الإثنين، 05 أكتوبر 2026
01:03 ص
البصمة الرقمية
من لحظة البحث عن منتج على جوجل، إلى مشاهدة مقطع فيديو أو تحديد موقع على الهاتف، يترك المستخدم وراءه عشرات الإشارات الرقمية التي تبدو في ظاهرها تفاصيل عابرة، لكنها تتحول داخل الاقتصاد الرقمي إلى مادة يمكن تحليلها والاستفادة منها في اتخاذ قرارات تجارية واستثمارية.
ولا تكمن أهمية البيانات بالضرورة في كل معلومة منفردة، وإنما في القدرة على جمعها وربطها وتحليلها واستخلاص أنماط منها، فالبحث عن سيارة، وزيارة مواقع لمراجعة الأسعار، ومشاهدة إعلانات مرتبطة بالسيارات، قد تتحول مجتمعة إلى مؤشر على نية شراء محتملة.
ومن هنا لا يصبح السؤال الاقتصادي الأهم: "كم تساوي بيانات الفرد؟"، وإنما: كيف تتحول هذه البيانات إلى قيمة اقتصادية؟ ومن يملك القدرة على تحويلها إلى إيرادات وأرباح؟
منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية "OECD"، لا تضع سعرًا موحدًا للبيانات الشخصية، لأن قيمتها تختلف وفقًا لطبيعتها ودقتها وحداثتها والغرض من استخدامها وإمكانية إعادة استخدامها وربطها ببيانات أخرى.
وتختلف البيانات عن السلع التقليدية التي يمكن أن يكون لها سعر محدد في السوق، فقد تكون معلومة منفردة محدودة القيمة، لكنها تصبح أكثر أهمية عندما تتراكم آلاف أو ملايين البيانات وتخضع للتحليل.
وتستخدم الشركات هذه البيانات لفهم سلوك العملاء، وتحسين المنتجات والخدمات، والتنبؤ بالطلب، وتخصيص المحتوى، وتوجيه الإعلانات، ودعم قرارات التسعير والاستثمار.
يقول محمود فرج، خبير الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، إن البيانات الشخصية لا يمكن النظر إليها باعتبارها أصلًا له قيمة ثابتة، وإنما باعتبارها أصلًا استراتيجيًا تتحدد قيمته وفقًا لما يمكن استخلاصه منه.
ويوضح فرج لـ"تليجراف مصر"، أن المستخدم يترك ما يشبه "البصمة الرقمية" من خلال عمليات البحث والتصفح والموقع الجغرافي والمنتجات التي يشاهدها والوقت الذي يقضيه على المنصات، ويمكن للذكاء الاصطناعي تحليل هذه الإشارات لاستخلاص اهتمامات وسلوكيات لم يصرح بها المستخدم بشكل مباشر.
ويؤكد أن البحث المتكرر عن السيارات، مثلًا، لا يخبر الشركة فقط بما شاهده المستخدم، وإنما قد يشير إلى احتمالية دخوله مرحلة البحث عن سيارة تمهيدًا للشراء، خصوصًا إذا اقترن ذلك بمراجعة الأسعار أو زيارة مواقع الوكلاء. وهنا تنتقل البيانات من مجرد سجل لنشاط المستخدم إلى أداة للتنبؤ واتخاذ القرار.
يعد سوق الإعلانات الرقمية أحد أوضح المؤشرات على الحجم الاقتصادي للبيانات، حتى وإن لم يكن حجم الإنفاق الإعلاني مساويًا للقيمة المالية للبيانات نفسها. وبلغت إيرادات الإعلانات عبر الإنترنت في الولايات المتحدة نحو 294.6 مليار دولار خلال 2025، بزيادة 13.9% على أساس سنوي، وفق تقرير صادر عن IAB وأعدته PwC.
ولا تمثل هذه القيمة سعر البيانات، إذ تشمل الإنفاق على الإعلانات والمنصات والمحتوى والتقنيات المرتبطة بها، لكنها تكشف حجم الاقتصاد الذي تعتمد أجزاء كبيرة منه على القدرة على فهم المستخدمين والوصول إلى الجمهور المناسب في الوقت المناسب.
ومع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي، أصبحت البيانات أيضًا مادة أساسية للتدريب والتحليل وتطوير المنتجات، ما يجعل امتلاك مجموعات بيانات كبيرة، والقدرة على تنظيمها واستخدامها، عنصرًا تنافسيًا متزايد الأهمية.
