الثلاثاء، 08 سبتمبر 2026

02:52 م

الدكتور محمد فوزي بك.. جراح قصر العيني في ميادين الحرب

 الدكتور محمد فوزي بك طبيب مدرسة الطب بقصر العيني

الدكتور محمد فوزي بك طبيب مدرسة الطب بقصر العيني

لم يكن قصر العيني بالنسبة إلى الدكتور محمد فوزي بك، مجرد مكان للتدريس أو ممارسة الطب، وإنما كان مدرسةً صنع فيها اسمه بين كبار أطباء عصره، قبل أن يغادر جدران المستشفى إلى ميادين الحرب، حاملًا علمه ومشرطه لإنقاذ المصابين.

في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، كان فوزي بك واحدًا من أبرز الأسماء التي أسهمت في بناء مدرسة الجراحة المصرية، إلى جوار الدكتور محمد دري باشا، ليشكلا معًا ثنائيًا ترك بصمة واضحة في تاريخ تدريس الجراحة بقصر العيني.

طفل من الدقهلية يشق طريقه إلى الطب

وُلد محمد فوزي بك عام 1826 في قرية منية النصر التابعة لمركز طلخا بمحافظة الدقهلية، بدأ رحلته التعليمية من كُتّاب القرية، قبل أن ينتقل إلى القاهرة ويلتحق بالمدرسة الأميرية في شارع الناصرية.

لكن تفوقه اللافت دفع إلى منحه فرصة استثنائية؛ فالفتى الذي أظهر ذكاءً وقدرات علمية مبكرة التحق بمدرسة الطب بقصر العيني وهو في سن أصغر من السن المعتادة للالتحاق.

ومنذ ذلك الوقت، بدأت رحلة طويلة مع الطب، سرعان ما قادته إلى خارج مصر لاستكمال دراسته.

موهبته الجراحية

اختير محمد فوزي بك ضمن البعثات العلمية المصرية إلى فرنسا، وهناك تخصص في أصول الجراحة، واكتسب خبرات علمية وعملية حديثة بالنسبة إلى عصره.

لم يكن نجاحه في البعثة مجرد تحصيل علمي، بل استطاع أن يثبت مهارة جراحية لفتت أنظار أساتذته، ليعود إلى مصر أكثر استعدادًا للمشاركة في بناء جيل جديد من الأطباء والجراحين.

وعندما عاد، انضم إلى هيئة التدريس بمدرسة الطب بقصر العيني مدرسًا للجراحة الصغرى.

نصف أسرّة الجراحة

في قصر العيني، بدأ فصل جديد من مسيرة فوزي بك، فقد وقف إلى جوار الدكتور محمد دري باشا، ليشكلا معًا واحدًا من أبرز الثنائيات الجراحية في تاريخ المدرسة خلال تلك المرحلة.

ومع اتساع أقسام الجراحة وزيادة عدد الأسرّة، جرى تقسيم أسرّة القسم بين الطبيبين؛ قسم تولاه دري باشا، وآخر تولاه فوزي بك.

كان الطلاب يتعلمون الجراحة في المستشفى على أيدي طبيبين جمعا بين المعرفة النظرية والخبرة العملية، في وقت كانت فيه مصر تخطو خطوات مهمة نحو تأسيس مدرسة طبية وطنية.

من المستشفى إلى الحرب

ربما كانت واحدة من أكثر محطات حياة محمد فوزي بك دلالة على طبيعة رسالته الطبية مشاركته مع الجيش المصري خلال حرب الحبشة.

هناك، لم يكن أمامه مدرج دراسي أو غرفة عمليات مجهزة كما في المستشفى، وإنما مصابون يحتاجون إلى التدخل الجراحي في ظروف ميدانية شديدة الصعوبة.

ذهب فوزي بك إلى ميدان الحرب جراحًا، ليصبح الطب بالنسبة إليه ممارسة إنسانية تتجاوز المكان والظروف.

وكانت مشاركته امتدادًا لدور قصر العيني في تخريج أطباء لم تقتصر مهمتهم على علاج المرضى داخل المستشفى، وإنما شاركوا في التعامل مع الإصابات والحالات الحرجة في مواقع الأزمات والحروب.

وبعد سنوات من العمل والتدريس، أصبحت خبرة فوزي بك محل تقدير بين زملائه.

وعندما انضم الدكتور ملتون إلى خدمة قصر العيني عام 1884، اعتمد على خبرة فوزي بك الجراحية، وأبدى احترامه لآرائه الطبية وتقديره لمهارته في إجراء العمليات.

وتكشف هذه الشهادة عن مكانة الرجل بين أطباء عصره؛ فقد تجاوز تأثيره حدود كونه أستاذًا في مدرسة الطب إلى كونه مرجعًا يستند إليه زملاؤه في الممارسة الجراحية.

طبيب بلا حسابات مادية

وراء الجراح والأستاذ شخصية إنسانية مختلفة. عُرف محمد فوزي بك بمساعدة طلابه ورعايتهم، كما اشتهر بالزهد والعزوف عن المقابل المادي، وهي صفات جعلت صورته في ذاكرة تلاميذه تتجاوز حدود الطبيب صاحب الخبرة.

وخلال مسيرته، نال الرتبة الثانية، وحصل على عدد من النياشين والميداليات، كما منحته الحكومة الفرنسية وسام جوقة الشرف “ليجيون دونور” بدرجة فارس، تقديرًا لإسهاماته العلمية والطبية.

القلب الذي توقف بعد مسيرة طويلة

في السادس من يوليو عام 1891، توفي محمد فوزي بك إثر إصابته بمرض في القلب.

وكان رحيله نهاية مسيرة امتدت لنحو 65 عامًا، بدأت من كُتّاب قرية في الدقهلية، مرورًا بقصر العيني وفرنسا، ثم غرف العمليات وميادين الحرب.

ولم يمر رحيله دون رثاء من تلاميذه؛ فقد كتب الدكتور السيد بك رفعت، أحد تلاميذه، قصيدة بعنوان “زفرات الدموع وبث اللواعج”، يرثي فيها أستاذه.

إرث جراح لم يتوقف عند مشرطه

تُختصر سيرة محمد فوزي بك في صورة طبيب جمع بين العلم والجراحة والتعليم والعمل الميداني والبعد الإنساني.

كان واحدًا من ذلك الجيل الذي ساهم في تحويل قصر العيني من مؤسسة للتعليم الطبي إلى مدرسة لها تأثيرها في بناء الطب المصري الحديث.

وبينما بقي اسمه مرتبطًا بتاريخ الجراحة في قصر العيني، فإن خروجه إلى ميادين الحرب يضيف إلى سيرته جانبًا آخر: طبيب لم يرَ رسالته محصورة في غرفة العمليات، بل حملها إلى حيث كان المصابون ينتظرون من ينقذ حياتهم.

وهكذا بقي محمد فوزي بك واحدًا من أعلام الطب المصري الذين لم يتركوا وراءهم فقط تلاميذ تعلموا على أيديهم، وإنما تركوا أيضًا صفحة مضيئة في تاريخ مهنة كان شعارها الأول، ولا يزال، إنقاذ الإنسان قبل كل شيء.

search