الجمعة، 28 أغسطس 2026

06:55 ص

محمد مازن

محمد مازن يكتب: الحلقة المفقودة في التعاون الزراعي المصري الصيني

بينما تمضي العلاقات المصرية الصينية نحو عقدها الثامن، أعتقد أن التعاون الزراعي بين البلدين يحتاج إلى دفعة جديدة.
والدفعة هنا لا تتعلق فقط بزيادة عدد المنتجات الزراعية المصرية التي تصل إلى السوق الصينية، أو بعدد الآلات والمشروعات الزراعية المشتركة، وإنما بما هو أبعد من ذلك: الانتقال من التعاون حول الزراعة إلى بناء اقتصاد زراعي قائم على التكنولوجيا والمعرفة والبيانات.
 

خلال السنوات الأخيرة، حدث الكثير، وأنا، كمصري يقيم في الصين، لا يزال يلفت انتباهي أن أرى البرتقال أو العنب أو الفراولة المصرية في الأسواق الصينية، لكن الوصول إلى السوق لا يجب أن يكون نهاية القصة.

السؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف نستفيد من التجربة الصينية لبناء منظومة زراعية مصرية أكثر ذكاء وإنتاجية وقدرة على المنافسة؟
 

أعتقد أن الحكومتين المصرية والصينية تدركان هذا الاتجاه، فالتعاون في السنوات الأخيرة لم يعد محصورًا في تصدير المحاصيل أو استيراد المعدات، وإنما امتد إلى مشاريع في استصلاح الأراضي، وإدارة المياه، والري الحديث، والميكنة، وتخزين الحبوب ومعالجة المنتجات.
وهذا جيد، لكن المرحلة المقبلة يجب أن تنقل هذه المشروعات من التعاون في مدخلات الزراعة إلى بناء اقتصاد المعرفة الزراعي.
 

من خلال متابعتي المباشرة للتجربة الصينية، أرى أن أحد أهم عناصر قوتها هو أنها لم تتعامل مع التكنولوجيا باعتبارها أجهزة وآلات فقط.

الصين أصبحت بلدًا رقميًا، ودخل هذا التحول إلى الزراعة متمثلاً في الزراعة الذكية، والاستشعار عن بعد، وتحليل البيانات، والذكاء الاصطناعي، ومراقبة المحاصيل، وإدارة المياه، والتجارة الإلكترونية، وسلاسل التوريد الرقمية.
وهنا تحديدًا أرى فرصة كبيرة للتعاون بين مصر والصين.

فالمشروعات الزراعية الجديدة، خصوصًا في الأراضي الصحراوية، تحتاج إلى كل ما يجعل الأرض أكثر إنتاجية والمياه أكثر كفاءة. وهناك بالفعل تعاون مصري صيني في مجالات الري وإدارة المياه والآلات الزراعية، وبعض التجارب حققت وفورات في مياه الري تجاوزت 20% مقارنة ببعض الأساليب التقليدية.

لكن يمكن أن نذهب أبعد من ذلك.
أن تصبح البيانات نفسها جزءًا من القرار الزراعي، أن يعرف المزارع احتياجات أرضه من المياه، وحالة التربة، ومؤشرات المحصول، واحتمالات الإصابة بالآفات، وتوقيت الحصاد والأسعار في الأسواق.
وفيما يتعلق بالصحراء، حققت الصين تقدمًا كبيرًا في مواجهة تدهور الأراضي والتصحر، واستصلحت مساحات واسعة من الأراضي الرملية القابلة للمعالجة. 

والأهم أن تجربتها انتقلت تدريجيًا من العمل اليدوي إلى استخدام الهندسة والبيانات والتقنيات الذكية. ففي تثبيت الكثبان الرملية، طورت الصين تقنية «مربعات القش» التقليدية إلى أساليب ميكانيكية ومؤتمتة، بينما تستخدم في مناطق أخرى تقنيات مثل التمعدن الحيوي لتثبيت الرمال وتقليل فقد الرطوبة.
 

كما تعتمد على الاستشعار عن بعد والطائرات المسيرة وأجهزة الاستشعار الأرضية لمراقبة التربة والنباتات والرطوبة وحركة الرمال، وعلى اختيار النباتات وفق طبيعة كل منطقة بدلا من زراعة نوع واحد في مساحات واسعة.
وهذه الخبرة مهمة لمصر، التي يتوسع جزء كبير من مشروعاتها الزراعية في البيئة الصحراوية.

