الثلاثاء، 06 أكتوبر 2026

02:40 م

الثلاثاء، 06 أكتوبر 2026

02:40 م

"ذخيرة إسرائيل تطايرت كالفشار".. العقيد محمد عبدالقادر بطل المدفعية يكشف سر القصفة التي هزت الضفة الشرقية ليلة 6 أكتوبر

عقيد محمد عبدالقادر

عقيد محمد عبدالقادر

في شهادة عسكرية حية وحافلة بالتفاصيل الميدانية الشاملة، يروي العقيد أركان حرب محمد عبدالقادر، أحد أبطال سلاح المدفعية وقائد سرية مدفعية عيار 155 ملم، سجلًا كاملًا للبطولات والمهام القتالية التي خاضها في حرب أكتوبر 1973.

ويسرد عبدالقادر، كواليس مشاركته في الضربات النيرانية الأولى، وتفاصيل ليلتين من أصعب وأشرس لحظات الحرب، الأولى حين استغل قانون الفيزياء الذي درسه في الثانوية العامة لإسكات بطارية مدفعية إسرائيلية بالكامل، والثانية حين واجه ضابطًا إسرائيليًا وجه لوجه في اشتباك تلاحمي وأسقطه بـ"طعنة سونكي".

المهام الاستراتيجية لسلاح المدفعية قوة النيران الضاربة

يبدأ العقيد أركان حرب محمد عبدالقادر حديثه لـ"تليجراف مصر"، بالتعريف بالموقع الاستراتيجي لسلاح المدفعية في العقيدة القتالية، مشيرًا إلى أنه السلاح المتخصص في قوة النيران الشاملة والدقيقة: تدمير الأهداف ذات القوة العالية: يتركز دور المدفعية في التعامل مع التحصينات والأهداف الثقيلة ومصادر النيران التي تعترض طريق تقدم القوات.

المهمة الأولى (التمهيد النيراني):

المشاركة الجسورة مع القوات الجوية في قصف تجمعات وتحصينات العدو المدافعة على الشاطئ الشرقي وفي العمق القريب للقناة؛ بغرض تدميرها أو إضعافها تماماً قبل عبور المشاة.

المهمة الثانية (معاونة أعمال القوات): 

تقديم الدعم النيراني المستمر واللحظي للقوات أثناء تقدمها وتعمقها داخل سيناء.

ويؤكد عبدالقادر: "كنا نقتطع الأرض من عدو قوي، مدرب، ومنظم، وكان كل هدف ندمره أو موقع نستولى عليه يمثل إنجازًا عسكريًا ضخمًا".

ليلة 6 أكتوبر: معادلة الفيزياء التي أسكتت البطارية الإسرائيلية

ينتقل العقيد محمد عبدالقادر للحديث عن ليلة السادس من أكتوبر 1973، وتحديدًا في تمام الساعة التاسعة مساءً، بعد أن عبر القناة مع مركز الملاحظة واعتلى الساتر الترابي على الضفة الشرقية:

ويروي التفاصيل المعقدة للموقف قائلا: "عقب العبور بضربات القوارب واعتلاء الساتر الترابي، خيم الظلام وشعر العدو أن هناك قوات ضخمة أصبحت على الضفة الشرقية بالرغم من كل خطوطه الدفاعية الحصينة، بدأ يطلق نيرانًا عشوائية بمدافع جبارة في كل الاتجاهات، وكانت الشظايا تتطاير، ولكي نحمي أنفسنا، حفرنا حُفرًا برميلية ونزلنا فيها تحت مستوى سطح الأرض حتى لا تصيبنا الشظايا المتناثرة".

ويستطرد موضحًا المعضلة التي واجهته كقائد سرية مدفعية 155 ملم (وهي أضخم عيار في القوات المسلحة آنذاك): "كان الواجب عليّ فورًا التعامل مع سرية المدفعية الإسرائيلية التي تقصفنا لإسكاتها، لكن الظلام كان دامسًا ولا أرى مكان المدافع، بل أرى فقط (الوميض) الصادر من ماسورة المدفع لحظة خروج الطلقة، ولكي أضرب هذا الهدف، كنت بحاجة ماسة لبيانين أساسيين: اتجاه الهدف، ومسافته، الاتجاه استخرجته بسهولة عبر البوصلة، أما المسافة فكانت هي المشكلة العويصة".

