الثلاثاء، 29 سبتمبر 2026
05:19 ص
ثمة مفارقة تاريخية لافتة في العلاقة بين جماعة الإخوان المسلمين والجمهورية الإسلامية الإيرانية: الإخوان جماعة سنية، والملالي في إيران ينتمون إلى الإسلام الشيعي الاثني عشري، لكن الاختلاف المذهبي لم يمنع تشابهًا واضحًا في عدد من الأفكار السياسية والتنظيمية، ولا منع انتقال أفكار إخوانية إلى البيئة الإسلامية الإيرانية قبل الثورة بسنوات طويلة.
ولفهم هذا التشابه، لا بد من العودة إلى حسن البنا ثم سيد قطب، قبل الانتقال إلى الخميني وعلي خامنئي.
أسس حسن البنا جماعة الإخوان المسلمين في مارس 1928 بمدينة الإسماعيلية، واختار لنفسه لقب المرشد العام.
لم يكن المرشد في البناء الذي وضعه البنا مجرد رئيس إداري لجمعية، وإنما أصبح مركز التنظيم ومرجعيته العليا، ومع تطور الجماعة خلال ثلاثينيات القرن العشرين، أصبحت البيعة للمرشد، والطاعة له، والانضباط التنظيمي من أهم سمات العضوية في الجماعة.
وفي «رسالة التعاليم» التي صاغها البنا في ثلاثينيات القرن العشرين، وضع الطاعة ضمن أركان الالتزام الإخواني، وجعل تنفيذ أوامر القيادة جزءًا من تربية العضو وتنظيمه.
وهنا اكتسب منصب المرشد العام هالة دينية وتنظيمية تتجاوز فكرة القيادة الإدارية؛ فالمرشد هو رأس الجماعة، والبيعة له جزء من الانتماء، وطاعته جزء من الالتزام التنظيمي.
وهذه النقطة ستصبح شديدة الأهمية عندما نقارن النموذج الإخواني بالنموذج الذي أقامه الخميني بعد الثورة الإيرانية.
دخل سيد قطب جماعة الإخوان المسلمين في أوائل الخمسينيات، وبعد فشل محاولة الإخوان المسلمين اغتيال جمال عبد الناصر في 26 أكتوبر 1954، اعتُقل قطب وسُجن. وخلال سنوات السجن تطورت أفكاره السياسية والدينية إلى صورتها الأكثر تشددًا.
وفي 1964 صدر كتابه «معالم في الطريق»، الذي قدم فيه تصورًا للمجتمع الجاهلي والمجتمع المسلم، وجعل الحاكمية وإقامة المجتمع الذي يحكم وفق التصور الإسلامي محورًا أساسيًا لمشروعه.
كان سيد قطب يرى أن المجتمعات القائمة لا تصبح إسلامية بمجرد إعلان أفرادها الإسلام، وأن الحكم بغير ما اعتبره شرع الله يمثل عودة إلى الجاهلية.

وهكذا قدم قطب منظورًا فكريًا متشددًا يقوم على الحكم بجاهلية المجتمعات الإسلامية التي لا تطبق التصور الذي حدده، وعلى تقسيم حاد بين مجتمع إسلامي ومجتمع جاهلي، وعلى ضرورة وجود طليعة مؤمنة تتولى مهمة التغيير.
وأصبحت هذه الأفكار لاحقًا أحد أهم المنابع الفكرية التي استندت إليها التيارات التكفيرية والجهادية، التي دفعت مفهوم الجاهلية والحاكمية إلى نهايات أكثر تطرفًا، وصولًا إلى تكفير المجتمعات واستباحة العنف ضد الدولة والمجتمع.
وفي 29 أغسطس 1966 أُعدم سيد قطب شنقًا بعد إدانته في قضية تنظيم الإخوان المسلمين الذي كان يستعد لقلب نظام الحكم، والتخطيط لاغتيال جمال عبد الناصر وكبار رجال دولته. لكن إعدام قطب لم ينهِ تأثيره.
خرجت أفكاره من مصر وعبرت الحدود إلى العالم الإسلامي، وكان من أهم البلدان التي وصلت إليها إيران.
الإخوان وإيران قبل الخميني
العلاقة بين الإسلاميين الإيرانيين والإخوان المسلمين أقدم من الجمهورية الإسلامية نفسها، ففي عام 1948 التقى حسن البنا بالمرجع الشيعي الإيراني آية الله أبو القاسم الكاشاني، في واحدة من حلقات الاتصال المبكرة بين الإسلاميين السنة والشيعة.
بعد ذلك جاءت محطة أكثر أهمية في 1954، عندما زار رجل الدين الإيراني نواب صفوي مصر والتقى قيادات جماعة الإخوان المسلمين، والتقى كذلك سيد قطب.
كان نواب صفوي قد أسس جماعة «فدائيان إسلام» عام 1945، وكانت من أوائل التنظيمات الإسلامية السياسية المتشددة في إيران.
وبعد اتصالاته بالإخوان، أصبحت الأفكار التي طرحها الإسلاميون المصريون حاضرة بصورة أكبر في البيئة الإسلامية الإيرانية.
وهنا يظهر التشابه الأول:
الإخوان في مصر والإسلاميون الإيرانيون لم يكونوا مجرد حركات دينية؛ كانوا حركات سياسية تريد تحويل الإسلام إلى مشروع لحكم الدولة والسيطرة على المجتمع.
سيد قطب بالفارسية.. خامنئي ينقل الأفكار
في 1966 ظهر واحد من أهم الجسور بين سيد قطب والإسلاميين الإيرانيين، كان ذلك الجسر هو علي خامنئي.
