الثلاثاء، 06 أكتوبر 2026

01:01 م

الثلاثاء، 06 أكتوبر 2026

01:01 م

"خلي السلاح صاحي".. حناجر ثومة والعندليب “وقود” أضاء سكة النصر

عبدالحليم حافظ وأم كلثوم

عبدالحليم حافظ وأم كلثوم

في نوفمبر 1967، وبعد أشهر قليلة من الهزيمة، وقفت أم كلثوم على مسرح الأولمبيا في باريس أمام حشد جمع بين الجمهور الأوروبي والجاليات العربية، في حفلتين ليستا مجرد مناسبة فنية لمطربة عربية شهيرة في عاصمة الفن، وإنما  ضمن جولات واسعة لدعم المجهود الحربي.

وخرجت "الست" من صدمة يونيو 1967 إلى مساحات أخرى، في تفاصيلها لم يعد صوتها ملكًا للجمهور فقط، وإنما أصبح جزءًا من محاولة استعادة الروح بعد الهزيمة.

دلالات سياسية وفنية

تحولت حفلات أم كلثوم في مصر وخارجها إلى وسيلة لجمع التبرعات ودعم المجهود الحربي، واستمرت جولاتها لسنوات، متنقلة بين مدن مصرية وعواصم عربية وأوروبية.

في باريس، لم تكن أم كلثوم، تقدم الموسيقى، بل حملت معها صورة لبلد خرجت من واحدة من أقسى لحظاته، وعلى المسرح الذي شهد حضور كبار نجوم العالم، أصبح تواجد مطربة مصرية في هذا التوقيت له دلالته السياسية والفنية والإنسانية في آن واحد.

في المقابل، كان عبدالحليم حافظ، يخوض معركته من مكان آخر؛ من داخل الأغنية نفسها، وبصوت أقرب إلى الجندي والمواطن الذي تأثر بصدمة 1967، لم يكن مشروعه قائمًا بالدرجة نفسها على الحفلات وجمع التبرعات، وإنما على تحويل مشاعر الهزيمة والانتظار إلى كلمات وألحان تدخل البيوت عبر الراديو وترافق الناس في سنوات الحرب.

حشد أم كلثوم

كانت طريقة أم كلثوم مختلفة، صوتها لم يكن حاضرًا فقط من خلال الكلمات والألحان، وإنما من خلال وجودها الشخصي ومكانتها التي تحولت إلى قوة قادرة على الحشد.

من دمنهور والإسكندرية إلى باريس وعدد من العواصم العربية والأوروبية، استخدمت أم كلثوم، المسرح كمساحة للمشاركة في المجهود الحربي، فتحولت الحفلة من سهرة غنائية إلى حدث تتجاوز قيمته حدود الفن نفسه.

وهنا ظهرت خصوصية تجربة أم كلثوم؛ لم تكن بحاجة إلى أن تجعل كل أغنية نشيدًا عسكريًا مباشرًا، لأن حضورها نفسه كان قد أصبح جزءًا من الحالة الوطنية، وكانت تدخل المعركة من الباب الأوسع، المسرح، والجمهور، والتبرعات، والصوت الذي يعرف الجميع قيمته.

عبد الحليم.. من وجع الهزيمة إلى صوت المعركة

أما عبدالحليم حافظ، فكان يرتبط بشكل ما مع التحولات النفسية التي عاشها المواطن المصري بعد الهزيمة، من خلال مجموعة كبيرة من الأغنية قدمها بعد 67 وحتى نصر 73.

أغنية "عدى النهار" التي خرجت من لحظة شديدة القسوة، مرت مثل ليل طويل لم يكن مجرد استعارة شعرية، بل صورة لحالة شعب يعيش آثار الهزيمة وينتظر النهار، ولذلك لم تكن الأغنية مجرد رثاء لمرحلة انتهت، وإنما حملت في داخلها انتظارًا للخروج منها.

وتحول حليم من الحزن إلى التحدي، ومن التأمل في آثار الهزيمة إلى الاستعداد للمواجهة، ثم جاءت "أحلف بسماها" بنبرة أكثر حماسًا، وصولًا إلى الأغنيات المرتبطة بسيناء والانتصار، لتصبح الأغنية عند عبدالحليم أشبه بسجل زمني لمشاعر المرحلة.

تفاصيل كثيرة جعلت تجربة العندليب مختلفة، بعدما التقط الحالة النفسية للناس ويضعها في أغنية، مرة يتحدث بلسان من فقد الأمل، ومرة بلسان من ينتظر، ثم بلسان من يستعد للقتال والانتصار، كحال أغنية “خلي السلاح صاحي” التي ألهبت المصريين في وقت تملك اليأس منهم.

طريقتان في مواجهة الحرب

المقارنة بين أم كلثوم وعبدالحليم أكثر من مجرد مقارنة بين مطربين كبيرين غنيا للوطن، أم كلثوم خرجت بصوتها إلى العالم، وحولت المسرح والحفل إلى وسيلة دعم وحشد، واستفادت من المكانة التي صنعتها عبر عقود لتجعل حضورها نفسه جزءًا من المعركة.

أما عبدالحليم، فاختار أن يدخل إلى المعركة من خلال الأغنية التي تصل إلى البيت والراديو والجندي، وتعيش مع الناس يوميًا، وكان أقرب إلى التعبير عن الجرح النفسي الذي تركته الهزيمة، ثم عن الرغبة في تجاوز هذا الجرح.

لم يكن أحدهما نسخة من الآخر، ولم تكن الطريقة واحدة؛ لكن الاثنين التقيا عند حقيقة واحدة، في زمن الحرب، يمكن للأغنية أن تكون أكثر من أغنية، ويمكن لصوت الفنان أن يتحول إلى جزء من ذاكرة شعب كامل.

من باريس، كانت أم كلثوم تحمل صوت مصر إلى العالم، إلى الأغنية التي كان عبد الحليم يرسلها من الراديو إلى كل بيت وجندي.

اقرأ أيضًا:

"بلاي ليست" النصر.. أغانٍ صنعت ذكرى خاصة لحرب أكتوبر

من ظلام 67 لنور العبور.. فنانون يحكون الوجه الإنساني لنصر أكتوبر

search