البيانات الناتجة عن استخدام المنصات الرقمية للمعلومات قد تشمل سجل البحث، والصفحات التي زارها، والمدة التي قضاها على محتوى معين، ونوع الجهاز المستخدم، والموقع الجغرافي، والمنتجات التي بحث عنها أو أضافها إلى سلة التسوق، إلى جانب أنماط التفاعل مع الخدمات الرقمية.
وتتيح تقنيات التتبع وتحليل البيانات ربط بعض هذه الإشارات ببعضها، بما يساعد الشركات على تكوين صورة أكثر تفصيلًا عن سلوك المستخدم. وتزداد القيمة عندما تتحول هذه المعلومات إلى معرفة قابلة للاستخدام في قرار تجاري، بدلًا من بقائها مجرد بيانات خام.
لا يعني اقتصاد البيانات بالضرورة أن الشركة تجمع معلومات المستخدم ثم تبيعها مباشرة لطرف آخر، وفي كثير من الحالات، تتحقق القيمة الاقتصادية من استخدام البيانات داخل الشركة نفسها، سواء لتحسين الخدمة، أو تحليل العملاء، أو توقع الطلب، أو تخصيص المحتوى، أو توجيه الإعلانات، أو تطوير منتجات جديدة.
ويشير فرج، إلى أن الاقتصاد الرقمي يتحول تدريجيًا من مجرد اقتصاد لجمع البيانات إلى اقتصاد لفهم البيانات والتنبؤ بناءً عليها، موضحًا أن النقرة الواحدة ليست هي القيمة في حد ذاتها، وإنما ما يمكن استنتاجه من آلاف الإشارات السلوكية المتراكمة، لتصبح البيانات جزءًا من القيمة الاقتصادية للشركة، ليس بالضرورة لأنها تُباع، وإنما لأنها تساعد على تحسين القرارات ورفع الكفاءة وزيادة الإيرادات.
القيمة الاقتصادية للبيانات تطرح في الوقت نفسه أسئلة تتعلق بالخصوصية والحدود التي يمكن للشركات تجاوزها في جمع المعلومات واستخدامها. وفي الولايات المتحدة، اتخذت لجنة التجارة الفيدرالية "FTC" إجراءات ضد شركات بسبب ممارسات مرتبطة ببيانات التصفح والموقع الجغرافي.
يمتد استخدام البيانات إلى قرارات اقتصادية أكثر مباشرة من الإعلان، ففي دراسة أصدرتها لجنة التجارة الفيدرالية في يناير 2025 حول ما يعرف بـ"التسعير القائم على المراقبة"، بحثت اللجنة في إمكانية استخدام بعض الشركات لمعلومات مثل الموقع الجغرافي الدقيق، وسجل التصفح، وحركة مؤشر الفأرة، والمنتجات التي تركها المستخدم في سلة التسوق، لتحديد أسعار أو عروض مختلفة.
ولا يعني ذلك أن كل متجر أو منصة تستخدم هذه الأساليب، لكنه يوضح كيف يمكن للبيانات التي تبدو عادية في الحياة الرقمية أن تدخل في قرارات اقتصادية تمس السعر والعرض الذي يحصل عليه المستهلك.
ينتج المستخدم البيانات من خلال نشاطه اليومي، بينما تتحمل الشركات تكلفة جمعها وتخزينها وتنظيمها وتحليلها، ثم تستخدم نتائج التحليل في تطوير الخدمات والإعلانات والتنبؤ بالطلب واتخاذ القرارات. وبالتالي، تتوزع القيمة عبر سلسلة طويلة تبدأ من إنتاج البيانات وتنتهي بتحويلها إلى معرفة أو منتج أو قرار تجاري.
وترى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، أن قيمة البيانات ترتبط بكيفية إنشائها ومشاركتها واستخدامها وإدارتها، وهو ما يجعل قواعد الوصول إلى البيانات واستخدامها ونقلها جزءًا من البنية الاقتصادية للاقتصاد الرقمي، وليس مجرد مسألة تقنية أو قانونية.
ومن هنا، تؤثر قوانين حماية البيانات والخصوصية في طريقة توزيع القيمة الاقتصادية، لأنها تحدد في جانب منها ما يمكن جمعه وكيف يمكن استخدامه ومن يملك حق الوصول إليه.
