء البيضاء، لتصبح المهمة أكبر من توفير موقع تصوير؛ إنها عملية إدارة لبيئة إنتاج كاملة، بما فيها البشر والمكان والوقت والتصاريح والحركة».
وهنا يمكن فهم معنى أن تكون مصر «شريكًا في صناعة الصورة».

يستطرد أسامة: «لطالما امتلكت مصر ما يجعلها جذابة للإنتاج الأجنبي: تاريخ، وعمارة، وصحراء، ونيل، وشوارع تحمل طبقات متراكمة من الزمن. لكن الموقع وحده لا يصنع صناعة. القيمة الحقيقية تبدأ عندما تتحول هذه العناصر إلى منظومة إنتاجية تستطيع أن تقدم للمشروع الأجنبي أكثر من المكان».

وفي فيلم «مرحبًا بكم في مطعم التنين»، لم تكن القاهرة مجرد منظر. كان هناك ممثلون مصريون، وفرق محلية، وتصاريح، وتنسيق، وخدمات إنتاج، ومواقع متعددة، وشخص يقف بين الطرفين ويعرف كيف يتحدث مع كل منهما.
وهنا يصبح الفرق واضحًا بين أن تأتي الكاميرا إلى مصر، وبين أن تعمل مصر مع الكاميرا.

من الصورة إلى الألفة

أسامة لم يُصدّر الممثل المصري إلى الصين من نقطة الصفر؛ فقد سبق ذلك ببناء نوع من الألفة الثقافية. فالجمهور الذي عرفه من خلال البرامج الصينية لم يكن يتعامل مع المصري باعتباره شخصية بعيدة، بل مع وجه مصري يتحدث لغته، ويمازحه، ويشرح له بلده.

لهذا، فإن ما يحدث مع الفنانين المصريين يتجاوز التمثيل إلى بناء «سياق استقبال». فعندما يظهر وجه مصري على الشاشة، لا يكون الفضول وحده حاضرًا؛ فالألفة السابقة تساعد على تحويله إلى اهتمام، ليصبح تصدير الموهبة جزءًا من تصدير الصورة.

WhatsApp Image 2026-08-17 at 15.11.06 (1)
عمر شريف ومحمد أسامة

لكن الجسر لا يعمل في اتجاه واحد. فالشركة تساعد أيضًا العلامات والشركات الصينية على التواصل مع الأسواق العربية، من خلال المحتوى والإنتاج والعلاقات العامة والجولات الإعلامية. وفي الاتجاه المقابل، يمكن للصحفي أو صانع المحتوى العربي أن يعبر إلى الصين ليرى السوق والشركات والمنتجات من الداخل.

وهنا تتضح قيمة الشخص الذي يعرف الطرفين؛ فهو لا ينقل الأشخاص والأعمال فقط، وإنما ينقلهم إلى السياق الذي يجعل وصولهم ممكنًا ومفهومًا.

ما الذي تغير فعلًا؟

التغير الحقيقي الذي تكشفه تجربة «مطعم التنين» ليس مجرد ظهور ممثلين مصريين في فيلم صيني؛ فهذا يمكن أن يحدث مرة وينتهي الأمر. الأهم هو أن يصبح هناك مسار يمكن تكراره: أن يعرف المنتج الصيني أن مصر ليست فقط الأهرامات والصحراء، وإنما تضم ممثلين وفرقًا وشركات وأشخاصًا قادرين على العمل داخل إنتاج دولي.

وفي المقابل، أن يعرف الفنان المصري أن السوق الصينية ليست مغلقة تمامًا أمامه، وأن هناك من يستطيع أن يشرح له الطريق ويفتح له الباب.

WhatsApp Image 2026-08-17 at 15.11.06
عمر شريف ومحمد أسامة

وإذا استمر هذا المسار، يمكن أن تتحول المشاركة المصرية من ظهورات متفرقة إلى حضور أكثر انتظامًا داخل صناعة تتسع عامًا بعد آخر.

عندها لا يعود السؤال: «من هو المصري الذي ظهر في الفيلم؟»، بل يصبح السؤال الأهم: «من الذي فتح الباب؟».
وربما تكون الإجابة هي القصة الحقيقية وراء الصورة: رجل مصري لم يكتفِ بأن يعبر الجسر إلى الصين، بل قرر أن يبنيه، ثم بدأ يدعو الآخرين إلى العبور.

search