الأربعاء، 30 سبتمبر 2026

01:57 ص

الأربعاء، 30 سبتمبر 2026

01:57 ص

هكذا تحول حادث المنشية لنقطة فاصلة في تاريخ العلاقة بين عبدالناصر والإخوان

الرئيس الراحل جمال عبدالناصر

الرئيس الراحل جمال عبدالناصر

"أيها الرجال.. فليبق كل في مكانه" جملة قالها الرئيس الراحل جمال عبدالناصر في ميدان المنشية بالإسكندرية، بعدما دوّت ثماني رصاصات باتجاهه أثناء إلقائه خطابه احتفالًا باتفاقية الجلاء في 26 أكتوبر 1954، لم يهرب عبدالناصر من المنصة، ولم يسمح للذعر أن يقطع خطابه بل وقف أمام الجماهير واستكمل حديثه، لتصبح كلماته واحدة من أشهر مشاهد تلك اللحظة الفاصلة في تاريخ العلاقة بين ثورة يوليو وجماعة الإخوان المسلمين.

الإخوان في السجون

لكن بعد أشهر قليلة كان المشهد قد انقلب تمامًا، ففي أحد تسجيلات تلك المرحلة، يظهر عدد من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين داخل إحدى السجون وهم يرددون أغنية “يا جمال يا مثال الوطنية”، الأغنية التي ارتبطت في الأصل بحادث المنشية ونجاة عبدالناصر من محاولة الاغتيال، بينما يظهر المرشد العام للجماعة، حسن الهضيبي، في المشهد مؤديًا دور “المايسترو” أمام المعتقلين وفق روايات منشورة عن تلك الفترة.

وبين “فليبق كل في مكانه” و"يا جمال يا مثال الوطنية"، تختصر اللقطتان قصة علاقة بدأت بالتقارب بين ثورة يوليو والإخوان، ثم تحولت إلى صراع مفتوح على السلطة والنفوذ.

محاولات الإخوان ركوب الثورة

بدأت العلاقة بين ثورة 23 يوليو 1952 وجماعة الإخوان المسلمين في أجواء سياسية فرضت قدرًا من التعاون بين الطرفين، بعدما أطاحت الثورة بالنظام الملكي وبدأت مرحلة جديدة في تاريخ مصر، لكن هذا التقارب لم يستمر طويلًا، إذ ظهرت خلافات حول شكل الدولة الجديدة ودور التنظيمات السياسية فيها.

كان الإخوان يسعون إلى الاحتفاظ بدور سياسي مؤثر في النظام الجديد، بينما كان جمال عبدالناصر يرفض أن تتحول الثورة إلى أداة في يد أي تنظيم سياسي، خصوصًا مع إصراره على إبقاء الجيش والدولة بعيدين عن هيمنة الفصائل والتنظيمات.

ومع اتساع الخلاف أصبح السؤال الأساسي هو من يملك توجيه الدولة الجديدة؟، وهل تكون الثورة صاحبة القرار أم تتحول إلى مدخل لتمكين تنظيم سياسي بعينه؟

أزمة مارس 1954

جاءت أزمة مارس 1954 لتكشف حجم الخلاف بصورة أكثر وضوحًا، فقد احتدم الصراع حول مستقبل الحكم ودور مجلس قيادة الثورة وموقع اللواء محمد نجيب، في وقت كان الإخوان طرفًا حاضرًا بقوة في المشهد السياسي، وانتهت الأزمة لصالح عبدالناصر ومؤيديه داخل مجلس قيادة الثورة، ثم تولى عبدالناصر رئاسة مجلس الوزراء في 17 أبريل 1954، بينما تراجع الدور التنفيذي لمحمد نجيب.

ومنذ ذلك الوقت، بدأ ميزان القوى داخل النظام الجديد يميل بصورة أكبر إلى عبدالناصر، بينما كانت العلاقة مع الإخوان تتجه تدريجيًا نحو القطيعة.

وقعت مصر اتفاقية الجلاء مع بريطانيا في 19 أكتوبر 1954، وعارض الإخوان الاتفاقية وشنوا حملة ضدها، معتبرين أنها لا تحقق كامل المطالب المصرية، بينما قدمتها حكومة عبدالناصر باعتبارها خطوة أساسية لإنهاء الوجود العسكري البريطاني في مصر، وبالتزامن مع هذا الخلاف السياسي، كانت العلاقة بين الطرفين تقترب من أخطر لحظاتها.

الرصاصات الثمانية في المنشية

في مساء 26 أكتوبر 1954، وقف جمال عبدالناصر في ميدان المنشية بالإسكندرية لإلقاء خطاب احتفالًا باتفاقية الجلاء، وبينما كان يتحدث، انطلقت رصاصات من بين الحشود باتجاهه، بحسب الرواية الرسمية والتحقيقات التي أعقبت الحادث، كان مطلق النار محمود عبداللطيف، وهو عضو في جماعة الإخوان المسلمين، وقد أطلق ثماني رصاصات باتجاه عبدالناصر، لكنها لم تصبه.

ساد الاضطراب بين الجماهير، وحاول الحرس الخاص إخراج عبدالناصر من موقعه، لكنه رفض، وهنا جاءت الجملة التي بقيت حاضرة في الذاكرة: “أيها الرجال.. فليبق كل في مكانه.. حياتي فداء لمصر، دمي فداء لمصر”، ثم واصل عبدالناصر خطابه، مؤكدًا أن حياة مصر لا تتوقف على حياة شخص واحد.

وتحول حادث المنشية بعد ذلك إلى نقطة فاصلة في تاريخ العلاقة بين عبدالناصر والإخوان، وأعقبه حملة اعتقالات واسعة ومحاكمات لعدد من قيادات وأعضاء الجماعة.

محاولة اغتيال أم صراع على السلطة

لم يكن الصراع بين الطرفين مجرد خلاف حول اتفاقية أو موقف سياسي عابر، فبحسب التحقيقات والرواية الرسمية التي أعقبت حادث المنشية، ارتبطت القضية بالتنظيم الخاص لجماعة الإخوان وبمخطط أوسع لاستهداف عبدالناصر وعدد من قيادات الثورة، بعد فشل محاولة الاغتيال، بدأت اعتقالات واسعة ومحاكمات وحل جماعة الإخوان المسلمين، فيما انتهى في الوقت نفسه الدور السياسي لمحمد نجيب.

وفي 14 نوفمبر 1954، أُعفي نجيب من جميع مناصبه ووضع تحت الإقامة الجبرية، بينما استقر مركز السلطة بصورة أكبر في يد عبدالناصر ومجلس قيادة الثورة.

من ميدان المنشية إلى السجن الحربي

ويُظهر فيديو متداول جماعة الإخوان المسلمين داخل السجن في شتاء عام 1955، وهم ينشدون أغنية “يا جمال يا مثال الوطنية.. أجمل أعيادنا الوطنية.. بنجاتك يوم المنشية” لأم كلثوم، بينما يقوم مرشد الجماعة، حسن الهضيبي، بأداء دور المايسترو.

فبين رصاص المنشية وأغنية السجن، تغيرت العلاقة بالكامل؛ من حلفاء في بداية ثورة يوليو، إلى خصوم داخل معركة على الدولة والسلطة، ثم إلى معتقلين يقفون خلف القضبان ويرددون اسم الرجل الذي أصبح بعد سنوات قليلة صاحب الكلمة الأقوى في النظام الجديد.

اقرأ أيضًا

آخر أسبوع في حياة الزعيم.. تفاصيل الأيام الأخيرة قبل وفاة جمال عبدالناصر

search