الأربعاء، 19 أغسطس 2026

03:38 م

محمد مازن

عندما تلتقي عظمة القوة الناعمة للقاهرة وبكين في «مطعم التنين»

يمثل النجاح الساحق الذي حققه فيلم «مرحبًا بكم في مطعم التنين» لبنة كبيرة في جدار ثقافي يُبنى بهدوء بين مصر والصين عبر الفن السابع. 

وربما تكون أهمية الفيلم بالنسبة إلى مصر أكبر من مجرد مشاركة عدد من الفنانين في عمل صيني ناجح؛ لأن الحضور المصري لم يكن عابرًا أمام الكاميرا، وإنما بدا أقرب إلى انتقال مصر من موقع «المشارك» إلى موقع «الشريك في صناعة الصورة».
 

يكفي أن ننظر إلى تفاصيل الفيلم لنكتشف حجم هذا الحضور. أكثر من 22 ممثلًا عربيًا، غالبيتهم من مصر، من بينهم فنانون كبار وأطفال، يظهرون إلى جانب نجوم السينما الصينية. اللهجة المصرية حاضرة بقوة، وكذلك الموسيقى، صوت عمرو دياب، بينما تظهر أماكن مصرية في المشاهد التي صورت في مصر، من بينها القاهرة القديمة والصحراء البيضاء والحطابة وغيرها.
 

وبذلك لم تكن مصر في «مرحبًا بكم في مطعم التنين» مجرد خلفية جغرافية تؤدي وظيفة درامية، بل أصبحت جزءًا من النسيج البصري والسمعي والإنساني للفيلم، فالفنانون المصريون لا يظهرون في هامش المشهد، وإنما يشاركون في صناعة عالم الفيلم إلى جوار أبطاله الصينيين، بعدسة المخرج ون مويي. الوجوه المصرية، واللغة، وخفة الدم، وطبيعة الأداء، والتفاصيل اليومية، كلها أضافت طبقة من الواقعية إلى الحكاية التي تدور في منطقة من الشرق الأوسط خلال أجواء حرب عام 2003.
 

ويبرز من بين هذه الوجوه الفنان شريف صبحي، إلى جانب الفنان الشاب عمر شريف، والفنان فاروق محمد، وأحمد سليم، ونيرة، وغيرهم من الأطفال الذين أسهموا في تقديم البيئة العربية من الداخل.
 

وهذا التفصيل مهم؛ فوجود فنانين من المنطقة نفسها منح الصورة قدرًا أكبر من الحياة والتفاصيل، وحوّل المشاركة الفنية إلى نوع من التبادل الثقافي الحقيقي. فالممثل لا يؤدي دوره فقط، وإنما يحمل معه لغته ولهجته وذاكرته وطرائق التعبير التي تنتمي إلى مجتمعه.
 

ولعل هذا ما جعل الفيلم أكثر من مجرد عمل صيني حقق نجاحًا جماهيريًا. إنه تجربة تقول إن مصر تستطيع أن تكون شريكًا في صناعة الصورة الصينية عن العالم، لا مجرد بلد تُصوَّر فيه بعض المشاهد أو مصدرًا لبعض الممثلين، فالسينما هي الفن السابع لأنها تجمع طاقات الفنون المختلفة، ثم تضيف إليها الحركة والصوت والمونتاج والإضاءة وحركة الكاميرا.

ولذلك فإن المشاركة في صناعة فيلم ناجح تعني المشاركة في صناعة منظومة متكاملة من الصورة والخيال والرسالة.

حين يصبح الطعام لغة للسلام

وفي «مطعم التنين» تتقاطع هذه العناصر حول سؤال بسيط وعميق: كيف يحافظ الإنسان على إنسانيته عندما تحاصره الحرب؟
 

الحرب موجودة في الفيلم، لكنها ليست بطله الوحيد. البطل الحقيقي هو الإنسان العادي: طاهٍ صيني يسافر إلى الشرق الأوسط بحثًا عن الرزق، وطفل يعيش تحت وطأة الحرب، وشباب يجدون أنفسهم أمام خيارات قاسية، ومطعم يتحول من مشروع تجاري إلى مساحة صغيرة للحماية والسلام.
 

وهنا يصبح الطعام لغة مشتركة. فالإنسان، مهما اختلفت لغته أو جنسيته أو عقيدته، يجوع ويحتاج إلى الأمان، ويبحث عن مكان يستطيع فيه أن يجلس إلى مائدة دون أن يخشى القصف. ولذلك فإن عبارة «كل عدل» أو «تناول الطعام جيدًا» التي تتكرر في الفيلم تتحول إلى اختصار لفكرة السلام نفسها.
 

ومن هنا يمكن فهم التعاون الصيني المصري في الفيلم باعتباره مثالًا على قدرة الفن السابع على بناء مساحة للتآزر حول قضايا تتجاوز الحدود: السلام، وحماية الأطفال، وحق الإنسان في الحياة الآمنة، والجوع، والفقر، وآثار النزاعات، فالفن لا يستطيع وحده أن يوقف حربًا، لكنه يستطيع أن يجعل العالم يرى آثارها، وأن يمنح الضحية وجهًا وصوتًا وقصة. فقد يحتاج الإنسان إلى سنوات حتى يقرأ عن معاناة شعب بعيد، لكنه قد يحتاج ساعتين فقط ليبكي مع شخصية لا تتحدث لغته.

