الأربعاء، 19 أغسطس 2026

06:14 م

كارثة "مصنع المخللات" بالمنيا.. كيف تحول إلى مقبرة جماعية؟

كارثة "مصنع المخللات" بالمنيا

كارثة "مصنع المخللات" بالمنيا

على أطراف قرية "الشيخ علاء" التابعة لنزلة الفلاحين بمركز المنيا، حيث تتآكل الرقعة الزراعية تحت وطأة البناء المخالف، لا تتصاعد من المكان رائحة الخل أو المخللات، بل رائحة غازات سامة. 

هناك، داخل بؤرة صناعية غير مرخصة "تحت السلم" مسقوفة بالبوص والغاب، تحوّلت صرخات فتيات قاصرات في لحظات خاطفة إلى مأساة إنسانية يندى لها الجبين، بعدما سقطت طفلة لم تتجاوز عامها الرابع عشر داخل بيارة صرف كيميائي، ليلحق بها المتطوعون واحدًا تلو الآخر، صرعى إثر استنشاق غاز "كبريتيد الهيدروجين" القاتل.

غاز سام وسقوط متتابع للمُنقذين 

بدأت المأساة يوم الاثنين الماضي، حينما سقطت إحدى العاملات القاصرات بالمصنع (طفلة عمرها لا يتجاوز 14 عامًا تدعي “رحاب عبدالرحمن”، داخل بيارة مخصصة لتجميع مياه الصرف والمواد الكيميائية المستخدمة في التصنيع. 

ومع تعالي صراخ العاملات، هرع الجيران والمارة من أبناء القرية بدافع النخوة، ودخلوا المنشأة لإنقاذ الطفلة، دون علمهم باحتواء البيارة المغلقة على غاز كبريتيد الهيدروجين القاتل. 

وقال أحد أهالي القرية، محمد فتحي: "الوضع كان مأساوي، كل من ينزل لإنقاذ شخص يسقط داخل البيارة المسمومة نتيجة عدم توافر أدوات سلامة، حتى وضع أحدهم شالًا على وجهه ونزل على سلم وربط المصابين بالحبال ورفعهم".  

177742870288202608191129192919 (1)
الضحايا الثلاثة

شهامة الجيران وفرار مالك المنشأة

أكد فتحي أن المتوفي الأول شاب يدعى “محمد رجب”، 20 عامًا، مقيم بقرية تلة، قبل أن ترتفع حصيلة الوفيات إلى 3 بوفاة محمد جمعة عبدالكريم، يبلغ من العمر 30 عام- متزوج وأب لـ 5 بنات، بالإضافة إلى إصابة والده وشقيقه الذي كان يستعد للزواج بعد شهرين، وموجوين داخل المستشفى على جهاز التنفس الصناعي في حالة حرجة جدًا، إثر تعرضهم لفشل رئوي وضعف حاد بعضلة القلب، مضيفا أنهم لم يكونوا من عمال المصنع، بل هرعوا كمتطوعين من منازلهم المجاورة لإنقاذ المحتجزين.

وكشفت شهادات الأهالي أن صاحب المصنع، وفور وقوع الطفلة وتصاعد الغازات السامة، لاذ بالفرار هو وأبناؤه دون أن يحذر المارة والمنقذين من وجود مواد سامة قاتلة داخل البيارة.

image
كارثة "مصنع المخللات" بالمنيا

كارثة المباني المخالفة والغياب الرقابي

كما كشفت الواقعة، إنشاء هذا المصنع على أرض زراعية بمساحات مختلفة دون الحصول على تراخيص رسمية، وبمعزل عن الاشتراطات البيئية أو قواعد السلامة والصحة المهنية، حيث جرى تسقيفه بمواد هشّة من الغاب والبوص.

وعلى الرغم من صدور محاضر مخالفات صحية سابقة، استمر المصنع في العمل نتيجة غياب الرقابة الصارمة حتى وقعت هذه الفاجعة الإنسانية.

وعلى خلفية ذلك، توجهت أسر الضحايا والمصابين رسميًا إلى النيابة العامة، لتقديم اتهام مباشر لمالك المنشأة بالقتل الخطأ، والإهمال الجسيم، وتجاهل اشتراطات السلامة والصحة المهنية. 

search