الإثنين، 05 أكتوبر 2026
04:33 م
تعبيرية مصنوعة بالـ Ai
لم يكن أحد في إحدى القرى بالعياط بمحافظة الجيزة في عشرينيات القرن الماضي، يتخيل أن خطوات رجل عائد من صلاة الفجر ستقوده إلى بداية واحدة من أكثر جرائم القتل غموضًا.
كان محمود يسير في طريقه إلى منزله، الواقع على أطراف القرية، عندما اصطدمت قدمه بشيء ملقى على الأرض، فانحنى ليتبين ما الذي اعترض طريقه، لكنه سرعان ما اكتشف أنه أمام جثمان شاب غارق في دمـــائه.
لم يقترب محمود من الجثمان ولكنه استدار وركض نحو منزل شيخ الغفر، وظل يطرق الباب بعنف حتى فتح له، وأخبره بما رأى، فحمل شيخ الغفر “الكلوب” أو بما يعرف حاليا بالمصباح، وخرج مسرعًا برفقة محمود إلى المكان، وهناك وقعت عيناه على الجثمان، ليتعرف على صاحب الجسد فورا، كان القتــيل يدعى “راضي”.
أبلغ شيخ الغفر العمدة، ومنه وصلت الواقعة إلى الشرطة، وبعد نحو ساعتين انتقلت قوة أمنية إلى مكان العثور على الجثمان، وفرضت سياجًا أمنيًا حول موقع الجريمة، وبدأت المعاينة.
وكشفت المعاينة الأولية، أن المجني عليه، الذي كان في نهاية العشرينيات من عمره، تعرض لعدة طعــنات نافذة في منطقة الصدر، أودت بحياته.
ونُقلت الجثة إلى الطب الشرعي لإجراء الصفة التشريحية وبيان سبب الوفاة، بينما بدأت النيابة تحقيقاتها في الجريمة، وكان أول من جرى الاستماع إلى أقوالهما محمود، مكتشف الجثة، وشيخ الغفر.
لم يكن راضي، وفقًا لأقوال شيخ الغفر، من أصحاب المشاكل أو الخلافات داخل القرية، فكان شابًا فقيرًا، فقد والده، وأصبح مسؤولًا عن شقيقاته البنات، يحاول توفير احتياجاتهن وتجهيزهن للزواج، ولم يكن معروفًا عنه الدخول في مشاجرات أو خصومات مع أحد.
لكن التحقيقات كشفت تفصيلة أخرى في حياته الشخصية، فقبل نحو شهر من مقتله، كان راضي قد تزوج من نادية، وهي سيدة سبق لها الزواج ثم انفصلت عن زوجها الأول بعد نحو ستة أشهر من الزواج بسبب عدم الإنجاب.
وهنا ظهر أول خيط في القضية، فقد أخبر محمود، رجال التحقيق، أن هناك رجلًا كان يريد الزواج من نادية قبل زواجها من راضي، كان اسمه "روحيم"، وكان قد تقدم لنادية قبل زواجها الأول، لكن والدها رفضه، وبعد طلاقها، تقدم لها مرة أخرى، إلا أن طلبه قوبل بالرفض، قبل أن تتزوج من راضي.
مع ظهور هذه المعلومة، اتجهت الشبهات نحو روحيم، وتم ضبطه ومواجهته بما ورد في أقوال محمود، لكنه أنكر علاقته بالجريمة، وأكد أنه بالفعل كان يرغب في الزواج من نادية، إلا أن الأمر انتهى منذ فترة، وأنه لم يعد له علاقة بها أو بزوجها.
ورغم إنكاره، تقرر حبسه 15 يومًا على ذمة التحقيقات، لكن القضية لم تكن تملك ما يكفي لإدانته.
جاء تقرير الطب الشرعي ليؤكد أن راضي فارق الحياة إثر تعرضه لثلاث طعنات نافذة في الصدر، لكن أداة الجريمة لم تكن موجودة.
والأهم أن الأموال التي كانت بحوزة راضي ظلت معه، وهو ما استبعد معه المحققون أن تكون السرقة هي الدافع وراء الجريمة.
بدأ رجال المباحث في فحص كل ما يمكن أن يقودهم إلى القاتل، ومن بين الأدلة التي جرى رفعها من مسرح الجريمة آثار أقدام كانت موجودة بالقرب من الجثمان، وتمت مقارنة الآثار بآثار أقدام روحيم.
لكن رغم إثارة الشبهات حوله، لم يظهر دليل حاسم يثبت ارتكابه للجريمة، وجرى تفتيش منزله، ولم يعثر بداخله على أداة الجريمة، كما أكدت التحريات، أن سلوكه كان جيدًا، ولم تكن له سوابق أو عداوات معروفة داخل القرية.