ففي تلك السنة ترجم خامنئي كتاب سيد قطب «المستقبل لهذا الدين» إلى الفارسية، وكتب مقدمته، كما اهتم بترجمة ونقل أعمال أخرى لسيد قطب، ومن بينها أجزاء من كتاب «في ظلال القرآن».
كان خامنئي في ذلك الوقت رجل دين شابًا ومعارضًا لنظام الشاه، وبعد ثلاثة عشر عامًا فقط قامت الثورة الإيرانية في 1979، وسقط نظام الشاه، وأُقيمت الجمهورية الإسلامية، ثم أصبح خامنئي رئيسًا للجمهورية عام 1981، وبعد وفاة الخميني عام 1989 أصبح هو المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية.
وهكذا فإن الرجل الذي كان في 1966 يترجم سيد قطب إلى الفارسية أصبح في 1989 صاحب أعلى منصب ديني وسياسي في إيران.
من مرشد الإخوان إلى مرشد إيران
هنا تظهر واحدة من أهم نقاط التشابه بين الإخوان والجمهورية الإسلامية؛ حسن البنا جعل المرشد العام مركز الجماعة، وأقام حول المنصب بناءً تنظيميًا يقوم على البيعة والطاعة والالتزام.
الخميني فعل شيئًا أكثر اتساعًا، ففي عام 1970، أثناء وجوده في منفاه بالنجف في العراق، قدم محاضراته التي عُرفت لاحقًا بكتاب «الحكومة الإسلامية: ولاية الفقيه»، ووضع فيها الأساس النظري لنظام الحكم الذي سيقيمه بعد الثورة.
نظرية ولاية الفقيه تقوم على أن الفقيه الجامع للشرائط يتولى الولاية العامة في زمن غيبة الإمام الثاني عشر، أي أنه يمثل المرجعية العليا التي تتولى قيادة المجتمع والدولة في عصر غيبة الإمام.
وبعد الثورة في 1979 تحولت الفكرة إلى أساس دستوري للنظام الإيراني، وأصبح الولي الفقيه والمرشد الأعلى صاحب السلطة العليا في الجمهورية الإسلامية.
وهنا يصبح التشابه شديد الوضوح:
حسن البنا أضفى قداسة تنظيمية على منصب المرشد العام، وجعل البيعة والطاعة له جزءًا من البناء الإخواني؛ والخميني أضفى قداسة دينية وسياسية على منصب الولي الفقيه، باعتباره نائبًا عن الإمام الغائب، وجعله رأس الدولة وصاحب السلطة العليا فيها.
في نموذج البنا، هناك مرشد عام للجماعة، وفي نموذج الخميني، هناك مرشد أعلى للدولة.
في الإخوان، البيعة والطاعة للمرشد جزء من البناء التنظيمي، وفي إيران، ولاية الفقيه والطاعة للمرشد جزء من البناء السياسي للنظام.
وبذلك انتقلت فكرة القيادة الدينية المركزية من نطاق الجماعة إلى نطاق الدولة.
بعد الثورة، لم يعد حضور سيد قطب في إيران مجرد حضور فكري، ففي 1984 أصدرت الجمهورية الإسلامية الإيرانية طابعًا بريديًا تذكاريًا يحمل صورة سيد قطب خلف القضبان، ويصفه بأنه «شهيد».
وهكذا أصبح الرجل الذي أُعدم في القاهرة عام 1966 بسبب ترؤسه لتنظيم إرهابي وتخطيطه لقلب نظام الحكم واغتيال عبد الناصر، يظهر في إيران الرسمية باعتباره أحد رموز النضال الإسلامي.
ولم يتوقف الاحتفاء عند الطابع، بل يوجد شارع باسم سيد قطب في طهران، إلى جانب شوارع أخرى تحمل اسمه في مدن إيرانية مختلفة.
ولم يقتصر تخليد أسماء رموز الإخوان في إيران على سيد قطب وحده، حيث يوجد شارع في العاصمة الإيرانية طهران يحمل اسم حسن البنا، مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، بل إن عبد الحميد كشك يوجد شارع باسمه في طهران بسبب تأييده لثورة الخميني وانحيازه لإيران ضد العراق خلال حرب الخليج الأولى 1980-1988، وهجومه على الرئيس العراقي صدام حسين.
وهنا تصبح المفارقة أكثر وضوحًا: الجمهورية الإسلامية التي قامت على أساس مذهبي شيعي اثني عشري، لم تكتفِ بالتواصل الفكري والسياسي مع جماعة الإخوان المسلمين السنية، وإنما احتفت أيضًا بأسماء أبرز منظريها ومؤسسيها، حتى أصبحت أسماؤهم جزءًا من الفضاء العام في العاصمة الإيرانية.
ينطلق مشروع الإخوان المسلمين وملالي إيران من رفض حصر الإسلام في المجال الفردي والروحي.
كلاهما ينظر إلى الإسلام باعتباره نظامًا للحكم والمجتمع والدولة.
كلاهما يعطي القيادة الدينية مكانة مركزية.
كلاهما يقوم على فكرة وجود نخبة مؤمنة تقود المجتمع نحو المشروع الإسلامي.
وكلاهما ينظر إلى الدولة الحديثة من خلال تصور ديني للسلطة والشرعية.
25 سبتمبر 2026 08:32 ص
24 سبتمبر 2026 10:19 ص
23 سبتمبر 2026 10:04 ص
21 سبتمبر 2026 09:58 ص
أكثر الكلمات انتشاراً