الثلاثاء، 22 سبتمبر 2026

05:45 م

الثلاثاء، 22 سبتمبر 2026

05:45 م

"كأنهم يدعون لديانة جديدة".. هاني سويلم يرد على إثيوبيا بشأن الحق السيادي

الدكتور هاني سويلم، وزير الموارد المائية

الدكتور هاني سويلم، وزير الموارد المائية

“كأنهم يدعون إلى ديانة جديدة”، هكذا انتقد الدكتور هاني سويلم، وزير الموارد المائية والري، حديث مسؤولين إثيوبيين عن الحق السيادي في بناء السدود على الأنهار الدولية، مؤكدًا أن هناك فارقًا بين إقامة منشأة داخل حدود الدولة وبين تنفيذ مشروع على نهر تتقاسمه عدة دول، كما أن تنظيم استخدام الأنهار الدولية تحكمه قواعد القانون الدولي. 

الموقف المائي المصري 

جاء ذلك خلال جلسة إحاطة موسعة نظمتها الهيئة العامة للاستعلامات، مع ممثلي وسائل الإعلام الإقليمية والدولية والمراسلين الأجانب المعتمدين في القاهرة، بحضور السفير علاء يوسف، رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للاستعلامات، وبمشاركة أكثر من 80 مراسلًا يمثلون نحو 45 وسيلة إعلامية أجنبية.

وشهدت الجلسة عرضًا توضيحيًا قدمه الدكتور سويلم، أعقبه حوار مفتوح مع المراسلين الأجانب، تناول الوضع المائي في مصر، والجهود الوطنية لمواجهة الندرة المائية، والتعاون مع دول حوض النيل، والاتفاقية الإطارية التعاونية، والعملية التشاورية الجارية بين دول الحوض، ورؤية أفريقيا للمياه 2063، والموارد المائية وإمكانات الطاقة في إثيوبيا، فضلًا عن السد الإثيوبي وقواعد إدارة الأنهار الدولية.

وتحدث الدكتور سويلم عن خصوصية الوضع المائي المصري، موضحًا أن أكثر من 98% من الموارد المائية المتجددة لمصر ترتبط بمياه تأتي من خارج حدودها، وأن الموارد المائية المتجددة لا تتجاوز نحو 56.8 مليار متر مكعب سنويًا، في الوقت الذي تصل الاحتياجات المائية إلى نحو 123 مليار متر مكعب سنويًا، بينما يبلغ نصيب الفرد من الموارد المائية المتجددة نحو 472 مترًا مكعبًا سنويًا، بما يضع مصر تحت حد الندرة المائية المطلقة البالغ 500 متر مكعب للفرد سنويًا.

واستعرض الجهود الضخمة التي تبذلها الدولة لمواجهة هذه التحديات، موضحًا أن مصر تعيد استخدام نحو 23.2 مليار متر مكعب من المياه سنويًا، وأن المشروعات القومية الكبرى لمعالجة مياه الصرف الزراعي أضافت طاقة معالجة تقارب 4.8 مليار متر مكعب سنويًا، إلى جانب التوسع في التحلية، واستخدام المياه الجوفية، والاستفادة من المياه الافتراضية من خلال استيراد الغذاء، والانتقال إلى الإدارة الذكية باستخدام نظم التليمتري وصور الأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعي والنماذج الرياضية والطائرات المسيرة.

الإدارة الدقيقة للسد العالي 

وشدد على أن التحلية تمثل موردًا مكملًا ضمن منظومة إدارة المياه المصرية، لكنها لن تعوض مياه نهر النيل، مستعرضًا محاور الجيل الثاني لمنظومة المياه المصرية 2.0، والتي تستهدف الانتقال إلى إدارة أكثر ذكاءً وكفاءة ومرونة من خلال التوسع في معالجة وإعادة استخدام المياه، والرصد الآلي والتليمتري وصور الأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعي، وتطوير البنية التحتية والمنشآت المائية، وتحسين التنبؤ بإيراد النيل وربطه بالتشغيل الاستراتيجي للسد العالي، إلى جانب التكيف مع التغيرات المناخية، وتنفيذ المشروع القومي لضبط نهر النيل وفرعيه، وتعزيز الحوكمة والتوعية والعمل الإقليمي والدولي في قضايا المياه.

وأكد أن المواطن المصري يجب أن يكون مطمئنًا إلى أن الدولة تتابع الموقف المائي بصورة مستمرة، وتمتلك منظومات متطورة للرصد والتنبؤ والتخطيط وإدارة السيناريوهات المختلفة، وأن أمن المواطن المائي أولوية لا تقبل التهاون. 

