الإثنين، 05 أكتوبر 2026
03:34 ص
تعددت المفاهيم المرتبطة بالفقر والتي على أساسها تعددت سياسات الحد منه والتخفيف من تداعياته، إذ لا يزال المفهوم هو بيت القصيد عند التوجه لرسم أي سياسة اجتماعية، فعادة ما ترسم كل حكومة سياساتها في ضوء المفاهيم التي تؤمن بها.
وإذا كان مفهوم الفقر قد مرَ بعديد من التطورات، إذ بدأ بالفقر المادي ومر بفقر القدرات والفرص وانتهى بالفقر متعدد الأبعاد والروافد، فإننا في هذا المقال تحديداً نطرح مفهوماً جديدا للفقر، يربط ما بين " جغرافية المكان وعدالة التنقل" وهو ما نشير إليه " بالفقر الحركي" الذي تُحيلنا دراسته بطبيعة الحال إلى " التنمية الموجهة بالنقل" هذا المفهوم الذي لا ينفصل بحال عن التنمية المستدامة، لكنه يعد مكوناً أصيلاً فيها، ويجعل من سهولة لتنقل والوصول حقاً أساسياً من حقوق الإنسان.
وحتى لا نطيل في هذا التقديم اللازم كان لزاماً علينا أن نشير إلى أن مفهوم " الفقر الحركي Mobility Poverty / Transport Poverty " مستوحى من العلوم الطبية، ويشير إلى الانخفاض الحاد في معدلات النشاط البدني اليومي، والاعتماد المفرط على نمط الحياة الخامل.
وينتج هذا النمط من الفقر عادةً عن التطور التكنولوجي والوظائف المكتبية، حيث يقضي الأفراد ساعات طويلة دون حركة، مما قد يؤدي إلى تدهور اللياقة البدنية والوظائف الحيوية للجسم. وكذلك يحدث للمجتمع حين يصبح أفراده كُسالى أو عاجزين عن الحركة والعمل والإنتاج، وربما لظروف خارج إرادتهم؛ فيتحول المجتمع إلى كيان خامل لا يقوى أبناءه على التنمية والتطوير .
أما في السياق الاجتماعي فيشير مصطلح " الفقر الحركي" إلى عدم قدرة الفرد أو الأسرة على الوصول إلى وسائل نقل آمنة وموثوقة وبأسعار معقولة؛ مما يترتب عليه حرمان المواطن من الوصول إلى الفرص الاقتصادية والخدمات الأساسية.
ومن ثم فلا يُقاس الفقر هنا بقلة الدخل فحسب، بل بعدم قدرة الفرد على "التنقل الفيزيائي" للوصول إلى أماكن التعليم أو العمل أو الأسواق؛ والذي قد يؤدي إلى حبس الفرد في حلقة مفرغة من العزلة والفقر الاقتصادي.
وهنا لا نستطيع بحال غض الطرف عن الربط بين الفقر الحركي والهشاشة الاقتصادية، مؤكدين أن الفقر لم يعد يُقاس بمجرد نقص الدخل المالي، بل بحرمان الفرد من الوسائل الحركية والمكانية التي تمكنه من إنتاج الدخل والوصول إلى الفرص المتاحة للتنمية وبشكل عادل. فعادة ما يتسبب غياب عدالة التنقل في الفقر الحركي والذى تتجلى مظاهره في تقييد فرص العمل والإنتاجية، وارتفاع عبء الإنفاق على النقل: حيث تضطر الأسر محدودة الدخل في المناطق النائية أو غير الخادمة وسائل النقل العامة إلى تخصيص نسبة مرتفعة جداً من دخلها الشديد التواضع لوسائل النقل الخاص (مثل سيارات الأجرة أو شراء سيارات تهالك تكاليف صيانتها مرتفعة)، مما يضغط على ميزانية الاحتياجات الأساسية كالغذاء والصحة. بالإضافة إلى إعاقة الحراك الاجتماعي والاقتصادي، وتكريس العزلة المكانية وهدر الفرص
وفي مصر يتخذ " الفقر الحركي" أبعاداً خاصة، ترتبط بالتوسع العمراني السريع، والتفاوت بين الريف والحضر، وطبيعة الاعتماد الكبير على قطاع النقل غير الرسمي. ولا يتعلق الأمر مجرد بغياب التغطية الحركية، بل بمدى عبء التكلفة الجغرافية والزمنية على دخل الفرد اليومي.
وفي هذا السياق تشير التقارير الصادرة عن وضعية النقل في المجتمع المصري إلى اتجاه سياسات الدولة نحو ما يعرف " بالخلخلة السكانية " التي بمقتضاها انتقل ألف المواطنين إلى مدن وأحياء جديدة " مثل حدائق أكتوبر، 6 أكتوبر، العبور، والشروق" ورغم تحسن جودة السكن فب هذه المناطق، إلا أنها تعاني من " فجوة الميل الأخير"، حيث يرتبط التواجد فيها إما بتكلفة نقل مرتفعة يومياً للوصول لأماكن العمل، أو تقييد حرية التنقل للوصول للخدمات الأساسية.
