الخميس، 10 سبتمبر 2026

01:43 ص

"عينٌ لا تنام".. حين تتحول نظارة إلى كاميرا مراقبة!

“محمود” قاعد في كافيه هادي، ماسك موبايله، بيتكلم مع صاحبه في موضوع شخصي، ويضحك من قلبه على حكاية لا تخص أحدًا غيرهما.

جنبهم شاب لابس نظارة شمس عادية جدًا.. أو هكذا تبدو. محمود لا يعرف أن النظارة فيها كاميرا وميكروفونات ومتصلة بالذكاء الاصطناعي.

بعد ساعات، يكتشف بالصدفة أن فيديو له في الكافيه ظهر على أحد حسابات السوشيال ميديا.

هو لم يقف أمام كاميرا.. لم يوافق على التصوير.. ولم يرَ أصلًا أن أحدًا يصوره.

السؤال هنا ليس: “مين صوّر محمود؟”.. السؤال الأصعب: هل كان محمود يعرف أصلًا أنه يمكن أن يتم تصويره؟

هذه الحكاية متخيلة، لكن التكنولوجيا التي تجعلها ممكنة حقيقية تمامًا.

فنظارات Ray-Ban Meta ليست مجرد نظارة شمس. هي جهاز قابل للارتداء يحمل كاميرا وميكروفونات ومكبرات صوت، ويمكنه التقاط الصور والفيديو وتشغيل مساعد ذكاء اصطناعي، وكل ذلك من دون أن يخرج المستخدم هاتفه من جيبه. وقد بدأت النظارة بسعر 299 دولارًا عند إطلاق جيلها الحالي عام 2023.

وهنا تبدأ القصة الحقيقية.. لأن الهاتف عندما ترفعه في وجه شخص، غالبًا ما يفهم أن هناك كاميرا.. أما النظارة؟ فهي تبدو.. مجرد نظارة.. وهذه بالضبط هي المشكلة التي جعلت الخصوصية تدخل في مواجهة مباشرة مع التكنولوجيا.

"ميتا" تقول إنها وضعت من البداية آلية واضحة لتنبيه الموجودين حول مرتدي النظارة.

هناك ضوء أبيض صغير في مقدمة النظارة، يسمى Capture LED، ويومض عند التقاط صورة، ويستمر في الوميض أثناء تصوير الفيديو.. والشركة تؤكد أن هذا الضوء لا يمكن إيقافه بالطريقة العادية، وأن الجيل الثاني من النظارات يعطل الكاميرا إذا اكتشف أن الضوء تم تغطيته أو العبث به.

لكن هنا تظهر المفارقة: ما تعتبره الشركة “إشارة واضحة”، قد لا يكون واضحًا بالقدر نفسه بالنسبة للشخص الذي يتم تصويره.

فالمشكلة ليست فقط: هل يوجد ضوء؟

المشكلة:.هل رأيته؟ هل فهمت معناه؟ وهل لديك أصلًا فرصة لكي تقول: “من فضلك لا تصورني”؟

المشكلة أكبر من مجرد صورة.. النظارة لا تلتقط الصورة فقط.

الميكروفونات يمكنها التقاط الصوت، والكاميرا تمنح الجهاز رؤية لما أمام مرتديه، والذكاء الاصطناعي يستطيع تحليل ما يراه المستخدم ويجيب عن أسئلته.

وهنا يتحول المشهد من “شخص معه كاميرا صغيرة” إلى سؤال أكبر: ماذا يحدث عندما يصبح كل شخص في الشارع محتملًا أن يكون أمام كاميرا لا تبدو ككاميرا؟

هذا القلق ليس جديدًا على Meta نفسها.. ففي تقييم سابق للآثار الحقوقية لنظارتها، أشارت الشركة إلى مخاطر تتعلق بموافقة الأشخاص الموجودين حول المستخدم، وبالخصوصية، وباحتمال تأثر فئات أكثر عرضة للضرر مثل النساء والأطفال وغيرهم.

يعني ببساطة: الشركة نفسها كانت تعرف منذ البداية أن المشكلة ليست فقط في الشخص الذي يشتري النظارة.
المشكلة في كل شخص يقف بجانبه.

وهنا تتدخل الحكومات في أوروبا، تصاعدت الدعوات إلى التعامل مع النظارات باعتبارها قضية حماية بيانات وخصوصية، وليس مجرد منتج إلكتروني جديد.

وفي ألمانيا ظهرت دعوة صريحة إلى حظر بيع Ray-Ban Meta، بينما ناقشت جهات وناشطون في فرنسا وهولندا ودول أوروبية أخرى مخاطر تسجيل الأشخاص دون علمهم.

واللافت أن Meta نفسها ما زالت تدرج دولًا أوروبية عديدة ضمن الأسواق المدعومة رسميًا، بينها فرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا والمملكة المتحدة.

إذن نحن لسنا أمام “أوروبا حظرت النظارة”.. نحن أمام شيء أكثر تعقيدًا.. أوروبا نفسها لم تحسم بعد أين ينتهي حق المستخدم في التكنولوجيا وأين يبدأ حق الشخص الآخر في ألا يكون جزءًا منها.

