يوم اشتكى العيان للميت
في واحدة من التجليات العبقرية للسينما المصرية، يظل مشهد الحوار بين الشيخ حسني وعم مجاهد، بائع الفول، واحدًا من أهم مشاهد السينما المصرية عبر عصورها, في رائعة داود عبد السيد “الكيت كات” المأخوذة عن رواية “مالك الحزين” للعم إبراهيم أصلان.
ولعل عبقرية هذا المشهد أنه لا ينتهي بانتهاء دقائقه على الشاشة، بل يفتح أمام العقل عشرات التفسيرات والإسقاطات لما وراء الصورة. مشهد بسيط في ظاهره: رجل أعمى يتحدث، ورجل ميت ينصت، وحارة نائمة من خلفهما، وموسيقى راجح داود الساحرة تظلل المشهد، كأنها تعرف وحدها أن الحوار الذي نسمعه ليس مجرد حديث بين الشيخ حسني وعم مجاهد.
والأغرب أن المشهد كلما مرّت به السنوات لا يشيخ، بل يحدث العكس تمامًا، يكتسب أبعادًا جديدة، وكأنه كائن حي يتطور مع الزمن، فيما نحن نتغير من حوله، نعود إليه بعد عشر سنوات فنرى شيئًا لم نره، ثم نعود بعد عشرين فنكتشف أن الرجلين ربما كانا يتحدثان في أمر آخر تمامًا.
ولسنوات طويلة، كان من السهل أن ترى في المشهد صورة مكتملة لعلاقة المواطن بالدولة: مواطن (عيان) يشكو ما أصابه، وسلطة ماتت سراً فأصبحت لا تراه ولا تسمعه ولا تجيبه. صورة مريحة في وضوحها، لدينا مظلوم ولدينا من ظلمه، ولدينا شكوى ولدينا من يعجز عن سماعها.
لكن بعد أكثر من ثلاثين عامًا من مشاهدتي الأولى للفيلم، عدت إلى المشهد واكتشفت أنني ربما كنت أراه بعين الشيخ حسني نفسه... ومن هنا ربما تبدأ حكاية أخرى لم تُقرأ بعد. حكاية في الأصل تبدأ قبل الموت.
عم مجاهد ليس غريبًا عن الشيخ حسني، وليس مجرد بائع فول عجوز في الحارة. فهو صديق أبيه، ومن بقايا زمن كل انتصاراته كانت النجاح في بناء بيت متداعٍ منذ لحظاته الأولى.. ولهذا حين يعرف عم مجاهد أن حسني باع البيت، لا يراه مجرد تصرف في عقار، بل خيانة لشيء بناه جيل كامل بتعبه.
عم مجاهد يحاكمه بمنطق بسيط: أبوك بنى، وأنت بعت.
وهي محاكمة تبدو عادلة جدًا فقط إذا قررنا اختصار التاريخ في جملتين. لكن الشيخ حسني لديه رواية أخرى.
هو لم يستلم الحياة التي يتحدث عنها عم مجاهد. استلم بقاياها. استلم البيت، نعم، لكنه استلم معه العمى والفقر وأمه العجوز وابنه الذي يريد الهرب إلى الخارج، وعالمًا تغيرت فيه قيمة الأشياء وقيمة البشر أيضًا.
عم مجاهد يرى البيت والشيخ حسني يرى أو بالأحرى يشعر بتكلفة الاحتفاظ به.
الأول يقول له: كيف فرطت فيما بناه أبوك؟
فيرد وأنت ماذا تعرف عما حدث لنا بعد أن استلمنا البيت؟
وهنا، بعيدًا عن الكيت كات قليلًا، يصبح السؤال مؤلمًا على نحو مألوف.
لأننا نحن أيضًا ورثنا بيتًا. يمر بمرحلة حرجة على دوام العصور... بيتا اسمه مصر.
وكذلك ورثنا معه حكاية جاهزة عن هذا البيت.. بلد عظيم، وموقع عبقري، ونيل، وقناة، وأرض، وتاريخ، ومؤسسات، وثروات، وشعب - لو أخد فرصته يعمل المعجزات.
ومنذ سنوات طويلة، يدور داخل البيت نفس الحوار تقريبًا. جيل يسأل الذي بعده: ماذا فعلتم بما تركناه لكم؟
ودولة تسأل مواطنيها: ماذا فعلتم بهذا البلد؟ ومواطنون يسألون الدولة السؤال نفسه.
والمثير للإعجاب أننا نجحنا جميعًا في الوصول إلى إجابة واحدة: الآخر هو الذي خرب البيت.
الحكومة لديها ملف محترم ضد المواطن.
زيادة سكانية، بناء مخالف، تهرب ضريبي، إهدار، تعديات وفساد صغير يبدأ من ورقة تُدفع تحت المكتب وينتهي عند شخص يبحث عن (حد يعرف حد).
والمواطن بدوره لديه ملف أكثر سمكًا.
أسعار، ديون، تعليم، صحة، أجور، ضرائب، رسوم وأحلام مجهضة أصبحت تحتاج لموافقة ائتمانية قبل أن يسمح لها بأن تتحول إلى أحلام.
والطرفان على حق، وهنا تحديدًا تكمن المصيبة لأن أسوأ الخلافات ليست تلك التي يكون فيها طرف على حق والآخر مخطئًا، أسوأها تلك التي يمتلك فيها كل طرف نصف الحقيقة، ثم يستخدم نصفه لإثبات أن النصف الآخر هو المسئول.
