الثلاثاء، 22 سبتمبر 2026
01:59 ص
تخيل رجلًا اتُهمت زوجته بالزنا، وكثرت الأحاديث حولها وأصابتها سهام الشكوك، فما كان من زوجها إلا أن قال لها: إن كنتِ بريئة فسيبرئك الله، وإن كنتِ مذنبة فاستغفري لذنبك فإن العبد إذا اعترف بذنبه وتاب، تاب الله عليه.. كيف ترى رد الفعل هذا بميزان العادات والتقاليد والتعريف الشرقي لكلمة "رجولة"؟!
ولكن، تمهل قبل الإجابة، أو لا تنطق أصلًا.. فقائل هذا الكلام هو رسولك - عليه أفضل الصلاة والسلام- سيد الخلق وصاحب الخلق العظيم تصديقًا لقرآننا الكريم. في حادثة الإفك، بعد رجوع المسلمين من غزوة بني المصطلق، نشر عبد الله بن أُبيّ بن سلول - وكان رأس المنافقين في المدينة- شائعة عن وقوع السيدة عائشة في الزنا، وتداول كلامه آخرون، ومنهم صحابة مثل، مِسطح بن أثاثة، وحسان بن ثابت، وحَمنة بنت جحش.
ماذا عن رد فعل النبي؟ هل اشتاط غيظًا فقرر إسكات الأقاويل بسفك دماء السيدة عائشة تعبيرًا عن رجولته وغيرته وخوفًا من القيل والقال؟ هل وجد أن الحل يكمن في القتل للعيش مرفوع الرأس بين الناس؟! لا والله، فكما ورد في صحيحي البخاري ومسلم، أنه - صلى الله عليه وسلم- قال: يا عائشة، فإنه بلغني عنكِ كذا وكذا، فإن كنتِ بريئة فسيبرئكِ الله، وإن كنتِ ألممتِ بذنبٍ فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه.
وكذلك خطب في الناس - خطبة مروءة لرجل مرفوع الرأس، عابدٍ لله لا لأحاديث البشر وأهوائهم- قائلًا: “يا معشر المسلمين، من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي؟ فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرًا، ولقد ذكروا رجلًا ما علمت عليه إلا خيرًا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي”.
وبعد تبرئة السيدة عائشة من الله، تم إقامة حد القذف في الصحابة الثلاثة الذين تحدثوا عنها بسوء.
تخيلوا معي لو طبقنا حد قذف المحصنات اليوم، فكم شخصًا كان سيُجلد بعد الخوض في عرض سيدة سوهاج المقتولة على يد زوجها العائد من ليبيا؟ وكذلك الخائضون في آية رضوان بنت الـ 16 ربيعًا آخر ضحايا القتل باسم الشرف؟!!!
تخيل لو تصرف أي زوج أو أب أو أخ مثلما تصرف رسول الله ومبلغ الرسالة، فبماذا كان سيوصف في مجتمعنا الذكوري؟!
للأسف، قيمة "الرجولة" في مجتمعنا أصبحت تُقاس بمدى قدرة الرجل على ارتكاب جريمة قتل في حق أقرب الناس إليه. إذا كنت تجرؤ على قتل زوجتك، ابنتك، أو أختك، فنعم الرجال أنت! أما إذا قدمت الشرع على العادات الدموية، فأنت ديوث في نظر مجتمع يغض الطرف عن المعنى الحقيقي للدياثة، مجتمع بارع في قلب المعاني، وإلباسها أثوابًا غير أثوابها، حتى أصبح المجرم فيه ذا شرف، وصاحب المروءة متهمًا في رجولته!
يجدون ألف حجة لإقصاء وطمس كلام الشرع وتجنيبه ركنًا بعيدًا عن الحياة، حتى تتسع الحياة لأفكارهم العفنة، ويجدوا فيها متنفسًا لارتكاب أقذر الجرائم باسم الشرف، لكي يتسع الموت لضحايا عفونة أفكارهم! أي شرف هذا الذي يقبع في عضو تناسلي؟! أي شرف لرجل يستبيح قتل النفس التي حرم الله؟! ماذا عن النزاهة والصدق والوفاء والرحمة والكرامة والشجاعة والعدل واحترام الآخر ؟! أليست هذه هي معاني الشرف الحقيقي التي يفتقدها الكثير في مجتمع يحاول ترقيع ما ينقصه من شرف بعضو تناسلي لامرأة، وطبعًا دون الذكر!
