الإثنين، 05 أكتوبر 2026
02:52 م
الضحايا الثلاث ووالدهن
في ليلة هادئة داخل أحد منازل بني مزار، كانت ثلاث طفلات صغيرات يغطين في نومهن، دون أن يعرفن أن الخطر الذي سينهي حياتهن لم يأتِ من خارج المنزل، بل كان أقرب إليهن مما يتخيلن.
هند وفاطمة وصابرين، ثلاث شقيقات لم تتجاوز أعمارهن سنوات الطفولة، انتهت حياتهن بلدغات ثعبان سام، في واقعة بدت في بدايتها كحادث مأساوي، قبل أن تكشف التحقيقات أن وراء الكوبرا حكاية أكثر قسوة، وأن والد الطفلات نفسه كان يقف خلف النهاية المفجعة.
في صباح 11 أبريل 2012، استفاق أهالي منطقة شرق المحطة بمدينة بني مزار في محافظة المنيا على خبر صادم: ثلاث شقيقات صغيرات عُثر عليهن جثثًا هامدة داخل منزل أسرتهن.
هند وفاطمة وصابرين، ثلاث طفلات لم تتجاوز أعمارهن، وفق ما ورد في التحقيقات وقتها، 7 و5 و3 سنوات.
في البداية، بدت القصة كأنها حادث مأساوي لا أكثر؛ ثعبان سام تسلل إلى غرفة الأطفال، فلدغ الصغيرات أثناء نومهن، وانتهت حياتهن في دقائق. لكن أجهزة الأمن لم تتعامل مع هذه الرواية باعتبارها الحقيقة النهائية.
كان والد الطفلات، حمدي محمد فؤاد، أمين شرطة بقوة النقل والمواصلات، ويقيم وقت الواقعة في بني مزار.
وصلت الأجهزة الأمنية إلى المنزل بعد اكتشاف وفاة الطفلات، وبدأت في فحص ملابسات الوفاة وآثار اللدغات.
وفي الساعات الأولى، كان الاحتمال الظاهر هو تعرض الطفلات للدغات ثعبان، لكن التحريات بدأت تتحرك في اتجاه آخر.
وتوصلت أجهزة البحث، بحسب ما ورد في التحقيقات، إلى أن الأب نفسه يقف وراء الواقعة، وأن الثعبان لم يكن زائرًا عابرًا للمنزل، وإنما جزءًا من خطة للتخلص من البنات الثلاث.

خلف الجريمة كانت هناك قصة أسرية بدأت قبلها بسنوات، إذ كان حمدي قد انفصل عن زوجته الأولى، والدة البنات، وتحدث في التحقيقات عن شكوك راودته بشأن نسب الطفلات إليه.
واعترف بأنه عقد النية على قتل بناته الثلاث بسبب شكه في نسبهن، بعد أن قال إنه اكتشف عدم عذرية والدتهن، وتأكد، بحسب أقواله، من سوء سلوكها وإقامتها علاقات غير شرعية مع آخرين في محل إقامتهما بناحية سدس، مركز ببا، بمحافظة بني سويف، وإقرارها له عقب طلاقها بأنه ليس والدهن.
وتشير التحقيقات إلى أن زواجه من زوجة ثانية وإنجابه منها ولدًا كانا من العوامل التي سبقت اتخاذه القرار النهائي، بينما كان هو يبرر موقفه أمام جهات التحقيق بأفكار مرتبطة بنسب البنات ومستقبلهن.
كان أمام المتهم أكثر من طريقة لارتكاب الجريمة، لكنه بحث عن طريقة تجعل موت البنات يبدو وكأنه حادث، وهنا ظهرت فكرة الثعبان.
توجه حمدي إلى القاهرة بحثًا عن ثعبان سام، وحاول أولًا الحصول عليه من حديقة الحيوان، لكنه لم يتمكن من ذلك.
بعدها توجه إلى سوق الجمعة بمنطقة السيدة عائشة، حيث التقى بأحد بائعي الثعابين، ويدعى إبراهيم الصاوي، وأخبره أنه يعمل في مجال مرتبط بكلية الصيدلة ويحتاج إلى الثعابين لأغراض بحثية، وتمكن من شراء ثعابين كوبرا سامة بمبلغ 500 جنيه للثعبان، كما تلقى تدريبًا على كيفية التعامل معها.
وبحسب التحقيقات حينها، لم تكن تلك هي المرة الوحيدة التي تعامل فيها مع بائع الثعابين، إذ أشارت أقوال البائع إلى أنه اشترى منه ثعابين أكثر من مرة، قبل أن يحصل في النهاية على الكوبرا التي استخدمت في الجريمة.