وعن اللحظة التي أستحضر فيها الابتكار العلمي، يقول: "في تلك اللحظة الحرجة، ألهمني الله سبحانه وتعالى بقانون درسته في مادة الفيزياء (الطبيعة) خلال المرحلة الثانوية، وهو: (المسافة = السرعة × الزمن). سرعة الصوت معروفة ومحفوظة للجميع وهي 333 مترًا في الثانية (أو 1000/3). أما الزمن، فقد قسته بساعة التوقف (Stopwatch) بين لحظة رؤية الوميض ولحظة وصول صوت خروج الطلقة إلى أذني، وكان الزمن بين 4 إلى 5 ثوانٍ، بضرب السرعة في الزمن، استخرجت المسافة بدقة وتبين أنها في حدود 1800 إلى 2000 متر".

ويروي كيفية تنفيذ القصفة الحاسمة قائلا: "وضعت البيانات والإحداثيات على الخريطة وأرسلت البيانات لمدافع سريتي التي كانت لا تزال تمركز بالضفة الغربية على مسافة 5 كيلومترات خلفنا، أطلقت طلقة أولى للتصحيح فنزلت منحرفة قليلًا، أدخلت معاملات التصحيح فورًا، وأمرت السرية بإطلاق قصفة كاملة شاملة، لم نَرَ البطارية للظلام، لكننا رأينا الذخيرة الإسرائيلية داخل الموقع وهي تتفجر وتتطاير في السماء كـ (الفشار) عندما يوضع على النار حتى سكتت البطارية تماماً، وارتفعت معنويات جنود المشاة والمدرعات العابرين معنا بشكل أسطوري، وقُمنا جميعاً نكبر بصوت هز الميدان: (الله أكبر) واستأنفنا التقدم".

ليلة 12 أكتوبر: مواجهة ليلية وإسقاط ضابط إسرائيلي بـ“طعنة سونكي”

ينتقل العقيد محمد عبدالقادر إلى موقف آخر أكثر شراسة وضراوة وقع في تمام الساعة الثانية صباح يوم 12 أكتوبر 1973، حيث كان يتمركز بحكم عمله كضابط ملاحظة وتوجيه نيران على الحد الأمامي للقوات (أي أنه لا يوجد أمامه سوى العدو مباشرة):

ويكشف تفاصيل كشف عملية الإغارة الإسرائيلية: "في تمام الساعة 2 صباحًا سمعنا أصوات احتكاكات غريبة وقريبة جدًا أمامنا. ولأنه لا يوجد أحد أمامنا، استخدمت طلقات (الذخيرة المضيئة) الخاصة بمدافعنا، وهي طلقات نطلقها على أقصى مدى وأعلى ارتفاع لتنفتح المظلة في أوج السماء وتضيء المساحة أمامنا في دائر نصف قطرها 1500 متر بنور ساطع كأننا في منتصف النهار. وفور إضاءة المنطقة، وجدنا مجموعة إغارة إسرائيلية مكونة من 5 إلى 6 جنود يزحفون نحو مواقعنا على بعد 50 إلى 60 مترًا فقط، وكانت الأصوات نتيجة احتكاك أسلحتهم بالأرض أثناء الزحف لتنفيذ إغارة بهدف خطف أسير أو إلقاء قنابل أو سرقة خرائط ووثائق".

وعن الاشتباك المباشر، يقول: "بمجرد أن أضاء المكان، قام عناصر الإغارة بالفرار هاربين، فقمت أنا ورجالي بمطاردتهم وإطلاق النار عليهم بالأسلحة الصغيرة. أثناء الهرب أصيب أحدهم بطلق ناري في كتفه وسقط على الأرض وكان من نصيبي، وكان يحمل رتبة نقيب. وتطبيقًا للتعليمات العسكرية الصارمة والقانون الدولي واتفاقية جنيف التي تحظر قتل الجرحى والمصابين، حاولت الرقود فوقه وتكبيله لأسره جريحًا. لكنه بخسة وغدر، حاول استغلال موقفي وسحب خنجرًا كان يخفيه في حذائه ليطعنني به".

search