الأربعاء، 07 أكتوبر 2026
03:54 م
وُلد الملك توت عنخ آمون عام 1341 قبل الميلاد في مدينة "أخيتاتون"، العاصمة التي شيدها الملك أخناتون بديلاً عن طيبة، والتي تُعرف اليوم بتل العمارنة في محافظة المنيا.
وقد ساد الاعتقاد طويلاً بأن توت عنخ آمون هو الأخ الأصغر لأخناتون، غير أن اختبار الحمض النووي الذي أجري عام 2010 على مومياء الملك أثبت بما لا يدع مجالاً للشك أنه ابن أخناتون من الملكة نفرتيتي. ويحمل اسمه معنى عميقاً: "التجسيد الحي للإله آمون".
تزوج الملك الفتى وهو في التاسعة من عمره من شقيقته "عنخس إن با آمون"، وفي العمر نفسه جلس على عرش مصر، ليبدأ حكماً استمر تسع سنوات، من عام 1332 حتى 1323 قبل الميلاد. وكان توت عنخ آمون الملك العاشر من ملوك الأسرة الثامنة عشرة، تلك الأسرة التي ضمّت بين صفوفها أعظم ملوك مصر القديمة: أحمس، أمنحوتب الأول، حتشبسوت، وتحتمس الثالث.
دخل الحكم وفياً لديانة "آتون" التي بشّر بها والده، عقيدة توحّد جميع الآلهة في إله واحد يتجسد في قرص الشمس، وتفرض أن يكون العبادة عبر ابنه ورسوله أخناتون، غير أن هذا الإصلاح الديني أشعل الخلاف مع كهنة آمون، فاهتزّت أركان الدولة، وتدهورت أوضاعها في عهد أخناتون. ولم يدم الأمر طويلاً؛ إذ سرعان ما ألغى توت عنخ آمون عبادة آتون، وأعاد مصر إلى ديانتها القديمة تحت ضغط كهنة آمون وقادة الجيش، وعلى رأسهم القائد حور محب.
وهكذا غيّر اسمه من "توت عنخ آتون" إلى "توت عنخ آمون"، وكذلك فعلت زوجته التي تحولت من "عنخس إن با آتون" إلى "عنخس إن با آمون". ومع ذلك بقي زواجهما عقيماً لم يثمر وريثاً للعرش.
ورغم صغر سنه وضعف بنيته وقصر فترة حكمه، استطاع توت عنخ آمون أن يعيد لمصر توازنها، ويُصلح ما أفسده والده. وساعده في إدارة شؤون الحكم كل من الكاهن "آي" وقائد الجيش "حور محب".
لكن وفاته المبكرة أثارت جدلاً واسعاً: فقد رجّح كثير من الأثريين أنه اغتيل على يد الكاهن آي الذي اعتلى العرش بعده رغم عدم أحقيته، مستندين إلى ما وُجد من قشرة متجلطة على وجنته اليسرى. بينما رأى آخرون أن الملك الشاب لقي حتفه إثر سقوطه من عجلته الحربية، فأصيب بجرح عميق في قدمه أدى إلى التلوث ثم الوفاة، غير أن عالم الآثار المصري زاهي حواس قد فنّد هذه الفرضيات، مؤكداً أن وفاته كانت طبيعية، وأن القطع الموجود بوجه المومياء سببه هوارد كارتر، مكتشف المقبرة، حينما لجأ إلى تسخين سكين لفصل القناع الذهبي عن جسد الملك. وأوضح حواس أن الملك لم يدخل يوماً سباقاً بالعجلات الحربية، وأن وفاته كانت نتيجة إصابته بالملاريا ومضاعفات كسر في الساق.
وقد طبقت شهرة الملك الشاب الآفاق بعد اكتشاف مقبرته في وادي الملوك بالأقصر في نوفمبر 1922، على يد الإنجليزي هوارد كارتر.
