الأربعاء، 02 سبتمبر 2026

08:59 ص

بين النيل واليانغتسي.. اختلاف اللغة ووحدة المصالح

لم تكن المقالتان الافتتاحيتان اللتان تبادلهما الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الصيني شي جين بينغ على صفحات وسائل الإعلام الرسمية في البلدين مع زيارة الأخير إلى مصر مجرد رسائل دبلوماسية بمناسبة محطة جديدة في العلاقات بين القاهرة وبكين. وراء الكلمات التي اختارها كل رئيس، توجد رؤية أوسع لطبيعة العالم الذي يتشكل، ولموقع بلاده فيه، وما تريده كل عاصمة من الأخرى.
وربما تكون هذه هي الزاوية الأكثر إثارة في قراءة المقالين معا: التوافق بين مصر والصين يبدو أكبر في الأهداف، لكنه أكثر تعقيدا في طريقة النظر إلى العالم. فبكين تنظر إلى الشراكة من موقع قوة دولية صاعدة تعيد تعريف النظام العالمي، بينما تنظر القاهرة إليها من موقع قوة إقليمية ودولة نامية مستقلة في قرارها وتسعى الى السلام والتنمية.

من هنا، تبدو العلاقة المصرية الصينية أقرب إلى “تكامل مصالح” منه إلى مجرد تحالف سياسي تقليدي.

لقد استدعى الرئيسان في المقالين عام 1956، عندما أصبحت مصر أول دولة عربية وإفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية، لم يكن هذا مجرد احتفاء بسبعة عقود من الصداقة.
ففي المقالين، تحولت تلك اللحظة التاريخية إلى نوع من “رأس المال السياسي”. فمصر والصين تريدان القول إن علاقتهما لم تبدأ مع مبادرة الحزام والطريق، ولا مع الاستثمارات الصينية في المنطقة، وإنما سبقت التحولات الكبرى التي شهدها النظام الدولي نفسه

والأهم أن الطرفين يقرآن هذه الذكرى من زاوية الحاضر.

فمصر التي كانت في خمسينيات القرن الماضي دولة تبحث عن استقلال قرارها الوطني في عالم تهيمن عليه قوى كبرى، ترى في الصين اليوم شريكا يمكن أن يساعدها على توسيع خياراتها. والصين التي كانت آنذاك دولة جديدة تبحث عن الاعتراف الدولي، أصبحت اليوم قوة كبرى تدفع باتجاه نظام عالمي أكثر تعددية.
ولهذا لا يبدو غريبا أن يحتل مفهوم “التعددية القطبية” ورفض الأحادية مكانا مهما في الخطاب المشترك بين البلدين.
في مقال شي، تبدو الصين واثقة أكثر مما تبدو راغبة في إظهار قوتها. اللغة هادئة، عاطفية أحيانا، ومحملة بالإشارات الحضارية والأمثال والتعبيرات التي تستحضر الصداقة وطول الطريق المشترك.
وهذه ليست مسألة لغوية عابرة.
فالصين تحاول منذ سنوات أن تقدم نموذجا مختلفا لعلاقات القوة: دولة كبرى، لكنها تقول لشركائها إن علاقاتها بهم لا تقوم على التدخل في شؤونهم الداخلية، وإنما على التنمية والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة. 
حتى مبادرة “الحزام والطريق” لا تظهر في الخطاب الصيني باعتبارها مشروعا صينيا فحسب، وإنما كجزء من شبكة أوسع للتنمية والربط بين الدول.

وهنا تكمن إحدى أدوات القوة الصينية الناعمة وهي أن تجعل الشريك يشعر بأن المشروع المشترك ليس مشروعا صينيا يطلب منه الانضمام إليه، وإنما مساحة يمكنه أن يضع فيها مصالحه الخاصة.

في المقابل، يبدو خطاب الرئيس السيسي أكثر التصاقا بمفهوم التنمية والأمن القومي.

الصين مهمة لمصر ليس فقط لأنها قوة دولية كبرى، وإنما لأن الشراكة معها يمكن أن تتحول إلى مصانع، واستثمارات، وتكنولوجيا، ومدن جديدة، وفرص عمل.

وهذا فارق مهم في فلسفتهما.

فالرئيس الصيني يتحدث بدرجة أكبر عن شكل النظام الدولي، وعن الجنوب العالمي، وعن التعددية والتعاون بين الحضارات. أما الرئيس السيسي فيعيد هذه الأفكار إلى سؤال عملي: ماذا ستنتج هذه الشراكة على الأرض؟
ولهذا تحضر في خطابه ملفات مثل التصنيع، ونقل التكنولوجيا، والسيارات الكهربائية، والذكاء الاصطناعي، والاستثمارات، إلى جانب الملفات الأمنية والسياسية.

كأن القاهرة تقول لبكين نقدّر دوركم في النظام الدولي، لكننا نريد أن نرى انعكاس هذه القوة في الاقتصاد المصري أيضا.
وربما تكون هذه أهم نقطة لفهم طبيعة المصالح المصرية في العلاقة مع الصين.

بالنسبة إلى بكين، لا تبدو مصر مجرد دولة عربية ذات سوق كبيرة.