أستراليا ذهبت خطوة أبعد.. ففي أستراليا، لم يعد النقاش نظريًا فقط.. مجلس Yarra المحلي في ملبورن صوّت على حظر استخدام النظارات الذكية في مرافق ترفيهية تابعة للمجلس، ومراكز رعاية الأطفال والملاعب، مع استثناء استخدامها كوسيلة مساعدة لذوي الإعاقة.. وجاء القرار وسط مخاوف خاصة من التصوير السري في أماكن مثل حمامات السباحة وغرف تغيير الملابس.

وفي الوقت نفسه، دعت هيئة السلامة الإلكترونية الأسترالية الشركات إلى تطوير وسائل أكثر وضوحًا للحماية، من بينها مؤشرات تسجيل لا يمكن تجاهلها وتقنيات مثل طمس الوجوه تلقائيًا.

وهنا السؤال الذي يستحق التوقف: لماذا نطلب من الضحية أن تكتشف أولًا أنها تُصوَّر، ثم تبحث بعد ذلك عن طريقة لحماية نفسها؟
وحتى الشرطة بدأت تقلق.. في الولايات المتحدة، وصلت المسألة إلى أماكن أكثر حساسية.. وكالات إنفاذ القانون بدأت تحذر من إمكانية استخدام النظارات لتسجيل منشآت ومناطق أمنية، وأصدرت جهات اتحادية قيودًا على ارتدائها في أماكن العمل.

والسبب واضح: إذا كانت النظارة قادرة على تصوير ما يراه مرتديها، فإنها تستطيع أيضًا تسجيل أماكن لا يفترض أن تكون متاحة للتصوير.

وهنا المفارقة تصبح أكبر: الأداة نفسها يمكن أن تكون مفيدة جدًا.. وخطيرة جدًا في الوقت نفسه.

يمكن أن تساعد شخصًا من ذوي الإعاقة. يمكن أن تسهل التصوير. يمكن أن تساعد المستخدم في الحصول على معلومات عن العالم من حوله.

لكنها في اللحظة نفسها يمكن أن تحول الأشخاص من حوله إلى “بيانات” من دون أن يطلبوا ذلك.

والمشكلة لم تعد افتراضية بالكامل.. في الهند، ظهرت مؤخرًا واقعة لرجل قال إنه اكتشف أنه صُوّر دون علمه داخل مقهى، ثم ظهر الفيديو على Instagram مصحوبًا بالسخرية منه، ما دفعه إلى اتخاذ إجراء قانوني ضد Meta والمطالبة بتعويض كبير.

وفي البرازيل، تقدمت جهات للدفاع عن المستهلك والحقوق الرقمية بطلبات للتحقيق في نظارات Meta بسبب مخاوف تتعلق بقوانين حماية البيانات، وباحتمال تسجيل الأشخاص من دون علمهم، خصوصًا النساء والأطفال والمراهقين.


وهكذا يعود “محمود” إلى الكافيه من جديد. الرجل الذي ظن أن مشكلته بدأت عندما ظهر الفيديو على الإنترنت، قد يكتشف أن المشكلة بدأت قبل ذلك بكثير.. بدأت لحظة أن شخصًا ما وجّه وجهه نحوه.. دون أن يعرف محمود.

التكنولوجيا أسرع من القانون.. وهنا ربما تكون القصة كلها في جملة واحدة: الهاتف الذكي أعطانا كاميرا نحملها في أيدينا.. أما النظارة الذكية فتعطينا كاميرا نرتديها.

والفرق ليس بسيطًا.. في الهاتف، هناك فعل واضح: أخرجت الهاتف، وجهته، ضغطت.. أما في النظارة، يمكن أن تتحدث وتتحرك وتمشي وتشاهد وتلتقط في الوقت نفسه.

ولهذا فإن السؤال القادم قد لا يكون: “هل يجوز أن تصورني؟”.
بل: “كيف أعرف أصلًا أنك تصورني؟”.

ميتا تقول إنها تحاول الإجابة عن السؤال بالضوء الأبيض، وبمنع الكاميرا من العمل إذا تم العبث بمؤشر التسجيل.

لكن الحكومات والناشطين وبعض المؤسسات يقولون إن هذا قد لا يكون كافيًا.

وهنا نحن أمام معركة أكبر من نظارة. إنها معركة على تعريف جديد للخصوصية في عصر الذكاء الاصطناعي.. فقد يأتي يوم لا يكون فيه الشخص الذي يقف أمامك مجرد شخص.
قد يكون وجهه معلومة.. وصوته بيانات.. ومكانه معلومة.. وكلامه مادة للتحليل.

وكل ذلك..من دون أن يخرج أحد هاتفًا من جيبه.

إذن السؤال الحقيقي ليس: هل يجب أن نحظر نظارة ميتا؟
السؤال الأهم: هل نحن مستعدون لعالم تصبح فيه الكاميرا جزءًا من ملابسنا اليومية، قبل أن نضع القواعد التي تحمي الأشخاص، الذين لم يختاروا أصلا أن يكونوا أمامها؟

رابط مختصر

تابعونا على

search