الإثنين، 05 أكتوبر 2026
01:50 ص
في قارة تتغير فيها خرائط المصالح بسرعة، وتتداخل فيها الصراعات مع الاقتصاد، والأمن مع التنمية، والسياسة مع حسابات القوى الدولية، تصبح الحكمة في إدارة العلاقات الأفريقية قيمة سياسية في حد ذاتها، الدولة التي تنظر إلى القارة من خلال أزمة واحدة قد تجد نفسها أسيرة لتداعياتها، بينما الدولة التي تنظر إلى أفريقيا باعتبارها فضاء واسعا للمصالح المشتركة تستطيع أن ترى ما هو أبعد من الأزمة، وأن تبحث عن المسار الذي يحفظ للقارة قدرتها على الحركة.
حين اجتمعت القيادات الأفريقية في العلمين، لم تكن القارة تحمل إلى مائدة الحوار ملفا واحدا يمكن وضعه أمام الحاضرين ثم الانصراف إلى غيره، كانت تحمل تاريخا من الأزمات، وحدودا لم تهدأ فوقها الخلافات، واقتصادات تبحث عن فرص للنمو، وشعوبا تنتظر أن تتحول فكرة التكامل الأفريقي من وعد يتكرر في المؤتمرات إلى واقع يفتح أمامها أبواب العمل والاستثمار والحركة، ووسط هذا المشهد اختارت مصر أن تضع القضايا كلها في مساحة واحدة، لأن أفريقيا لا يمكن أن تنظر إلى السياسة بعيدا عن الاقتصاد، ولا إلى الأمن بعيدا عن التنمية، ولا إلى الخلافات القائمة بعيدا عن المستقبل الذي تريد أن تصنعه.
لم تكن الرسالة المصرية في العلمين قائمة على رفع سقف الخطاب، وإنما على شيء أكثر عمقا؛ أن القارة تستطيع أن تدير اختلافاتها دون أن تفقد قدرتها على التعاون، وأن تعدد المصالح بين دولها لا يعني استحالة الوصول إلى مصالح مشتركة، وأن الأزمة التي تبدو في لحظتها أكبر من كل شيء لا يجب أن تتحول إلى قدر دائم يحكم علاقة دولة بجيرانها أو علاقة القارة بالعالم.
أفريقيا تعرف جيدا ثمن أن تظل السياسة أسيرة للأزمات، كل نزاع يستنزف موارد، وكل توتر يغلق طريقا، وكل خلاف يضعف قدرة الدول على توجيه إمكاناتها إلى التنمية، وفي المقابل، كل طريق جديد بين دولتين يخلق مصلحة، وكل سوق مفتوحة أمام منتج أفريقي تصنع رابطا، وكل مشروع طاقة عابر للحدود يضيف سببا جديدا للتعاون، السياسة في هذه الحالة لا تعود مجرد مواقف تتبادلها الحكومات، وإنما تصبح مصالح حقيقية تحميها الدول لأنها ترى أثرها المباشر على اقتصاداتها وشعوبها.
ولعل هذا هو المعنى الأهم الذي حملته اجتماعات العلمين، فقد جاءت الاستضافة المصرية في مشهد جمع منتدى الأعمال، وقمة الدول المؤسسة للنيباد، والاجتماع التنسيقي للاتحاد الأفريقي والتجمعات الاقتصادية الإقليمية، اجتماع هذه المسارات في مكان واحد يعبر عن فهم واضح لطبيعة المعركة التي تخوضها القارة؛ فلا يمكن أن يصبح التكامل الاقتصادي حقيقة من دون إرادة سياسية، ولا يمكن أن تستمر الإرادة السياسية من دون مصالح اقتصادية، ولا يمكن أن يتحول الاثنان إلى مستقبل مستقر من دون تنمية يشعر بها المواطن.