تعاون يتجاوز الشاشة

والمتابع للعلاقات الثقافية بين مصر والصين يجد أن هذه التجربة لم تأتِ من فراغ. فالتعاون بين البلدين يمتلك جذورًا أقدم من الفيلم، وشهد خلال السنوات الأخيرة تناميًا في مجالات متعددة، من الترجمة والأدب وتبادل زيارات الفنانين إلى ترميم الأفلام القديمة، والتعاون في الآثار والثقافة، والاستفادة من التكنولوجيا والخبرات الصينية في حفظ التراث.
 

كما شهدت المهرجانات السينمائية في البلدين حضورًا متبادلًا، وشاهدنا حضور الفيلم الصيني في مهرجان القاهرة السينمائي الماضي بقوة، في الوقت الذي وجدت فيه أعمال وآثار ومنتجات ثقافية مصرية طريقها إلى الجمهور الصيني.
 

وعند الحديث عن هذه المسيرة لابد أن نذكر ان التقارب المصري الصيني خلال السنوات الأخيرة قد حظي بدعم واضح من قيادتي البلدين، الرئيس عبد الفتاح السيسي والرئيس شي جين بينغ، عبر اتفاقات وبروتوكولات وتفاهمات أسهمت في توسيع مجالات التعاون في مختلف المجالات، بما فيها الثقافة والفنون.
 

ومع تراكم هذه المسارات، انتقل التعاون تدريجيًا من مجرد تبادل ثقافي إلى شراكات أكثر عمقًا في صناعة الصورة، وهو ما يظهر أحد تجلياته اللافتة اليوم في «مرحبًا بكم في مطعم التنين».
 

فإذا كان التعاون الرسمي يفتح الأبواب، فإن الفن يستطيع أن يجعل الشعوب تعبر من خلالها.

قصص مشتركة لم تُروَ بعد

ربما يكون التحدي الحقيقي في المرحلة المقبلة هو ألا نتوقف عند حدود تبادل الممثلين ومواقع التصوير، وإنما ننتقل إلى إنتاج قصص مصرية صينية مشتركة.
 

لدينا مساحة واسعة من القصص التي تستحق أن تُروى: قصص النجاح في مواجهة الفقر، وتجارب التنمية، وقصص الأسر والشباب والقرى التي انتقلت من الهامش إلى قلب التنمية.
 

الصين لديها تجربة واسعة في انتشال ملايين الناس من الفقر وتحسين مستويات المعيشة، ومصر لديها تجربة «حياة كريمة» وما ارتبط بها من تطوير للقرى وتحسين الخدمات والبنية الأساسية.
 

لماذا لا تتحول مثل هذه التجارب إلى أعمال سينمائية مشتركة؟ ليس بهدف تقديم أفلام دعائية، وإنما لصناعة حكايات إنسانية جيدة تجعل المشاهد يرى الإنسان هنا وهناك خلف الأرقام والمشروعات.
 

يمكن أن نروي قصة أسرة في قرية صينية وأخرى في قرية مصرية، أو قصة شاب مصري وشاب صيني يتقاطع مسارهما في مشروع تنموي والازدهار معًا، أو حكاية عن التكنولوجيا والتعليم والهجرة والفرص الجديدة.
 

هذه القصص يمكن أن تخلق قيمة ثقافية وفنية واقتصادية، وتوفر مساحة حقيقية للتبادل بين صناعتين وجمهورين.
 

في عالم يزداد تعقيدًا، تتراجع أحيانًا قدرة الخطاب السياسي وحده على بناء جسور الفهم بين الشعوب. وهنا يزداد دور الفن.
 

قد لا يعرف المشاهد الصيني تفاصيل الحياة المصرية، لكن شخصية مصرية صادقة في فيلم ناجح يمكن أن تمنحه مدخلًا إلى مصر لا توفره عشرات التقارير. وبالمثل، يستطيع الفيلم الصيني أن يفتح للمشاهد المصري نافذة على الصين أبعد من الصورة التقليدية المرتبطة بالتكنولوجيا والتجارة والاقتصاد.
 

وهذا، من وجهة نظري، هو الدور الحقيقي للقوة الناعمة: أن تجعل الآخر مألوفًا، وأن تحوّل الاختلاف من حاجز إلى فضول، والفضول إلى معرفة، والمعرفة إلى تفاهم.
 

ومن هنا، فإن «مرحبًا بكم في مطعم التنين» لا ينبغي أن يُقرأ فقط باعتباره فيلمًا صينيًا شارك فيه 22 فنانًا مصريًا وعربيًا.
 

القضية أوسع من ذلك.
 

فمصر في الفيلم ليست مجرد ممثلين، وليست مجرد أماكن تصوير، والشرق الأوسط ليس ديكورًا، والصين ليست مجرد جهة إنتاج.
 

هناك حكاية مشتركة تُصنع أمام الكاميرا وخلفها؛ حكاية عن الإنسان، والطعام، والحرب، والسلام، والأطفال، والخوف، والأمل.
 

وربما تكون الخطوة الأهم التي يمكن أن نبني عليها مستقبل التعاون السينمائي بين البلدين هي ألا نكتفي بأن نشارك في أفلام بعضنا، بل أن نبدأ في صناعة أفلامنا معًا.
 

فقد تكون أقصر الطرق بين القاهرة وبكين ليست طريقًا جويًا ولا تجاريًا، وإنما حكاية جيدة تُروى على شاشة واحدة، فيجد فيها كل شعب شيئًا من نفسه.

search