ذكرى وفاة أحمد بدرخان
لم يكن مجرد مخرج يقف خلف الكاميرا، بل كان واحدًا من الذين ساهموا في وضع اللبنات الأولى لصناعة السينما المصرية، في وقت كانت فيه الشاشة الكبيرة تبحث عن ملامحها وهويتها، فمن شغفه المبكر بعروض السينما والمسرح، إلى رحلته الدراسية في باريس، ثم تعاونه مع كبار نجوم الغناء والتمثيل.. تحل اليوم الأحد ذكرى وفاة أحمد بدرخان الذي استطاع أن يصنع لنفسه مكانة خاصة بين رواد الفن السابع، خصوصًا في مجال الأفلام الغنائية والموسيقية.
من مقاعد الدراسة إلى حلم السينما
وُلد أحمد بدرخان عام 1909 في حي الخليفة بالقاهرة، وتلقى تعليمه في مدرسة الفرير، إلا أن اهتمامه الحقيقي اتجه منذ طفولته إلى الفن، فكان حريصًا على مشاهدة الأفلام والعروض المسرحية، قبل أن يتحول هذا الشغف تدريجيًا إلى رغبة حقيقية في احتراف المجال.
حاول بدرخان دراسة التمثيل في معهد التمثيل الأهلي الذي كان يديره الفنان زكي طليمات، لكن إغلاق المعهد حال دون استكمال تجربته، ثم التحق بالجامعة الأمريكية وشارك في فريق التمثيل، قبل أن ينتقل إلى كلية الحقوق استجابة لرغبة والده.

لكن دراسة القانون لم تبعده عن السينما، فواصل البحث والدراسة، وتواصل مع معهد السينما في باريس، كما اهتم بالكتابة عن الفن السابع، حتى تولى تحرير قسم السينما في مجلة “الصباح”، لم يكن يتكلم عن فنٍ غريب أو خفي، بل كان كرائد سينمائي يعبر عن عشقه وعمله في مجال السينما الذي يُصنف تاريخيًا في الترتيب العالمي للفنون بـ"الفن السابع" (بعد العمارة، الموسيقى، الرسم، النحت، الأدب، والرقص/المسرح).
طلعت حرب يفتح له الطريق إلى عالم السينما
كان اهتمام أحمد بدرخان بالسينما لافتًا، وهو ما جذب انتباه الاقتصادي طلعت حرب، الذي كلفه بإعداد دراسة عن تكاليف إنشاء استوديو لإنتاج الأفلام الناطقة.
وأعدّ بدرخان الدراسة بمساعدة صديقه المخرج نيازي مصطفى، قبل أن يحصل على فرصة غيّرت مسار حياته، عندما أرسله طلعت حرب في بعثة إلى باريس عام 1933 لدراسة الإخراج السينمائي.
وخلال وجوده هناك، حصل بدرخان على دبلوم في الإخراج، وكتب سيناريو فيلم “وداد”، ليعود إلى مصر عام 1934 ويبدأ عمله مخرجًا في استوديو مصر، ومن هنا انطلقت رحلته الحقيقية داخل صناعة السينما.
أحمد بدرخان وأم كلثوم.. شراكة صنعت تاريخًا
كان التعاون مع كوكب الشرق أم كلثوم من أهم المحطات في مسيرة أحمد بدرخان، إذ ارتبط اسمه بعدد من أبرز أفلامها السينمائية، ونجح في نقل حضورها الغنائي من المسرح والحفلات إلى الشاشة بطريقة تجمع بين الأغنية والحكاية الدرامية.
وبدأت علاقته الفنية بأم كلثوم من خلال فيلم “وداد”، ثم اختارته لإخراج “نشيد الأمل”، وتواصل التعاون بينهما في أفلام أخرى، من بينها “دنانير” و"عايدة" و"فاطمة"، بينما كان “سلامة” استثناءً بعدما تولى توجو مزراحي إخراجه.
ولم يكن بدرخان يتعامل مع الأغنية باعتبارها مجرد فقرة داخل الفيلم، وإنما حاول دمجها في السياق الدرامي، وهو ما جعله واحدًا من أبرز الأسماء المرتبطة بتطور الفيلم الغنائي في مصر.