موقع مصر يجعلها نقطة التقاء بين دوائر عدة: العالم العربي، وإفريقيا، والبحر المتوسط، وأوروبا، والممرات التجارية الدولية.
وفي هذا الصدد، تصبح قناة السويس أكثر من مجرد ممر ملاحي. إنها جزء من الحساب الجيو اقتصادي الصيني للعالم.
ولهذا تبدو مصر في الرؤية الصينية بوابة إلى أسواق ومساحات جغرافية أوسع، وشريكا فاعلا يؤدي دورا مركزيا في مبادرة الحزام والطريق.
لكن القاهرة تقرأ المعادلة من الاتجاه الآخر.
الصين بالنسبة إلى مصر ليست فقط مستثمرا أو شريكا تجاريا، وإنما قوة دولية يمكن أن تمنح السياسة الخارجية المصرية قدرا أكبر من التوازن والحركة.
وهذا لا يعني أن مصر تستبدل شريكا بآخر، وإنما يعني أنها تحاول ألا تكون خياراتها الخارجية محصورة في اتجاه واحد.
في عالم يتجه نحو تعدد مراكز القوة، يصبح تنويع الشراكات في حد ذاته أداة من أدوات الاستقلال السياسي.

يظهر في كلمة الرئيس السيسي أزمات غزة والسودان وليبيا، كما يحضر الأمن المائي ونهر النيل، ما يعني أن القاهرة لا تستطيع فصل التنمية عن الأمن؛ لأن أي اضطراب في محيطها الإقليمي يمكن أن ينعكس مباشرة على اقتصادها واستقرارها.
ومن هنا يمكن فهم اهتمام مصر بالموقف الصيني تجاه القضايا الإقليمية، ومنها رفض الإجراءات الأحادية التي يمكن أن تهدد الاستقرار في حوض النيل.

الصين، من جهتها، تقدم نفسها كطرف يدعو إلى الحوار والتنمية واحترام سيادة الدول.

وهنا تلتقي فلسفتان مختلفتان في نقطة واحدة: لا تنمية بلا استقرار، ولا استقرار دون تنمية.
وربما كان البعد الحضاري هو أكثر ما يمنح العلاقة المصرية الصينية خصوصيتها.
عندما يتحدث الرئيسان عن مصر والصين باعتبارهما من أقدم الحضارات الإنسانية، فهما لا يستحضران الماضي لمجرد الاحتفال به، وإنما يستخدمانه لبناء تصور عن المستقبل.

الفكرة الضمنية إذا كانت حضارتان استطاعتا البقاء آلاف السنين، فمن الطبيعي أن تكون لديهما القدرة على التعامل مع عالم يتغير بسرعة.
الصين تستدعي في هذا السياق روح طريق الحرير القديم، بما يحمله من تجارة وتبادل ثقافي واتصال بين الشعوب.
ومصر تستحضر موقعها التاريخي كجسر بين القارات والحضارات.

وهذا البعد الحضاري مهم للصين بصورة خاصة، لأنه يساعدها على تقديم حضورها العالمي باعتباره امتدادا للتواصل والتبادل، وليس مجرد توسع اقتصادي.
لكن قراءة المقالين تكشف أيضا أن المرحلة المقبلة من العلاقات المصرية الصينية لن تكون كافية فيها زيادة عدد المشروعات وحدها.
فقد قطعت العلاقات شوطا كبيرا في البنية التحتية والاستثمار والإنشاءات. والسؤال الأكثر أهمية الآن هو: كيف تنتقل الشراكة من بناء المشروعات إلى بناء القدرات؟
مصر تريد من الصين استثمارات، نعم، لكنها تحتاج أيضا إلى التكنولوجيا، والتدريب، والتصنيع المحلي، والبحث والتطوير، والذكاء الاصطناعي، وربط الجامعات ومراكز الأبحاث بالصناعة.

والصين من جانبها تحتاج إلى شريك مستقر، ذي موقع استراتيجي، وقاعدة بشرية وسوق واسعة، ويمكن أن يكون منصة للتوسع في إفريقيا والمنطقة العربية.

وهنا تصبح العلاقة أكثر نضجا عندما لا يكون السؤال: ماذا ستحصل مصر من الصين؟ أو ماذا ستحصل الصين من مصر؟
بل: ماذا يمكن أن تنتجه مصر والصين معا ولا يستطيع أي منهما إنتاجه منفردا؟
هذه هي النقلة التي يمكن أن تحول العلاقة من شراكة في المشروعات إلى شراكة في المعرفة والإنتاج.

في النهاية، يكشف خطابا السيسي وشي جين بينغ عن أمر مهم وهو قوة العلاقة المصرية الصينية لا تأتي من تطابق الرؤى بالكامل، وإنما من قدرة الطرفين على إدارة اختلاف الأولويات داخل مساحة واسعة من المصالح المشتركة.
شي يتحدث من موقع الصين كقوة كبرى تريد عالما متعدد الأقطاب وشبكة أوسع من الشراكات في الجنوب العالمي.
والسيسي يتحدث من موقع مصر كدولة إقليمية تريد التنمية، وتحمي أمنها القومي، وتوسع خياراتها الدولية دون أن تتخلى عن استقلال قرارها.
الصين تريد شريكا استراتيجيا في منطقة بالغة الأهمية من العالم، ومصر تريد شريكا دوليا قادرا على دعم التنمية وتوسيع هامش الحركة السياسية والاقتصادية.
وبين الرؤيتين تتشكل معادلة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة في جوهرها: بكين تبحث عن شريك في بناء عالم جديد، والقاهرة تبحث عن شريك يساعدها على بناء مستقبل أفضل داخل هذا العالم.
وربما يكون نجاح الشراكة في السنوات المقبلة مرهونا بقدرتها على الجمع بين الهدفين.

رابط مختصر

تابعونا على