مصر تنظر إلى هذه المعادلة باعتبارها طريقا ممتدا، لا استجابة مؤقتة لأزمة طارئة، ولهذا فإن دعم التجارة البينية، وتعزيز التعاون بين التجمعات الاقتصادية، وتشجيع الاستثمار، وربط الأسواق والبنية الأساسية والطاقة، ليست ملفات منفصلة عن السياسة الأفريقية، وإنما هي جزء من بناء قوة القارة نفسها، الدولة التي تستطيع أن تتاجر مع جيرانها، وتستثمر في أسواقهم، وتربط بنيتها الأساسية بهم، تكون أكثر قدرة على حماية مصالحها، وأكثر حرصا على استقرار محيطها، وأكثر امتلاكا لأدوات التأثير في عالم لا يمنح مكانة حقيقية إلا لمن يملك عناصر القوة.
إن الحضور المصري في أفريقيا يتحرك على هذا الأساس؛ لا يبحث عن دور يعلو على الآخرين، ولا يقدم نفسه باعتباره بديلا عن مؤسسات القارة، وإنما يعمل على تقوية هذه المؤسسات، ودعم الحوار بين دولها، وتوسيع مساحات الاتفاق، وحماية فكرة العمل الأفريقي المشترك من أن تتحول الخلافات السياسية إلى جدران تفصل بين الدول، وهذه سياسة تحتاج إلى صبر، لأن بناء الثقة بين الدول لا يتم بقرار واحد، وإنما يتراكم عبر المواقف والمشروعات والاتصالات والمصالح التي تثبت مع الوقت أن التعاون ليس مجاملة سياسية وإنما ضرورة.
تزداد قيمة هذا النهج في قارة تتعرض لضغوط متعددة؛ أزمات سياسية، ونزاعات مسلحة، وأعباء اقتصادية، وتغيرات في النظام الدولي، ومنافسة على الموارد والأسواق وممرات التجارة، أمام كل ذلك لا تستطيع أفريقيا أن تستهلك طاقتها بالكامل في إدارة اللحظة، لأن المستقبل لن ينتظر انتهاء الأزمات، القارة التي تريد أن تكون قوة مؤثرة تحتاج إلى أن تعالج مشكلاتها وهي تبني، وأن تفاوض وهي تنتج، وأن تدير خلافاتها وهي توسع مصالحها المشتركة.
العلمين قدمت صورة واضحة لهذا النوع من السياسة؛ سياسة لا تهرب من الأزمات، لكنها لا تسمح لها بأن تبتلع المستقبل، ولا تتجاهل اختلاف المصالح، لكنها تبحث داخلها عن المساحات التي يمكن البناء عليها، وهذا تحديدا ما يجعل الرؤية المصرية ذات قيمة في العمل الأفريقي، لأنها لا تتعامل مع القارة باعتبارها مجموعة من الملفات المتفرقة، وإنما باعتبارها مساحة واحدة تتشابك فيها الجغرافيا والتاريخ والمصالح والمصير.
ربما كانت أقوى رسائل العلمين أن أفريقيا لا تحتاج إلى إدارة خلافاتها فقط، وإنما إلى بناء أسباب تجعل التعاون أقوى من الخلاف، تحتاج إلى اقتصاد يربط دولها، ومشروعات تقرب شعوبها، ومؤسسات تحمي إرادتها المشتركة، وإرادة سياسية تعرف أن القوة الحقيقية لا تأتي من القدرة على تعطيل الآخر، وإنما من القدرة على بناء ما يجعل الجميع أكثر استفادة من الاستقرار.
ذلك هو الطريق الذي تتحرك فيه مصر؛ طريق هادئ في لغته، واضح في أهدافه، طويل في مداه، لكنه يعرف جيدا أن مستقبل أفريقيا لن تصنعه الضوضاء، وإنما تصنعه الدول التي تمتلك رؤية، وتعرف كيف تحافظ عليها، وتحولها من فكرة إلى مصالح، ومن مصالح إلى واقع، ومن واقع إلى قوة تملك القارة بها قرارها ومستقبلها.
اقرأ أيضًا
السيسي من العلمين: الاندماج القاري خيار استراتيجي لتجاوز العقبات
27 سبتمبر 2026 07:23 م
20 سبتمبر 2026 07:00 م
06 سبتمبر 2026 03:55 م
31 أغسطس 2026 02:54 م
أكثر الكلمات انتشاراً