الجمعة، 21 أغسطس 2026

03:21 ص

المعايير الدولية.. مسؤولية على الطالب قبل أن تكون التزامًا عليه

حين نتحدث عن تطوير التعليم، كثيرًا ما نسمع عبارة “المعايير الدولية” وكأنها قائمة من الالتزامات التي يجب أن يلتزم بها الطالب وولي الأمر والمعلم، وكأن المعايير الدولية وُجدت فقط لتضع مزيدًا من الأعباء على كاهل الأسرة المصرية.

لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح بوضوح: ماذا عن المعايير الدولية التي تلتزم بها الدولة ووزارة التربية والتعليم تجاه الطالب؟

إذا كانت المعايير الدولية معيارًا نحتكم إليه، فيجب أن نحتكم إليها كاملة، لا أن نختار منها ما يناسب القرارات ونترك ما يخص حقوق الطالب وجودة العملية التعليمية.

المعايير الدولية لا تعرف فصولًا مكتظة بالطلاب إلى الحد الذي يجعل المعلم عاجزًا عن متابعة كل طالب بصورة حقيقية. فالطالب ليس رقمًا في كشف الحضور، والمعلم ليس آلة لإلقاء المنهج.

كيف نطالب الطالب بالتركيز والتحصيل، بينما قد يجلس في فصل شديد الكثافة، وفي ظروف مناخية صعبة، دون البيئة التعليمية المناسبة؟

إذا كنا نريد طالبًا قادرًا على الاستيعاب والإبداع، فعلينا أولًا أن نوفر له البيئة التي تساعده على ذلك.

ثم نأتي إلى المعلم.

لا يمكن أن نتحدث عن تعليم قوي دون أن يكون لدينا معلم قادر، مؤهل، ومدعوم، ولديه الوقت والإمكانات التي تمكنه من أداء رسالته.

فالطالب الذي لم يفهم داخل الفصل لا ينبغي أن يكون مصيره اللجوء تلقائيًا إلى الدروس الخصوصية.

وهنا نصل إلى واحدة من أكثر النقاط حساسية في منظومة التعليم المصرية: الدروس الخصوصية.

إذا كانت المدرسة تؤدي دورها كاملًا، وإذا كان الفصل مناسبًا، والمعلم قادرًا على الشرح والمتابعة، وإذا كانت هناك آليات حقيقية لاكتشاف الطلاب المتعثرين وتقديم الدعم لهم، فلماذا يحتاج الطالب إلى شراء فرصة إضافية للفهم خارج المدرسة؟

المعيار الحقيقي لجودة التعليم ليس أن يصبح ولي الأمر مضطرًا لدفع أموال إضافية حتى يحصل ابنه على التعليم الذي يفترض أن يحصل عليه داخل المدرسة.

نحن بحاجة إلى فصول تقوية ودعم تعليمي حقيقيي داخل المدارس للطلاب الذين يحتاجون إلى مزيد من الشرح، مع خطط واضحة لاكتشاف نقاط الضعف وعلاجها، بدلًا من ترك الطالب يتراكم عليه عدم الفهم حتى يصبح المنهج بالنسبة إليه جبلًا لا يستطيع صعوده.

والتعليم ليس درجات وامتحانات فقط.

الطالب إنسان متكامل.

له عقل يحتاج إلى المعرفة، وجسد يحتاج إلى الرياضة، وموهبة تحتاج إلى اكتشاف، ونفس تحتاج إلى الترفيه والتوازن.

فأين الأنشطة الرياضية والفنية والثقافية التي تصنع شخصية الطالب؟

أين المساحات التي نكتشف فيها موهبة لاعب أو فنان أو مبتكر أو قائد؟

المدرسة ليست مكانًا لتلقين المناهج فقط، وإنما مصنع لبناء الإنسان.

ومن هنا، فإن تطبيق المعايير الدولية يجب ألا يكون انتقائيًا.

لا يصح أن نأخذ من التجارب الدولية ما يتعلق بالانضباط والالتزام والامتحانات والتقييم، ثم ننسى أن هذه التجارب نفسها تقوم على بنية تعليمية متكاملة: مدارس مجهزة، معلم مؤهل، كثافات مناسبة، دعم للطلاب، أنشطة، رعاية للمواهب، وبيئة تعليمية تضع الطالب في قلب المنظومة.

والأهم من كل ذلك أن السياسات التعليمية لا يجب أن تتغير بتغير الأشخاص.

نحن بحاجة إلى منظومة تعليمية تضعها لجان من الخبراء والمتخصصين، وتُبنى على دراسات وبيانات وتجارب حقيقية، ثم تستمر وفق رؤية طويلة المدى، لا أن تبدأ كل مرحلة بفلسفة جديدة وتنتهي بقرارات جديدة.