وأوضح أن الإدارة الدقيقة للسد العالي والمخزون الاستراتيجي ومنظومة توزيع المياه أسهمت في التعامل مع ظروف مائية شديدة التعقيد ومنع انتقال كثير من التداعيات إلى المواطن، مع التأكيد على أن قدرة مصر على إدارة المخاطر داخليًا لا تعفي أي دولة أخرى من التزاماتها على النهر الدولي.

وانتقل الدكتور سويلم بعد ذلك إلى عرض الصورة الكاملة للموارد المائية في حوض النيل، موضحًا أن الحوض يتلقى سنويًا في حدود نحو ألفي مليار متر مكعب من الأمطار، بينما لا يتجاوز متوسط ما يستمر في مجرى النيل حتى أسوان نحو 84 مليار متر مكعب فقط، أي نحو 4% إلى 5% من إجمالي أمطار الحوض.

وردًا على ما يزعمه البعض بأن مصر تحصل على نصيب الأسد من مياه النيل، أوضح الوزير أن حصة مصر البالغة 55.5 مليار متر مكعب تمثل نحو 2.7% فقط إذا قورنت بحجم يقارب 2000 مليار متر مكعب من الأمطار الساقطة على حوض النيل، كما أن النظر إلى الصورة الكاملة للموارد والاستخدامات يكشف أن تصوير مصر باعتبارها الدولة التي تستحوذ على الجزء الأكبر من موارد الحوض لا يتفق مع الحقائق المائية على الأرض؛ فمصر دولة شديدة الجفاف تكاد تعتمد بالكامل على النيل.

حصة مصر 55.5 مليار متر 

وأوضح أن إثيوبيا على سبيل المثال تلقت في عام 2023 ما يزيد على 1000 مليار متر مكعب من الأمطار، منها نحو 467 مليار متر مكعب على الجزء الإثيوبي الواقع داخل حوض النيل، بينما تقدر مواردها المائية المتجددة بنحو 122 مليار متر مكعب سنويًا.

وأشار إلى أن التقديرات طبقا لأحدث الدراسات الاثيوبية تشير إلى أن كمية  إعادة شحن المياه الجوفية في إثيوبيا تتراوح بين 51 و81 مليار متر مكعب سنويًا، وهي كميات تتجدد بصورة مرتبطة بالأمطار، في اختلاف جوهري عن وضع المياه الجوفية العميقة التي تعتمد عليها مصر والتي تمثل موردًا غير متجدد.

وأضاف أن إثيوبيا تمتلك أكثر من 18 مليون هكتار من الأراضي الزراعية، مقابل نحو 4.03 مليون هكتار في مصر، وأن مساحات واسعة من الأراضي الإثيوبية تعتمد بصورة مباشرة على الزراعة المطرية، إلى جانب مساحات تروى بالسحب المباشر من الموارد المائية وأن التقديرات تشير إلى استخدام نحو 148 مليار متر مكعب سنويًا من المياه الخضراء في الزراعة المطرية الإثيوبية، إلى جانب نحو 9.68 مليار متر مكعب من المياه الزرقاء المستخدمة مباشرة في الزراعة؛ أي أن الاستخدام الزراعي المقدر لهذين الموردين وحدهما يقترب من 158 مليار متر مكعب سنويًا.

وأشار إلى أن البصمة المائية المرتبطة بقطاع الثروة الحيوانية في إثيوبيا تقدر بنحو 85.5 مليار متر مكعب سنويًا، وأكد الدكتور سويلم أن هذه الأرقام تؤكد أن التنمية الإثيوبية ليست مرهونة بالتحكم في مياه النيل الأزرق وأن إثيوبيا تستفيد من مواردها المائية.

التعاون مع الأشقاء في حوض النيل

وانتقل الدكتور سويلم إلى التعاون مع دول حوض النيل، مؤكدًا أن دعم مصر للتنمية في دول الحوض موقف عملي وليس شعارًا سياسيًا، واستعرض عددًا من المشروعات المصرية التي تشمل حفر نحو 365 بئرًا وإنشاء محطات مياه جوفية تعمل بالطاقة الشمسية في عدد من دول الحوض، وخزانات لحصاد مياه الأمطار، ومراسي نهرية، ومراكز للتنبؤ بالأمطار والفيضانات، ومعامل لتحليل نوعية المياه، ومشروعات للحماية من الفيضانات ومقاومة الحشائش المائية، إلى جانب تدريب نحو 1650 متدربًا من الأشقاء بدول حوض النيل والدول الافريقية، بإجمالي مشروعات تعاون يتجاوز 120 مليون دولار.

وأشار إلى أن مصر أطلقت كذلك آلية تمويلية جديدة بتمويل مبدئي قدره 100 مليون دولار لدراسة وتنفيذ مشروعات تنموية في دول حوض النيل وفق أولويات تلك الدول، بما في ذلك مشروعات البنية الأساسية والسدود في دول حوض النيل الجنوبي.

