الأربعاء، 23 سبتمبر 2026

01:33 ص

الأربعاء، 23 سبتمبر 2026

01:33 ص

إدارة الصراعات.. حين يصبح استنزاف الدول بديلاً عن حسم الحروب

لم تعد الحروب المعاصرة تسعى إلى رفع الأعلام فوق العواصم أو إعلان الانتصار العسكري الخاطف. ما نشهده اليوم في أوكرانيا، غزة، السودان، ولبنان، هو نمط جديد يقوم على "إدارة الصراع" بدل حسمه، وعلى "استنزاف الدولة" بدل إسقاطها، إنها عملية "هندسة" دقيقة تهدف إلى تفكيك البنى الداخلية للأوطان قبل إعادة رسم أدوارها وحدودها من الخارج.

أوكرانيا.. الدبلوماسية فوق الأنقاض

في أوكرانيا، لم تعد المعركة تدور حول حسم عسكري ميداني بقدر ما أصبحت أداة لفرض شروط تفاوضية طويلة الأمد. السيطرة الميدانية وتضارب السرديات والضغط الاقتصادي المتبادل، كلها عناصر تُستخدم لتشكيل ملامح “التسوية القادمة”، في هذا النوع من النزاعات، لا تمهّد الدبلوماسية لاستخدام القوة، بل تُبنى الدبلوماسية بالكامل على نتائج الاستنزاف الميداني.

لقد كشفت هذه الحرب أن القوى الغربية، وعلى رأسها واشنطن، لم تعد تتصرف كضامن نهائي للاستقرار، بل كلاعب يعيد حساب الكلفة والعائد، مما يجعل الدعم العسكري والسياسي مشروطاً وقابلاً للتراجع في أي لحظة.

غزة والسودان.. من السيادة إلى "الملفات الإدارية"

في غزة، يتجاوز الخطر حدود العمليات العسكرية ليطال جوهر القضية الفلسطينية. الطروحات الدولية الراهنة لا تنصرف إلى معالجة جذور الصراع، بل إلى "إدارة طويلة الأمد" عبر ترتيبات أمنية وإعادة إعمار مشروطة، الهدف هنا هو تحويل القضية من مسألة حقوق وسيادة وطنية إلى "ملف إنساني" خاضع للإدارة الدولية، وهو ما يواجهه الموقف المصري بحزم عبر رفض أي ترتيبات تنتقص من الطابع الفلسطيني للحل.

أما السودان، فيقدم النموذج الأكثر وضوحًا لـ"إدارة الفوضى"، ما يجري هناك ليس حربًا أهلية تقليدية، بل مسارًا تفكيكيًا للدولة يُستخدم فيه العنف المفرط لشرعنة فواعل مسلحة بديلة. الصراع ليس بين دولة وتمرد، بل هو تنافس مشاريع سلطوية على أنقاض كيان وطني متآكل، حيث يتم تجاوز فكرة الدولة لصالح ترتيبات "أمر واقع" جديدة.


لبنان.. التفكيك الهادئ

وفي لبنان، يتخذ التفكيك مسارًا أكثر هدوءًا لكنه لا يقل خطورة؛ فالدولة لا تنهار دفعة واحدة، بل تُفرَّغ تدريجيًا من وظائفها الاقتصادية والمؤسساتية لصالح "كيانات موازية" تمتلك القوة والتمويل، النتيجة ليست "دولة فاشلة" بالمعنى التقليدي، بل "دولة منزوعة الأدوات"، يُستخدم ضعفها ذريعة لإعادة رسم الوقائع الجغرافية والسياسية، لا سيما في الجنوب.

المحصلة الاستراتيجية: الدول لا تسقط.. بل تُفكك

إن ما يلوح في الأفق ليس مجرد تغير في الحدود، بل هو احتمال اتساع “الفراغ السيادي”، النظام الدولي الجديد يعيد تعريف معنى الدولة ذاتها، حيث يتم تمكين "الفواعل غير الدولتية" وإغراق الداخل بالفوضى، ثم التدخل تحت عناوين إنسانية لطرح حلول جاهزة تتراوح بين الفيدرالية والحكم الذاتي.

نحن لا نقف عند نهاية هذا المسار، بل في منتصفه، ومن لا يقرأ الأزمات كمنظومة واحدة متصلة، سيبقى يتعامل مع "النتائج" بينما يُعيد الآخرون هندسة "الأسباب".

في المقال القادم: سنتناول "مصر في قلب إعادة توزيع النفوذ".. كيف أصبح الأمن القومي المصري شبكة مصالح عابرة للجغرافيا؟

search