كمان تشير تلك التقارير إلى أن الطبيعة الجغرافية في المناطق ذات الشوارع الضيقة - كبعض أحياء الجيزة ومصر القديمة- تفرض على السكان الاعتماد الحصري على وسائل النقل الخفيفة مثل " التوك توك" وهي وسيلة مرتفعة التكلفة نسبياً إذا ما قورنت بالمكاسب اليومية للعمالة غير المنتظمة.
ولما كان النقل في مصر يُشكل أحد أكبر بنود الإنفاق للمواطن بعد الطعام والسكن. فإن مع تكرار تحريك أسعار الوقود وتذاكر المترو والحافلات، أصبحت تكلفة الانتقال اليومي لربة منزل أو عامل يومية تمثل نسبة تلتهم جزءاً كبيراً من الدخل.
وتشير الدراسات المعنية بوضعية النقل بشكلٍ عام إلى أن ارتفاع أسعار التنقل؛ ربما يحرم بعض أفراد الأسرة من استكمال التدريب المهني، أو قبول وظائف في مناطق بعيدة ذات أجور أفضل؛ مما يتسبب في تكرس حالة " عدم الحراك الاجتماعي".
تلعب شبكات الميكروباص والتوك توك دزراً مفصلياً في الربط بين الأحياء التي لا تصلها شبكات المترو أو حافلات هيئة النقل العام.
وبالرغم من المرونة في التغطية المكانية التي توغرها تلك الوسائل، إلا أن أسعارها غير محددة بدقة، وتنظيمها التخطيطي لا يخضع لدعم رسمي موجه، مما يجعل الشريحة الأفقر والأكثر هشاشة في المجتمع هي الأكثر عرضة لتقلبات السعر العشوائية.
وتعد المرأة من أكثر الفئات تأثراً بالفقر الحركي وبشكل أعمق؛ حيث يحد ضعف التغطية الآمنة لوسائل النقل أو تكلفة التنقل المرتفعة من مشاركة الإناث في سوق العمل خارج النطاق السكني المباشر. وربما تُجبر مخاوف الأمان الشخصي وعدم انتظام مواعيد النقل العام عديداً من النساء على التخلي عن فرص عمل أو تعليم جيدة بعيدة عن أماكن سكنهن.
وعلى صعيد المحافظات ينعكس الفقر الحركي في قرى الصعيد والمحافظات الحدودية عبر صعوبة الوصول إلى المستشفيات المركزية، ومراكز تقديم الخدمات الحكومية أو الجامعات، حيث تفتقر كثير من القرى إلى وسائل نقل منتظمة ومأمونة؛ مما يزيد من كلفة الخدمة الصحية والتعليمية مضاعفة.
ونظراً لخطورة الفقر الحركي وفداحة تداعياته على العدالة الاجتماعية ورؤية مصر للتنمية المستدامة بوجه عام؛ فقد شهدت السنوات الأخيرة خطوات مهمة من جانب الحكومة المصرية لمعالجة هذه الأزمة ، وذلك من خلال العمل على توسيع شبكات النقل الجماعي المباشر، كالعمل على مد خطوط المترو وإنشاء المنوريل والقطار الكهربائي الخفيف (LRT) والربط بالحافلات الترددية (BRT) على الطريق الدائري لتقليل الاعتماد على وسائل النقل العشوائية. كما أولت مبادرة "حياة كريمة" اهتماماً خاصاً برصف الطرق الداخلية والفرعية في آلاف القرى بالريف المصري، والعمل على ربطها بالطرق الرئيسية، وتسهيل حركة نقل البضائع والأفراد.
ورغم تعدد التصورات المطروحة للحد من الفقر الحركي ، إلا أننا أن نختصر تلك المعالجات في ثلاثة نقاط: أولها الاستثمار في النقل العام الشامل، من خلال دعم أسعار التذاكر لمحدودي الدخل، وبناء شبكات ربط تمتد للمناطق الأقل حظاً من النقل العام المدعم. وثانيها التخطيط العمراني المدمج ، بحيث يراعى عند تصميم المدن بالجديدة تقارب مؤسسات العمل والخدمات من المجمعات السكنية تقليلاً للحاجة إلى التنقل الطويل.
والثالثة تتمثل في تحسين البنية التحتية الميكرومحركية، وذلك بتوفير مسارات آمنة للمشاة والدراجات الهوائية كبدائل اقتصادية وغير مكلفة للتنقل اليومي.
وعلى كل حال فإن معالجة الفقر الحركي ربما تعتمد يشكل عام على الانتقال من مناطق " بناء الطرق للسيارات" إلى " تسهيل وصول الأفراد إلى الفرص والموارد الاقتصادية المتاحة، بالإضافة إلى تمكين المواطنين من الحصول على حقهم في التنمية والحماية الاجتماعية.
11 سبتمبر 2026 08:40 ص
أكثر الكلمات انتشاراً