وبدأت القضية تدخل في طريق مسدود، فلا سلاح،و لا شاهد رأى الجريمة، ولا دافع مؤكد، ولا دليل مباشر ضد روحيم.
كانت القضية على وشك أن تُغلق ضد مجهول، لكن قبل أن يحدث ذلك، ظهر اسم يمكنه أن يعيد التحقيق إلى نقطة الصفر.
وفي 1925، قررت النيابة، إرسال ملف القضية، مرفقًا بتقرير الطب الشرعي، إلى الطبيب الشرعي الشهير سيدني سميث، للاستفادة من خبرته في قراءة تفاصيل مسرح الجريمة.
وبعد فحص التقرير والتدقيق في آثار الأقدام التي عُثر عليها في الطين، لاحظ سيدني سميث، شيئًا لم يلفت الانتباه من قبل، لم تكن آثار القدمين متساوية في العمق.
كانت آثار القدم اليمنى أعمق من آثار القدم اليسرى، لم تكن بالنسبة إليه مجرد علامة عابرة، فرق العمق بين القدمين قاده إلى احتمال أن الشخص الذي ترك هذه الآثار كان يعتمد على قدمه اليمنى أثناء السير، بسبب وجود عرج أو إعاقة بسيطة في القدم اليسرى.
وبناءً على ذلك، أوصى رجال المباحث بالبحث عن شخص يرتبط بالمجني عليه، ويعاني من عرج أو مشكلة في القدم اليسرى، فعادت التحريات إلى البداية.
بعد إجراء التحريات، توصل رجال المباحث إلى شخص واحد تنطبق عليه المواصفات، وله صلة مباشرة بحياة راضي ونادية، كان عوض، زوج نادية السابق.
وألقي القبض عليه، وجرت مقارنة آثار أقدامه بالآثار التي رُفعت من مسرح الجريمة وكانت النتيجة متطابقة، وبعد مواجهته بما يفيد وجود شاهد رآه، انهار عوض، وانتهى به الأمر إلى الاعتراف.
اعترف عوض بأنه كان لا يزال يريد نادية بعد طلاقهما، وبحسب اعترافاته، بدأت الخلافات بينهما بعد تأخر الإنجاب، ومع ضغوط الأسرة انتهى الزواج بالطلاق بعد عدة أشهر، لكن عوض لم يتقبل فكرة فقدان نادية، وكان يريد استعادتها بأي طريقة.
وبحسب ما جاء في اعترافه، لجأ إلى راضي، الشاب الفقير الذي كان يبحث عن المال، واتفق معه على الزواج من نادية، على أن يكون الزواج صوريًا ثم يطلقها بعد ذلك، مقابل مبلغ من المال: "قولتله إني لسه بحبها بس هي سابنتي وأطلقت مني عشان أعرج".
وحصل راضي على المال، لكنه لم ينفذ ما اتفق عليه، فعاد عوض إليه مرة أخرى، وأعطاه مبلغًا آخر، إلا أن راضي استمر في المماطلة وطلب مهلة جديدة.
ومع مرور الوقت، قرر عوض، التخلص منه، لكنه لم يكتفِ بالتخطيط للقتل، بل حاول أيضًا أن يترك وراءه مشتبهًا آخر.
كان يعرف أن روحيم سبق أن أراد الزواج من نادية، وأن اسمه أصبح معروفًا في القرية، ولذلك اختار أن يكون اللقاء مع راضي بالقرب من منزل روحيم.
وبالفعل، التقى عوض براضي، وأعطاه المال، لكنه طلب منه الانتظار مجددًا، عندها أخرج عوض سكينًا، وسدد إلى راضي ثلاث طعنات نافذة في صدره، ثم فر من المكان.
كان يعتقد أن الشبهة ستتجه إلى روحيم، لكن كشف رجال الأمن اختلاف عمق آثار القدمين أن الشخص الذي وصل إلى موقع الجريمة كان يعرج في قدمه اليسرى، وهي الصفة التي قادت رجال المباحث في النهاية إلى عوض. وفي 1925، أحيل عوض إلى محكمة الجنايات، وصدر بحقه حكم بالإعدام.
05 أكتوبر 2026 04:14 م
05 أكتوبر 2026 04:09 م
05 أكتوبر 2026 04:07 م
05 أكتوبر 2026 04:03 م
05 أكتوبر 2026 04:01 م
05 أكتوبر 2026 04:00 م
05 أكتوبر 2026 03:58 م
05 أكتوبر 2026 03:53 م
أكثر الكلمات انتشاراً