الجمعة، 04 سبتمبر 2026

08:24 ص

متعاطي المخدرات.. مجرم أم ضحية؟ بين العقوبة والعلاج.. أين تقف العدالة؟

تُعد المخدرات من أخطر الظواهر التي تهدد الفرد والأسرة والمجتمع، لما يترتب عليها من آثار مدمرة على الصحة والسلوك والأمن والاستقرار الاجتماعي، ولذلك حرص المشرع المصري على تجريم تعاطي المواد المخدرة وحيازتها بقصد التعاطي، وقرر لها عقوبات جنائية رادعة.

لكن يظل السؤال قائمًا: هل المتعاطي مجرم فقط، أم أنه قد يكون في بعض الحالات ضحية للإدمان؟

والحقيقة أن الإجابة عن هذا التساؤل ليست بالأمر اليسير؛ إذ تقتضي التمييز بين متعاطي المخدرات وتاجرها ومروجها؛ فالأول قد يكون قد ارتكب فعلًا يجرمه القانون، لكنه إذا وصل إلى مرحلة الإدمان فقد أصبح في حاجة إلى العلاج والتأهيل بقدر حاجته إلى المساءلة القانونية، بينما يمثل التاجر والمروج خطرًا مباشرًا على المجتمع، باعتباره سببًا رئيسيًا في انتشار هذه الآفة.

وقد اتسم المشرع المصري في هذا المجال بنظرة متوازنة، فلم يجعل العقوبة الوسيلة الوحيدة لمواجهة ظاهرة تعاطي المخدرات، وإنما أتاح إلى جانبها سبلًا للعلاج، إدراكًا منه بأن بعض المتعاطين، ولا سيما من بلغوا مرحلة الإدمان، قد يحتاجون إلى التدخل الطبي والنفسي والاجتماعي لإعادتهم إلى الطريق الصحيح.

وفي هذا الإطار، قررت المادة 37 من قانون مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها والاتجار فيها رقم 182 لسنة 1960 أنه يجوز للمحكمة، عند الحكم بالعقوبة في الجرائم المنصوص عليها في الفقرة الأولى من المادة، أن تأمر بدلًا من تنفيذ العقوبة بإيداع من يثبت إدمانه إحدى المصحات التي تنشأ لهذا الغرض، وذلك لعلاجه طبيًا ونفسيًا واجتماعيًا، وفقًا للقواعد والإجراءات التي حددها القانون.

كما شجع المشرع المتعاطين على طلب العلاج، ووضع في المادة 37 مكررًا/أ تنظيمًا لحالات التقدم للعلاج من الإدمان، بما يوفر قدرًا من الحماية القانونية في الحالات التي حددها القانون، ويشجع الشخص على المبادرة بالعلاج دون أن يكون الخوف من الملاحقة الجنائية عائقًا أمامه.

وتأتي هذه السياسة التشريعية انطلاقًا من إدراك أن مواجهة المخدرات لا تتحقق بالعقوبة وحدها، وإنما تحتاج إلى منظومة متكاملة تجمع بين الردع والعلاج والوقاية والتأهيل.

وقد اتجهت الدولة إلى إنشاء مؤسسات ومراكز متخصصة لعلاج الإدمان، والعمل على توفير سبل العلاج والتأهيل وإعادة دمج المتعافين في المجتمع، باعتبار أن إنقاذ الإنسان من دائرة الإدمان يمثل في ذاته حماية للأسرة والمجتمع.

فالعدالة لا ينبغي أن تنظر إلى العقوبة باعتبارها وسيلة للانتقام، وإنما باعتبارها وسيلة لتحقيق الردع وحماية المجتمع وإصلاح الجاني متى كان الإصلاح ممكنًا، وقد يكون علاج المدمن وتأهيله وإعادة دمجه في المجتمع أكثر فاعلية، في بعض الحالات، من الاكتفاء بعقوبة سالبة للحرية لا تعالج الأسباب التي أدت إلى الإدمان.

ومع ذلك، يجب التأكيد على أن اعتبار الإدمان مرضًا يحتاج إلى العلاج لا يعني إعفاء المتعاطي من المسؤولية الجنائية تلقائيًا؛ فتعاطي المخدرات بإرادة حرة لا يبيح ارتكاب الجرائم تحت تأثيرها، ولا يحول المرض أو الإدمان دون المساءلة عن الجرائم التي تتوافر أركانها وشروط المسؤولية الجنائية بشأنها.

ومن هنا، فإن النظرة المتوازنة إلى متعاطي المخدرات تضعه في إطارين متكاملين: فهو مسؤول عن فعل يجرمه القانون، وقد يكون في الوقت ذاته إنسانًا يحتاج إلى العلاج والإنقاذ من براثن الإدمان.

أما تاجر المخدرات ومروجها، فتظل مواجهته بالعقوبة الرادعة ضرورة لحماية المجتمع، وقطع الطريق أمام انتشار هذه السموم، وتجفيف منابع الاتجار بها.

وفي النهاية، فإن مواجهة مشكلة المخدرات تحتاج إلى عدالة متوازنة؛ تردع من يتاجر بالمخدرات ويروجها، وتعالج من وقع أسيرًا للإدمان، وتحمي المجتمع من أخطار الجريمة والإدمان معًا.

فالعدالة الناجحة ليست التي تعاقب فقط، وإنما التي تحقق الردع، وتحمي المجتمع، وتفتح في الوقت ذاته باب الإصلاح والعلاج لمن يمكن إنقاذه.

search