المواطن يشكو من الفساد، ثم يبحث عن واسطة لابنه. يشكو من غياب القانون، ثم يتصل بصديقه كي يخلصه من مخالفة. يطالب بتعليم أفضل، ثم يسأل المدرس قبل الامتحان عن (الأجزاء المهمة) يصرخ من ارتفاع الأسعار، ثم يخوض معركة اجتماعية كاملة كي يقيم فرحًا لا يستطيع تحمل تكلفته، وهاتفًا لا يعرف التعامل مع نصف إمكانيته على الأقل، فقط لأننا منذ زمن بعيد لم نعد نشتري الأشياء وحدها، نحن نشتري معها شهادة صغيرة تثبت للآخرين أننا بخير.
وفي الجهة الأخرى، تشتكي الدولة من المواطن.
عليه أن ينتج أكثر، ويستهلك أقل، ويدفع الضرائب، ويرشد الكهرباء والمياه، ويتحمل الإصلاح، ويصبر على النتائج، ويفهم الظروف الدولية، ويتابع سعر الفائدة الأمريكية، وحركة الدولار، وأسعار البترول، والحرب هنا وهناك، حتى أصبح المواطن المصري مطالبًا، قبل أن يشتري كيلو طماطم، بأن تكون لديه خلفية معقولة في الاقتصاد الكلي والعلاقات الدولية... يذهب الرجل إلى السوق ليسأل عن سعر البطاطس، فيعود إلى بيته وقد تلقى دورة مكثفة في الفيدرالي الأمريكي.
وفي لحظة ما، لا يعود المرء قادرًا على تحديد من جاء ليشكو لمن. وهنا يكتمل مشهد الكيت كات... العيان يشكو للميت.
والميت لو كان يستطيع الكلام غالبًا كان سيشتكي للعيان... لكن عبقرية المشهد ليست فقط في أن أحدهما أعمى والآخر ميت، ولكن في أن الشيخ حسني لا يعرف أن عم مجاهد مات.
يواصل الكلام... يبرر.... يدافع.... ويفسر.
وصمت الرجل أمامه يمنحه وهمًا جميلًا بأن هناك من يستمع. وهذا تحديدًا ما نفعله منذ سنوات. نتحدث إلى أفكار ماتت دون أن نعلن وفاتها، نحن لا نعاني فقط من أزمات جديدة، نحن نحاول حلها بعقود اجتماعية قديمة. وهنا يصبح عم مجاهد أكبر من حكومة، ويصبح الشيخ حسني أكبر من مواطن.
عم مجاهد هو عالم كامل انتهت صلاحيته بينما ما زلنا نطلب منه الإجابات.
ثم تأتي اللحظة التي يكتشف فيها الشيخ حسني الحقيقة. عم مجاهد مات، وهنا كان يمكن للمشهد أن ينتهي. لكن داود عبد السيد يمنحنا الصورة الأكثر قسوة، الشيخ حسني يحمل جثمان عم مجاهد، يضعه فوق عربة الفول، ثم يجر العربة في الحارة.
أعمى يجر ميتًا.
ربما لا توجد صورة أدق لعلاقة تجمع بين مجتمع يخشى الاعتراف بأن أفكاره ماتت وحكومة تخشى الاعتراف بأن أدواتها لم تعد تصلح.
لا ندفن شيئًا. بل نجره معنا. نجر جهازًا إداريًا صُمم لعالم الورق إلى عصر الهاتف المحمول، نجرّ تصورات قديمة عن التعليم والعمل والزواج والنجاح، نجرّ قوانين وعادات وطقوسًا اجتماعية، ونجر معها خوفًا تاريخيًا من الاعتراف بالفشل، لأننا تعلمنا أن تغيير الطريق يحمل بين طياته اعتراف بأن الطريق الأول كان خطأ.
فنضع الميت فوق العربة...
ثم نمشي جميعًا في الحارة نفسها: بعضنا يشكو. بعضنا يبرر. بعضنا يلوم. وبعضنا يؤكد أن كل شيء يسير على ما يرام. ولا أحد يريد أن يسأل السؤال الذي كان سيختصر على الشيخ حسني المشهد كله:
يا عم مجاهد... هو إنت لسه عايش؟
لأن الإجابة، في بعض الأحيان، ليست بحاجة إلى خبراء اقتصادين ولا محللين سياسيين ولكنها تحناج فقط إلى مبصر يدرك أن الذي يجرّ العربة أعمى، مهما تعثر أو سقط فلن يشعر به الميت.
الأكثر قراءة
-
نتيجة الثانوية العامة الدور الثاني 2026 عبر تليجراف مصر.. استعلم عنها
-
بقصد الاتجار.. القبض على ندى كامل ومغني راب شهير في القاهرة بحوزتهما كوكايين وهيدرو
-
المركزي يسحب 136.9 مليار جنيه من البنوك.. ما السبب؟
-
خلال عملهم.. وفاة عامل وإصابة 4 آخرين إثر تسرب الغاز في بيارة صرف صحي بكفر الشيخ
-
عصام عبدالفتاح يكشف سبب عدم نشر تسجيلات الـ"فار" في أزمة الأهلي وزد
-
4.5 مليون دولار في الطريق للزمالك.. خبير لوائح يكشف مفاجأة بشأن بيزيرا
-
بعد أيام من مغادرة أمه للمنزل.. وفاة صبي صعقا بالكهرباء في المنوفية
-
ولادة قيصرية ومخالفات عدة.. إغلاق أقسام النساء والتوليد بمستشفيين في مطروح
أكثر الكلمات انتشاراً