“انتصار الشباب”.. فيلم جمع الفن والحب
في عام 1941، قدم أحمد بدرخان فيلم “انتصار الشباب”، الذي جمع الشقيقين فريد الأطرش وأسمهان، وكان واحدًا من الأعمال الغنائية اللافتة في تلك الفترة.
لكن الفيلم لم يرتبط باسم بدرخان فنيًا فقط، بل حمل جانبًا من حياته الخاصة أيضًا، إذ نشأت خلال العمل قصة حب بينه وبين أسمهان انتهت بالزواج، إلا أن العلاقة لم تستمر طويلًا، وأصبح هذا الارتباط واحدًا من أشهر الحكايات الشخصية التي صاحبت مسيرته.
قصة زواجه من أسمهان.. 40 يومًا فقط
تزوج أحمد بدرخان من أسمهان عرفيًا، لكن الزيجة لم تستمر سوى فترة قصيرة، قدرت بنحو 40 يومًا، قبل أن ينفصل الثنائي.
ولم تكن أسمهان الزوجة الوحيدة في حياة بدرخان، إذ تزوج خلال حياته عدة مرات، من بينها الفنانة روحية خالد، ثم سلوى علام، التي أنجب منها ابنته رقية، إلى جانب ابنه المخرج علي بدرخان، الذي حمل اسم والده لاحقًا إلى عالم الإخراج.
لم يتوقف عن العمل رغم المرض
كان ارتباط أحمد بدرخان بالسينما يتجاوز حدود المهنة، وهو ما ظهر خلال أيامه الأخيرة، إذ واصل العمل رغم تعرضه لأزمة قلبية ونصيحة الأطباء له بالراحة.
وأصر المخرج على استكمال تصوير فيلم “نادية”، حتى خلال فترة مرضه، ليصبح العمل آخر محطة في مسيرته، قبل أن يرحل عن عالمنا في 23 أغسطس 1969، عن عمر ناهز 60 عامًا.
“نادية”.. الفيلم الذي لم يرَه مخرجه
لم يتمكن أحمد بدرخان من مشاهدة فيلمه الأخير “نادية” بعد الانتهاء منه؛ إذ رحل قبل استكمال مراحل الطبع والتحميض وعرض العمل.
وجاء الفيلم بطولة سعاد حسني وأحمد مظهر ونور الشريف، وتدور أحداثه حول توأمتين تتعرض حياتهما لسلسلة من التحولات والمواقف الدرامية.
وبذلك أصبح “نادية” خاتمة المشوار السينمائي للمخرج الذي ظل يعمل حتى أيامه الأخيرة، وكأن الكاميرا كانت آخر ما أراد أن يبتعد عنه.
أكثر من 40 عملًا وتكريمات مستحقة
ترك أحمد بدرخان خلفه مسيرة امتدت لعقود، تنوع خلالها بين الإخراج والتأليف والإنتاج، وارتبط اسمه بأكثر من 40 عملًا سينمائيًا وفق عدد من المصادر.
كما حصل على جائزة الدولة التقديرية عام 1954، ووسام الفنون عام 1962، تقديرًا لإسهاماته في السينما المصرية.
وفي عام 1944، شارك أيضًا في تأسيس شركة “اتحاد الفنانين للإنتاج” إلى جانب أمينة رزق وعبد الحليم نصر وحلمي رفلة، في خطوة عكست اهتمامه بالإنتاج والمشاركة في بناء صناعة سينمائية أكثر تنظيمًا.
أحمد بدرخان.. إرث امتد إلى نجله
لم تتوقف حكاية بدرخان مع السينما عند رحيله، إذ واصل نجله المخرج علي بدرخان الطريق نفسه، وأصبح واحدًا من أبرز مخرجي السينما المصرية.
وقدم علي بدرخان مجموعة من الأعمال التي تركت بدورها بصمة واضحة، من بينها “الكرنك” و"شفيقة ومتولي" و"أهل القمة" و"الجوع"، ليظل اسم بدرخان حاضرًا في تاريخ السينما المصرية عبر جيلين.
اقرأ أيضًا:
الأوقاف تُحيي ذكرى وفاة الإمام المراغي.. شيخ الأزهر
في ذكرى وفاته.. ماذا قال كمال الشناوي عن علاقته بـ ناهد شريف؟
ذكرى وفاة طلعت زين الـ15.. أبرز أعماله وقصة مرضه وتفاصيل أيامه الأخيرة