التعليم أخطر من أن يكون مجالًا للتجربة المستمرة.

لأن الخطأ في أي قطاع يمكن إصلاحه بعد فترة، أما الخطأ في التعليم فنحن لا ندفع ثمنه اليوم فقط؛ بل قد يدفع أبناؤنا ثمنه لعشرات السنوات.

المقترح: ميثاق وطني لجودة التعليم وفق معايير واضحة

المطلوب ليس إلغاء التطوير أو رفض المعايير الدولية، وإنما إعادة تعريف تطبيقها بصورة متوازنة وعادلة من خلال إعداد «ميثاق وطني لجودة التعليم» تشارك في وضعه لجان مستقلة من خبراء التربية والتعليم، وأساتذة الجامعات، والمتخصصين في تطوير المناهج، وعلم النفس التربوي، والإدارة التعليمية، وممثلي المعلمين وأولياء الأمور.

ويقوم الميثاق على مجموعة من المؤشرات التي تُقاس سنويًا، وليس على القرارات فقط، ومن أهمها:

* وضع مستهدفات تدريجية لخفض كثافات الفصول.
* ضمان توافر بيئة مدرسية صحية ومناسبة للطلاب، بما يتوافق مع الظروف المناخية.
* رفع كفاءة المعلم وتوفير التدريب المستمر له، مع تحسين بيئة عمله.
* توفير حصص دعم وتقوية مجانية داخل المدارس للطلاب الذين يحتاجون إليها.
* وضع خطة حقيقية للحد من اعتماد الأسر على الدروس الخصوصية من خلال تحسين جودة التعليم داخل المدرسة.
* إعادة تفعيل الأنشطة الرياضية والفنية والثقافية واكتشاف المواهب.
* قياس مستوى رضا الطلاب وأولياء الأمور والمعلمين عن العملية التعليمية.
* نشر مؤشرات أداء واضحة لكل مدرسة؛ حتى يكون التطوير قائمًا على بيانات حقيقية وليس انطباعات.
* تشكيل لجنة خبراء مستقلة تراجع السياسات التعليمية بصورة دورية، بما يضمن استمرارية الرؤية وعدم ارتباطها بتغير الأشخاص.

والأهم أن يتم التعامل مع جودة التعليم باعتبارها حقًا للطالب والتزامًا على الدولة في الوقت نفسه، وليس مجرد مجموعة من الواجبات المفروضة على الطالب والأسرة.

فإذا أردنا بالفعل أن نصل إلى تعليم يضاهي النظم المتقدمة، فعلينا أن نسأل في كل قرار جديد:

ما الذي سيحصل عليه الطالب في المقابل؟

وما الذي ستقدمه المدرسة؟

وما الذي ستوفره الوزارة؟

وما المؤشر الذي سيخبرنا بعد عام أو عامين أن القرار نجح فعلًا؟

والخاتمة

لسنا ضد التطوير، ولسنا ضد المعايير الدولية، ولسنا ضد الانضباط أو التقييم.

نحن فقط نريد عدالة في تطبيق المعايير.

فلا يمكن أن نطالب أبناءنا بأن يتعلموا بمعايير القرن الحادي والعشرين، بينما نوفر لهم أحيانًا بيئة تعليمية لا تساعدهم على التعلم أصلًا.

ولا يمكن أن نطلب من الأسرة أن تتحمل المزيد من الأعباء، ثم نتساءل لماذا أصبحت الدروس الخصوصية جزءًا من حياة المصريين.

ولا يمكن أن نطلب من الطالب أن يكون مبدعًا، ثم نحاصره داخل منظومة لا تمنحه المساحة الكافية للرياضة والفن والابتكار.

التعليم ليس امتحانًا للطالب وحده… التعليم امتحان للدولة كلها.

وإذا كانت المعايير الدولية هي بوصلتنا، فعلينا أن نسأل بصدق: هل نطبقها فقط عندما تتحدث عن التزامات الطالب؟ أم نطبقها أيضًا عندما تتحدث عن حقوقه؟

فالطالب المصري لا يحتاج إلى معايير أقل من غيره، وإنما يحتاج إلى فرصة عادلة.

يحتاج إلى مدرسة تحترم عقله، ومعلم يؤمن برسالته، وفصل يستطيع أن يتعلم فيه، وأنشطة تكتشف موهبته، ودولة ترى أن الاستثمار الحقيقي ليس في المباني والمناهج فقط، وإنما في الإنسان نفسه.

لأننا حين نُحسن تعليم أبنائنا، فإننا لا نُحسن درجاتهم فقط… بل نبني مستقبل وطن كامل

search