وفي يوليو 2024، أثارت المفوضية الأوروبية مخاوف أولية بشأن نموذج "ادفع أو وافق" الذي تستخدمه شركة Meta. ورأت المفوضية في نتائجها الأولية أن المستخدمين قد يجدون أنفسهم أمام خيار الموافقة على جمع وربط بياناتهم لأغراض الإعلانات المخصصة، من دون توفير بديل مكافئ يعتمد على قدر أقل من البيانات.
ولا يقتصر اقتصاد البيانات على الأسواق الأمريكية والأوروبية، فبحسب بيانات IAB MENA، ارتفع الإنفاق على الإعلانات الرقمية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من نحو 6.95 مليار دولار في 2024 إلى أكثر من 8.18 مليار دولار خلال 2025، بزيادة 17.8%.
ولا يمثل هذا الرقم قيمة البيانات الشخصية في المنطقة، لكنه يعطي مؤشرًا على حجم سوق رقمي يعتمد بدرجة متزايدة على البيانات والتحليلات واستهداف الجمهور. ومع نمو الذكاء الاصطناعي، يمكن أن تصبح أهمية هذه البيانات أكبر، خصوصًا مع توسع استخدامها في التنبؤ والتحليل وتطوير الخدمات.
تكمن صعوبة تسعير البيانات في أنها لا تتحرك دائمًا في سوق تقليدية يمكن من خلالها تحديد سعر واضح، وقد تكون البيانات الخام محدودة القيمة، لكنها تصبح أكثر أهمية عند تجميعها وربطها وتحليلها باستخدام تقنيات متقدمة.
كما تعتمد القيمة على قدرة الجهة التي تمتلك البيانات على تحويلها إلى معرفة قابلة للاستخدام. فالبيانات وحدها ليست بالضرورة منتجًا نهائيًا، والذكاء الاصطناعي والتحليلات والخبرات البشرية هي الأدوات التي يمكن أن تحولها إلى توقع أو قرار أو خدمة أو إيراد.
ولهذا تؤكد منظمة التعاون الاقتصادي، أن قياس القيمة الاقتصادية للبيانات ليس عملية بسيطة، خصوصًا أن جزءًا كبيرًا من البيانات لا يتم تداوله في الأسواق أصلًا.
عندما يستخدم الفرد محرك بحث أو منصة تواصل أو خدمة رقمية من دون دفع مقابل مالي مباشر، فهذا لا يعني بالضرورة أن الاستخدام بلا قيمة اقتصادية، فالبيانات الناتجة عن هذا الاستخدام قد تدخل في تحسين المنتجات، وتحليل العملاء، وتخصيص الإعلانات والمحتوى، والتنبؤ بالطلب، وتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي، بل وفي بعض الحالات في قرارات تتعلق بالأسعار والعروض.
لكن ذلك لا يعني أن كل استخدام للبيانات يمثل استغلالًا للمستخدم، إذ تعتمد الخدمات الرقمية الحديثة على البيانات في تحسين تجربة المستخدم وتطوير الخدمات والأمان واكتشاف المشكلات، ويظل التحدي الأساسي في معرفة المستخدم ما الذي يتم جمعه عنه، وكيف يستخدم، وما الجهات التي يمكن أن تصل إليه، وما القيمة التي يمكن أن تتولد منه.
في النهاية، لا توجد إجابة واحدة لسؤال “كم تساوي بياناتك؟”، فقيمة البيانات لا تتحدد بما يدفعه طرف لشرائها، وإنما بقدرة من يملكها أو يصل إليها على تحويلها إلى معرفة وقرار ومنتج وإيراد.
اقرأ أيضا:
مَن يملك مفاتيح بيانات المصريين؟.. تحقيق يكشف كيف تُباع حياتك في سوق لا يراها أحد
تقارير: ترامب استشار روبوت دردشة قبل اختطاف رئيس فنزويلا.. ماذا قال له؟
04 أكتوبر 2026 10:30 م
04 أكتوبر 2026 05:50 م
04 أكتوبر 2026 09:32 م
04 أكتوبر 2026 08:29 م
04 أكتوبر 2026 08:02 م
04 أكتوبر 2026 04:33 م
04 أكتوبر 2026 06:51 م
04 أكتوبر 2026 03:35 م
أكثر الكلمات انتشاراً