في تلك الليلة، كانت الطفلات داخل غرفتهن، وبحسب المعاينة التصويرية التي أجرتها النيابة مع المتهم، فإنه انتظر حتى نامت الأسرة، ثم اصطحب الثعابين إلى غرفة البنات، واستخدم ثعبان كوبرا لإصابة الطفلات الثلاث بلدغات متتالية، بدءًا من هند، ثم فاطمة، ثم صابرين.
وأفادت التحقيقات بأن إحدى الطفلات قاومت وصرخت بعد اللدغة، وأن المتهم قام بكتم أنفاسها، ثم كرر ما فعله مع شقيقتيها، وبعد ذلك غادر الغرفة وذهب للنوم بجوار زوجته الثانية، وكأن شيئًا لم يحدث.

لكن الخطة لم تنتهِ بموت البنات، إذ كان هناك شيء آخر يجب التخلص منه، وهو الثعابين نفسها.
خرج حمدي في الصباح مصطحبًا الثعابين ومواد قابلة للاشتعال، واتجه إلى منطقة قريبة من ترعة الإبراهيمية وشريط السكة الحديد.
وحاول التخلص من الثعابين بإحراقها، وتمكن من إحراق أحدها، بينما هرب الآخر باتجاه المياه والزراعات.
وأصبح العثور على الكوبرا الهاربة مصدر قلق للأهالي في المنطقة، بعدما علموا أن ثعبانًا سامًا استُخدم في الجريمة لا يزال موجودًا في المكان.
لم تتوقف المفاجآت عند طريقة القتل، فخلال التحقيقات، تحدثت والدة الطفلات، أسماء شعبان هندي، وشقيقها، عن واقعة سابقة اتهمت فيها الأب بمحاولة التخلص من البنات عن طريق دس السم لهن في عصير الجوافة.
كما قالت الأم، وفق ما نُشر وقتها، إن العلاقة بينها وبين الأب شهدت خلافات انتهت بالانفصال، وإنها كانت ترى أن هناك أسبابًا أسرية متراكمة خلف ما حدث.
أما الزوجة الثانية، كاملة حسان عبدالفتاح، فأكدت في التحقيقات أنها لم تكن تعلم بخطة قتل البنات.
وقالت إنها فوجئت بوفاتهن، وإن لكل طفلة غرفة خاصة بها، وتحدثت كذلك عن قسوة الأب في معاملته لبناته وخوفهن منه.
من أكثر فصول القضية إثارة أن موقف المتهم نفسه لم يظل ثابتًا.
فبعد اعترافات تفصيلية أمام جهات التحقيق ومعاينة تصويرية لكيفية ارتكاب الجريمة، تراجع حمدي لاحقًا عن اعترافه، وقال إنه تعرض لضغوط من المباحث، ونفى بعض ما نُسب إليه، وطالب بإعادة التحقيق.
لكن التحقيقات استمرت، وطلبت النيابة فحص الأدلة المتعلقة بالسم والثعابين، كما استمرت إجراءات الطب الشرعي.
وفي سبتمبر 2012، أعلنت النيابة إحالة حمدي محمد فؤاد إلى محكمة الجنايات بتهمة القتل العمد، وقالت إن تقرير الطب الشرعي النهائي أكد أن وفاة الطفلات كانت نتيجة التسمم بسم ثعبان الكوبرا، بما يتفق مع التحريات وأقوال المتهم والشهود.
وقبل الوصول إلى الحكم، دخلت القضية فصلًا آخر.
في ديسمبر 2012، قررت محكمة جنايات المنيا إيداع حمدي محمد فؤاد مستشفى للأمراض النفسية لمدة 45 يومًا لتحديد مدى سلامة قواه العقلية، وذلك بناءً على طلب دفاعه.
وبعد استكمال الإجراءات، عادت القضية إلى مسارها أمام محكمة الجنايات.
وفي 26 نوفمبر 2013، أسدلت محكمة جنايات المنيا الستار القضائي على القضية، بعدما قضت بالسجن 15 عامًا على حمدي محمد فؤاد، بعد إدانته بقتل بناته الثلاث باستخدام ثعبان الكوبرا.
اقرأ أيضًا:
مدمنة آيس.. تفاصيل مأساوية في واقعة مقتل طفل على يد عمته بحلوان
استدرجها لحظيرة المواشي.. النقض تؤيد إعدام قاتل زوجته بكفر الشيخ
05 أكتوبر 2026 02:51 م
05 أكتوبر 2026 02:45 م
05 أكتوبر 2026 02:33 م
05 أكتوبر 2026 02:30 م
أكثر الكلمات انتشاراً