وأشار الوزير إلى سد جوليوس نيريري في تنزانيا باعتباره نموذجًا عمليًا للتعاون البناء في دول حوض النيل، مؤكدًا أن التعاون  تنزاني - مصري، والنتيجة مكسب مشترك، وأن المشروع يقدم نموذجًا لتوفير الطاقة لتنزانيا وإمكانية توظيفها في دعم التكامل الإقليمي والربط الكهربائي وتجارة الكهرباء بين دول الجوار التنزاني.

وفى إطار الدعم المصري للتنمية بدول حوض النيل الشقيقة، تناول الدكتور سويلم برنامج الاستثمار التابع لمبادرة حوض النيل NBI، موضحًا أنه إطار إقليمي لإعداد المشروعات ذات الأولوية ورفع جاهزيتها الفنية والبيئية والاجتماعية قبل الانتقال إلى حشد التمويل والتنفيذ.

مشروع سد جراند فولا في جنوب السودان

وأوضح أن مصر وافقت على التوجه لحشد التمويل لحزمة تضم 36 مشروعًا في حوض النيل الجنوبي بعد دراستها وتبادل المعلومات بشأنها وتقييم آثارها والتشاور والتوافق حولها، وتشمل مشروعات للطاقة الكهرومائية والربط الكهربائي وخطوط نقل الكهرباء وإمدادات المياه والمشروعات متعددة الأغراض وغيرها.

وتطرق الوزير إلى مشروع سد جراند فولا في جنوب السودان، موضحًا أن المشروع تمت مناقشته في إطار مؤسسات مبادرة حوض النيل وبرنامج الاستثمار ومن خلال آليات للتعاون وتبادل المعلومات والتشاور، مؤكدًا دعم مصر لجنوب السودان الشقيق في تحقيق أهدافه التنموية ومن ضمنها هذا المشروع.

وأكد أن هذه التجربة تقدم دليلًا عمليًا على أن تطبيق قواعد القانون الدولي، بما يشمل الإخطار المسبق والتشاور وتبادل المعلومات وإتمام دراسات تقييم الآثار والتوافق، يحقق المنفعة المشتركة والتنمية المستدامة؛ ويرفع جاهزية المشروعات ويفتح الطريق أمام التمويل الدولي لها.

وأوضح أن مصر لا تكتفي بدعم المشروعات المتفق عليها، بل تعمل أيضًا مع شركاء التنمية وجهات التمويل على حشد الموارد اللازمة لها، مؤكدًا أن المعيار المصري واحد تجاه جميع المشروعات على المجاري المائية المشتركة وهو تطبيق قواعد القانون الدولي على الجميع دون استثناء ورفض الإجراءات الأحادية.

وأشار في هذا السياق إلى إمكانية الرجوع الى سجلات البنك الدولي التي تؤكد أن مصر لم يسبق لها الاعتراض على مشروع مائي يموله البنك في دول حوض النيل، طالما تم هذا المشروع وفقًا للقواعد الدولية التي يطبقها البنك.

مبادرة حوض النيل NBI

وتناول الوزير بعد ذلك موقف التعاون في مبادرة حوض النيل NBI وحالة الاتفاقية الإطارية التعاونية CFA، حيث شدد على أن مصر ترى أهمية وجود مؤسسة إقليمية دائمة لحوض النيل تعمل وفقًا للقانون الدولي وأن تكون هذه المؤسسة جامعة لكل دول الحوض دون استثناء، موضحًا أن مبادرة حوض النيل تمثل حتى الآن الإطار المؤسسي الوحيد الذي يجمع دول الحوض العشرة.

وأوضح أن مجلس وزراء مياه دول الحوض أطلق في نوفمبر 2024 عملية تشاورية بقيادة أوغندا ورواندا وجنوب السودان لمعالجة شواغل الدول الأربع غير الأطراف في الاتفاقية الإطارية، وأن مصر شاركت في هذه العملية دعمًا لاستعادة التوافق والشمولية. 

وأشار إلى أن تقرير العملية التشاورية الذي تم تقديمه للمجلس الوزاري للمبادرة في ديسمبر 2025، أكد أهمية استكمال العملية التشاورية بهدف تطوير الاتفاق الإطاري لمراعاة شواغل جميع الدول واستعاده التوافق.

وأضاف الدكتور سويلم أن مصر تتمسك باستمرار هذه العملية لإعادة الدول العشر إلى (أسرة حوض النيل) تحت مظلة واحدة، مشيرًا إلى أن إثيوبيا هي الدولة الوحيدة التي رفضت استكمال العملية التشاوري في اجتماعات المجلس الوزاري في فبراير 2026.