فالاستصلاح لا يتعلق فقط بالوصول إلى المياه، وإنما بتثبيت التربة، واختيار المحصول المناسب، وتقليل الفاقد، ومعرفة ما يحدث في الأرض قبل ظهور المشكلة.
وهنا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتحول من عنوان كبير إلى أداة عملية: أي محصول نزرع؟ أين؟ ومتى؟ وكم يحتاج من المياه؟
ومن التجارب الصينية اللافتة أيضًا الجمع بين الطاقة الشمسية والاستصلاح الزراعي. ففي بعض المشروعات الصحراوية، لا تستخدم الألواح الشمسية لإنتاج الكهرباء فقط، وإنما توفر ظلاً يقلل حرارة الأرض والتبخر، وتسمح بزراعة نباتات مناسبة تحتها.
وهذه فكرة تستحق الدراسة في مصر، حيث يمكن التفكير في منظومات تجمع بين الطاقة والمياه والزراعة بدل التعامل معها كمشروعات منفصلة.

لكن التكنولوجيا لا قيمة حقيقية لها إذا لم تصل إلى المزارع، إذا ظل المزارع بعيدًا عن المعرفة والسوق، فلن تكتمل المنظومة.
وبالتالي، يمكن إعطاء مزيد من التركيز  الى التجربة الصينية في التجارة الإلكترونية الزراعية لمعرفة كيف تستخدم المنصات الرقمية لمساعدة المزارع على معرفة الأسعار والطلب، والوصول إلى المشترين، وتسويق محصوله، والحصول على الإرشاد الزراعي، وربطه بالمصدر والمصنع.
هذه ليست أسئلة تكنولوجية فقط، وإنما اقتصادية أيضًا .
فكلما أصبح المزارع أكثر قدرة على الوصول إلى المعلومات والسوق، أصبح أكثر قدرة على تحسين إنتاجه ودخله.

لكن هناك قضية أهم من استيراد التكنولوجيا نفسها ألا وهي توطينها، أي توطين ما نستورده من معدات وتقنيات للري والميكنة والزراعة الذكية داخل مصر أو على الأقل جزء منه.
 

وبينما تتعاون مصر مع الصين في الصحراء أتساءل عن إمكانية تحويل الخبرة الصينية إلى مراكز تدريب وبحث وتطوير مشتركة.
لماذا لا تنشأ حاضنات مصرية صينية للابتكار الزراعي، تجمع المهندس والمبرمج والباحث والمزارع والشركة الناشئة، وتعمل على تطوير حلول تناسب البيئة المصرية والأفريقية؟

عندها يمكن أن تصبح مصر أكثر من سوق للتكنولوجيا الصينية، وأن تتحول إلى مختبر إقليمي للزراعة الذكية في أفريقيا.
فالمشكلات التي تواجه الأراضي الصحراوية في مصر، من ندرة المياه وتغير المناخ وضعف الإنتاجية، تواجهها دول أفريقية كثيرة.

لا ينبغي أن يتوقف طموحنا في التعاون مع الصين عند زيادة الصادرات، نعم، نريد المزيد من البرتقال والعنب والفراولة والتمور والكتان والقطن في الصين، لكننا نريد أيضًا أن يكون خلف كل محصول تكنولوجيا مصرية أو مشتركة، وبيانات، ومعرفة، ومزارع أكثر قدرة، وسلسلة توريد أكثر كفاءة.


نريد أن تتحول الاتفاقيات الزراعية بين البلدين إلى برامج عملية لتدريب المهندسين والمزارعين، وإنشاء حاضنات للابتكار، وتطوير منصات التجارة الإلكترونية، ونقل التكنولوجيا وتصنيع المعدات، وربط الجامعات ومراكز البحوث بالشركات والمزارعين.
الصين تملك خبرة واسعة يمكن أن تقدمها لمصر، ليس فقط في التكنولوجيا، وإنما في تحويلها إلى منظومة اقتصادية.
 ومصر لديها ما يجعل هذه الخبرة قابلة للتطبيق أي أراضٍ جديدة يجري استصلاحها، وحاجة متزايدة إلى إدارة المياه، وسوق كبيرة، وموقع يمكن أن يجعلها قاعدة للنفاذ إلى أفريقيا.
 

لكن المهم ألا نتعامل مع التجربة الصينية باعتبارها نموذجًا جاهزًا للاستنساخ. المطلوب أن نتعلم منها ونبني نموذجًا مصريًا يناسب احتياجاتنا.

رابط مختصر

تابعونا على