إذا رجعنا للدين، نعرف أن شروط تطبيق حد الزنا تقتضي اعتراف الزاني، أو شهادة أربعة شهود عدول على الوطء الذي يتحقق فيه الإيلاج، لأن أي فعل مخل دون الإيلاج لا يستوجب إقامة الحد رغم أنه لا يزال ذنبًا قد يستوجب التعزير - وهذا هو ما يجهله أو يتجاهله مشجعو جرائم القتل- وإذا توافرت هذه الشروط شديدة الصعوبة، فإن حد الزنا لغير المحصنين هو الجلد 100 جلدة، وليس القتل. ويُطبق الحد - سواء الجلد لغير المحصنين أو الرجم للمحصنين- على الرجل والمرأة، وليس على المرأة فقط. كما أن إقامة الحدود من اختصاص الدولة، وليس من اختصاص الأب أو الأخ أو الأم.
ولهذا فإن قطاعا عريضا من مجتمعنا يخشى معرفة دين الله - فيما يخص الزنا والحدود- حق المعرفة لأنه لا يوافق هواه. مجتمع يخشى الحياة ويبرر القتل ويمجد القاتل. مجتمع وسائل التواصل الاجتماعي مرعب حد الغثيان.. مجتمع فقير في أخلاقياته وإنسانيته.. مجتمع يخشى الحرية لأنه اعتاد أن يكون عبدًا لعاداته، ولا يروق له أن غيره استطاع أن ينعم بحرية الاختيار..
مجتمع يرى الحرية بابًا للجنس فقط.. كما يختزل الفجور في العلاقات الجنسية.. مجتمع لا يستطيع إدراك أن الحرية هي حرية الاختيار.. اختيارك لإقامة الصلاة فعل حرية.. اختيارك لإيتاء الزكاة فعل حرية.. اختيار المرأة لارتداء الحجاب فعل حرية.. اختيار صوم رمضان فعل حرية.. وحتى اختيار الإنسان للمعصية لا يُسلب منه بالقهر، وإنما يُحاسب على اختياره.. خلقنا الله أحرارًا مكلفين حتى تُقام علينا الحجة يوم القيامة.. فكيف يكون الحساب إن لم يكن للإنسان حق الاختيار؟!!!
"لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ"، "إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا"، "لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ"، "وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ".. القرآن يقرر مسؤولية الإنسان عن اختياره، ويثبت له المشيئة والإرادة، مع كون مشيئته واقعة تحت مشيئة الله.. فقد خلق الله الإنسان مختارًا ومكلفًا، وجعل عليه تبعة اختياره.. والمجتمع يسلبه هذه الحقوق.. المجتمع يرى في المرأة كائنًا فاجرًا، ولو ملكت حرية القرار والاختيار، فسيكون قرارها الفجور!! المجتمع يعتبر الانحراف الجنسي للمرأة جريمة لا تغتفر لكن الانحراف الجنسي للرجل أمرًا عاديًا، بل ويعده بعضهم من تمام الفحولة..
المجتمع لا يكتفي بأن يراقب المرأة، بل يريد أن يصادر حقها في الاختيار، ثم يمنح الرجل سلطة العقاب باسم الشرف، وذلك لأن خطأ المرأة - مجتمعيًا- متمركز حول الجنس والملابس وما شابه ذلك.. لكن عدم الصلاة أو الصوم أو إقامة أي ركن من أركان الإسلام أصلا لا يُعد خطأً بمعايير المجتمع، ولن يحاسبها عليه!
تلك منظومة اجتماعية دنيوية بحتة قد تتغير 180 درجة لو انتقل من يقدسون كلام الناس إلى قارة أوروبا مثلًا، فيهدمون تلك المنظومة ليقيموا ما يقره أبناء المجتمع الأوروبي، رغم أن دين الله لا يتغير بتغيير المكان..
ووسط هذا الظلام الدامس، تبقى الحقيقة ساطعة رغم المجتمع القبلي: الله خلق المرأة بشرًا حرًا عاقلًا مكلفًا، لها حق الاختيار تمامًا مثل الرجل.. فالحمد لله على نعمة الحرية والاختيار.. الحمد لله على نعمة الوعي وعدم التفريط في الحرية.. الحمد لله على نعمة الفطرة السوية وعدم الخضوع إلا للخالق.. الحمد لله على نعمة الثبات على المبدأ، وعلى ازدياد التمسك به كلما اشتدت العاصفة الهمجية!!
09 سبتمبر 2026 10:52 ص
أكثر الكلمات انتشاراً