واستعرض الدكتور سويلم رؤية أفريقيا للمياه 2063 وسياساتها، موضحًا أنها تمثل مرجعية قارية لمستقبل المياه في أفريقيا، وتضع التعاون في المياه العابرة للحدود والتكامل الإقليمي وتطبيق قواعد القانون الدولي للمياه في قلب السياسة الأفريقية للمياه.

وأشار الوزير إلى أن مصر تتمسك بهذه المرجعية الأفريقية وأنه يتعين على جميع الأشقاء في القارة العمل وفقا لهذه الرؤية لتحقيق المصالح المشتركة للدول الافريقية.

السد الإثيوبي الأحادي غير الشرعي

وبالانتقال الى السد الإثيوبي الأحادي غير الشرعي، أكد الدكتور سويلم أن مصر دولة سلام قوية، تعلي من القانون الدولي وتعرف متى وكيف يكون رد الفعل المناسب لحماية مصالحها.

وأشار إلى أن مصر تحتفظ بكافة الإجراءات والتدابير التي يكفلها لها القانون الدولي لحماية أمنها المائي وحقوق ومصالح شعبها، وأن كافة الخيارات المشروعة تظل متاحة أمام الدولة المصرية، مؤكدًا أن مصر لن تغض الطرف عن مصالحها الوجودية في نهر النيل ولن تقبل بأوهام التحكم والسيطرة في تدفقات المياه لدولتي المصب.

وأوضح أن هذا توصيف سياسي مقصود يستند إلى موقف قانوني واضح من النهج الذي أُنشئ ومُلئ وشُغّل به السد بصورة أحادية، مؤكدًا أن اكتمال البناء أو مرور الزمن لا يعني قبول مصر بالواقع الذي تم فرضه، ولا يسقط موقفها أو حقوقها ويعطي مصر الحق في التعامل بالطريقة التي تراها في مصلحتها وفقًا للخيار المناسب لها.

وأكد أن التشغيل الأحادي وغير المنسق أظهر قدرة السد على إحداث زيادات مفاجئة في التصرفات (الفيضان الصناعي)، أو خفض التصرفات بما قد يؤدي إلى (جفاف صناعي)، بما يربك تشغيل السدود والمنشآت المائية في دولتي المصب.

 التصريحات الإثيوبية الأخيرة

وتناول الدكتور سويلم التصريحات الإثيوبية الأخيرة التي تضمنت حديثًا عن التحكم في المياه لدولتي المصب، معتبرًا أن هذه اللغة تفضح التناقض في الخطاب الذي قدم السد طوال السنوات الماضية باعتبارهمشروعا للكهرباء، وتؤكد حقيقة النوايا الإثيوبية في محاولات الهيمنة والسيطرة الأحادية على مياه نهر النيل بالمخالفة للقانون الدولي، الذي لا يمنح دولة المنبع حق التصرف المنفرد في المورد المائي العابر للحدود.

وفي ختام الجلسة، أكد الدكتور سويلم أن الموقف المصري يقوم على معادلة واضحة لا تناقض فيها: تعاون كامل ودعم حقيقي لتنمية دول حوض النيل مع الالتزام بقواعد القانون الدولي، وحماية الأمن المائي المصري ورفض النهج الأحادي.

وأكد أن أمام الجميع نموذجين واضحين: نموذج تعاوني ناجح في حوض النيل الجنوبي تقوم فيه الدول بإعداد المشروعات ودراستها وإخطار الأطراف والتشاور والتوافق بشأنها ثم الانتقال إلى التمويل والتنفيذ، ومصر تدعم هذا النموذج وتشارك في حشد التمويل له؛ وفي المقابل، هناك النموذج السلبي للسد الإثيوبي الأحادي في النيل الشرقي مع سد النهضة.

واختتم الدكتور سويلم بالتأكيد على أن أمن مصر المائي قضية وجودية، وأن المواطن المصري يجب أن يكون مطمئنًا إلى أن الدولة تتابع الموقف على مدار الساعة، وتدير مواردها بمنظومة علمية وفنية متطورة، ولن تسمح بأن يتحمل المواطن تبعات قرارات أحادية تُتخذ خارج حدود الدولة، كما لن تسمح بتكرار فرض أمر واقع جديد على النيل الشرقي، مع احتفاظ مصر بكامل حقوقها وجميع التدابير التي يكفلها القانون الدولي.

اقرأ أيضا:
وزير الري: سد النهضة "غير شرعي" ومصر لن تسمح بإنشاء سدود إضافية على النيل

3 سدود جديدة فوق النيل الأزرق.. كيف تعيد إثيوبيا رسم خريطة المياه؟

search