الخميس، 27 أغسطس 2026

07:07 ص

من شطورة إلى مدينة نصر.. رحلة "محمد" الأخيرة بحثًا عن لقمة العيش

المتوفي

المتوفي

في زحمة العاصمة، بين أبراج الخرسانة والحديد التي تلامس السحاب، كان هناك رجل بسيط يكافح من أجل لقمة العيش. 

رجل من قرية في شمال صعيد مصر، وبالتحديد "شطورة"، مركز طهطا بمحافظة سوهاج، حمل أماني أطفاله الستة في حقيبة أدواته الثقيلة، وصعد إلى الدور الرابع كعادته، دون أن يعلم أن تلك السقفة ستكون الأخيرة.

أب يحمل أحلام 6 أطفال على كتفيه

محمد أحمد عبد الملك ناصر، بنّاء يعمل باليومية، رجل في الأربعين من عمره، أب لـ خمس بنات وولد واحد. 

كان يحمل على كتفيه أحلام زوجته وأطفاله، وكانت أصابعه المتشققة تشهد على تعبه، وعيناه المتعبتان ترويان قصة كفاح يومي من أجل توفير قوت يوم لعائلته.

برميل حديد قلب يوم محمد الأخير إلى مأساة

أمس الأربعاء، وبين الساعة الثالثة والرابعة عصرًا، كان محمد يؤدي عمله على أحد براميل الحديد في موقع بناء بمنطقة مدينة نصر في القاهرة، كان منهمكًا في عمله، لا يرى إلا هدفًا واحدًا إنهاء يومه والعودة سالمًا إلى أسرته.

لكن القدر كان له رأي آخر، انقلب البرميل فجأة، وفقد محمد توازنه، وسقط من ارتفاع أربعة طوابق على الأرض الخرسانية، كان المشهد الذي رآه زملاؤه مروعًا، لكن الأكثر صدمة كان رد فعل المسؤولين.

1000775597
الشاب المتوفي محمد أحمد عبد الملك

شقيق محمد يروي لحظاته الأخيرة

يقول شقيقه "علي"، الذي تحدث إلينا بصوت مبحوح بالبكاء وحسرة لا توصف: “المهندسين والمديرين بتوع الشركة كلهم هربوا من الموقع، محدش طلب إسعاف غير زمايله العمال، هم اللي حملوه ونقلوه بأيديهم، والشركة اختفت، ماحدش قدم له إسعافات أولية، ولا حتى وقف جنبه في آخر لحظاته، وأنا لحد دلوقتي ما شفتش منهم أي حد، ولا حتى جابوا سيرته أو قالوا البقاء لله".

وأوضح في حديثه لـ "تليجراف مصر"، أن الجثمان ما زال محجوزًا في مستشفى جراحات اليوم الواحد بمدينة نصر، ينتظر إجراءات الغسل والدفن، لكن الوقت يمر ثقيلاً. 

وتابع شقيقه في تفاصيل أكثر ألمًا، أن محمد لم يكن موظفًا رسميًا في الشركة، بل كان عاملًا باليومية، والشركة ليست سوى مقاول من الباطن لشركة أخرى، ما يجعل إثبات حقه شبه مستحيل، الشركة ستنكر معرفتها به بكل سهولة، فهي لا تملك له أي أوراق، ولا يوجد اسمه في أي كشف رواتب.

عامل باليومية بلا أوراق

يقول شقيقه وهو يلهث بحثاً عن أي أمل: “الشركة سهل إنها تتهرب، مفيش ورقة باسمه، مفيش تعيين، كل حاجة شفوية، لكن الشهود موجودين، زمايله، والمقاول اللي جابوه، هما اللي هيثبتوا إنه كان شغال معاهم لما وقع".

وأكمل حديثه، عن غياب أدنى معايير الأمان في الموقع، عن إهمال غير مسبوق لسلامة العمال، لم يكن هناك حزام أمان، ولا شبكة حماية، ولا إجراءات وقائية.

6 أطفال فقدوا أبوهم

وأختتم شقيقه الحديث، والدموع تملأ عينيه، وصوته يخنقه الأسى: “إحنا هنتعب، هننسى بعد شهر، بعد سنة، بعد سنتين، لكن عياله؟ هم اللي هيعانوا أكتر ناس، الولاد الصغيرين دول هيكبروا من غير أب، ومن غير معيل، ومن غير حد يسندهم في الدنيا.”

اقرأ أيضًا:

أثناء عمله.. وفاة عامل سقط داخل بئر صرف صحي بالفيوم