وكانت المقبرة معجزة نادرة؛ إذ وُجدت كاملة لم تمتد إليها يد اللصوص، تضم آلاف القطع الفنية والأثاث الجنائزي والعجلات والتوابيت والأسلحة والآلات الموسيقية، وعلى رأسها القناع الذهبي الخالد، تحفة لا مثيل لها في العالم، مشغولة من الذهب واللازورد والكوارتز والفيروز والزجاج الملون.
كما ضمت المقبرة ثلاث قطع من مقتنياته مصنوعة من الحديد، بينها خنجره الشهير، في دلالة على أن مصر قد دخلت في عهده مرحلة الانتقال من عصر البرونز إلى عصر الحديد.
لكن اكتشاف المقبرة ارتبط كذلك بأسطورة "لعنة الفراعنة". فقد كُتب على التابوت الملكي: "لا تفتح هذا التابوت، وإلا سيذبح الموت بجناحيه كل من يجرؤ على إزعاجنا".
ولم يأبه المكتشفون بالتحذير، غير أن سلسلة من الوفيات الغامضة أعادت الرعب إلى النفوس: فقد أصيب اللورد كارنارفون، ممول البعثة، بحمى مفاجئة وأخذ يهذي بأنه يرى النار تعصر فمه، ثم مات. وبعده توفي آرثر ميس مساعد كارتر، ولحق به طبيب الأشعة أرشيبالدرون بعد إصابته بحمى قاتلة. ولم تقف اللعنة عند هذا الحد، فقد توفي 13 شخصاً ممن حضروا الاحتفال الرسمي بافتتاح المقبرة.
وفي عام 1972، حين شُحنت مجموعة من آثار الملك إلى لندن، ركل الضابط الفني "لانسدون" الصندوق الذي يضم القناع الذهبي متباهياً: "ركلت أغلى شيء في العالم". وبعد أسبوع، انهار به سلم وكُسرت ساقه، ثم توفي فجأة.
وكان بصحبته خمسة ضباط جلسوا فوق الصندوق ضاحكين ساخرين، فماتوا جميعاً في ظروف غامضة، بينما أصيبت المضيفة التي رافقت الرحلة بمرض غامض أدى إلى تساقط شعرها وإصابتها بالصلع.
وبرغم هذه الوقائع الغريبة، عاش هوارد كارتر نفسه طويلاً حتى وفاته عام 1939 بسرطان الغدد الليمفاوية، مما أبقى أسطورة اللعنة بين الحقيقة والخيال.
وفي 8 مارس 2005، قرر الدكتور زاهي حواس، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار وقتها، إجراء فحص بالأشعة المقطعية لمومياء الملك. وهناك، وقعت أحداث مدهشة: عاصفة ترابية مفاجئة هبت على وادي الملوك مصحوبة بأمطار غزيرة، دون سابق إنذار من الأرصاد الجوية، ففرّ الطاقم التلفزيوني الياباني المرافق صارخاً: "لعنة توت عنخ آمون!"، ثم توقفت أجهزة الأشعة عن العمل فجأة، وعادت بعد ساعة وحدها بلا سبب. وفي ذات اليوم، أصيب وزير الثقافة آنذاك "فاروق حسني" بوعكة صحية دخل على إثرها المستشفى، وتوفي زوج شقيقة حواس مساءً. ومع ذلك، ظل حواس يؤكد أن لا لعنة هناك، وأن لكل حادثة تفسيراً علمياً.
وفي عام 2022، احتفلت مصر بمئوية اكتشاف المقبرة، فأقيمت قاعة ضخمة في المتحف المصري الكبير بالجيزة، لعرض مقتنيات الملك الذهبي الذي بقيت أسطورته خالدة، تضيء تاريخ مصر إلى أبد الدهر.
________
المصادر:
سرقة ملك مصر: محسن محمد.
مصر الفرعونية: د. أحمد فخري.
حكام مصر القديمة: بسام الشماع.
اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون: هوارد كارتر – آرثر ميس.
الملك الذهبي: د. زاهي حواس.
07 أكتوبر 2026 09:54 ص
05 أكتوبر 2026 09:58 ص
04 أكتوبر 2026 11:18 ص
03 أكتوبر 2026 01:29 م
أكثر الكلمات انتشاراً