الأربعاء، 07 أكتوبر 2026
03:04 م
لو وُضعت أمامي بلّورة سحرية تكشف المستقبل، ونظرتُ فيها في مساء السادس من أكتوبر 2023، فرأيتُ ما سيقع من السابع من أكتوبر 2023 حتى اليوم، لظننتُ أنني أمام مشهدٍ من فيلم خيالٍ علميٍّ كابوسي، لا أمام سجلٍّ واقعيٍّ لمصائر شعوبٍ وأوطان.
ما كنتُ لأصدق أن هذا السيل من الدم، وهذا الانهيار المتتابع للخرائط والتوازنات، يمكن أن يكون نتيجة قرارٍ واحد، اندفاعٍ واحد، مقامرةٍ واحدة.
كنتُ سأرى حسن نصر الله يُغتال بعد سنواتٍ بدا فيها كحجر زاوية في معادلة الردع الإقليمي، لاعبًا ثابتًا في ميزانٍ معقّد بين الحرب والسلم.
وكنتُ سأرى يحيى السنوار، الذي أطلق شرارة المواجهة، يسقط هو الآخر، بعدما اندفع بعقليةٍ تنظيميةٍ مغلقة، لم تُحسن التمييز بين الفعل المقاوم المحسوب، والانفجار غير المنضبط. لقد تصرّف بعقلية من يرى اللحظة فرصةً لتسجيل سبقٍ تاريخي، لا بعقلية من يزن الكلفة الشاملة على شعبٍ محاصرٍ أعزل من عمقٍ استراتيجي حقيقي.
ثم كنتُ سأرى غزة تُسحق سحقًا لم تعرفه في تاريخها الحديث: عشرات الآلاف من الشهداء، مئات الآلاف من الجرحى، أحياءً تُمحى من الوجود، بنيةً تحتية تتحول إلى ركام، وخرائط تُعاد كتابتها بالنار لا بالحبر.
كنتُ سأرى شعبًا يُدفع إلى أقصى حدود الاحتمال، بينما الشعارات تعلو فوق أنقاض البيوت.
لو رأيتُ ذلك قبل وقوعه لقلت إن البلّورة تخدعني. لكن الواقع، حين جاء، كان أكثر قسوةً من أي خيال، وأشدَّ وحشيةً من أكثر السيناريوهات تطرفًا.
لم تكن المواجهة عمليةً محدودة الأهداف، ولا خطةً تكتيكيةً محسوبة بدقة، بل كانت مقامرةً مفتوحةً على مصير الإقليم بأسره: فلسطين، لبنان، سوريا، إيران.
رهانٌ بلا سقف، بلا ضمانات، بلا تصورٍ واضحٍ لكيفية الخروج من النفق بعد إشعال النار في مدخله.
الإخوان المسلمون، بعقليتهم التنظيمية الصلبة، حولوا فلسطين إلى ساحة اختبارٍ لإيديولوجيا ترى في “الصدمة الكبرى” مدخلًا لإعادة تشكيل الواقع. في هذا المنطق، لا تكون الدولة إطارًا جامعًا، ولا الشعب غايةً في ذاته، بل يصبح المشروع الحركي هو المركز، وتتحول الأرض إلى منصة، والدم إلى وسيلة، والكارثة إلى فرصة.
هكذا تُقرأ المغامرة: ليس بوصفها خطأ تقدير عابر، بل كتعبيرٍ عن رؤيةٍ ترى الفوضى أداةً، وتعتبر الانفجار الشامل خطوةً في مسارٍ تنظيمي أوسع.
السنوار، الخارج من السجن إلى قيادة حماس، لم يتحرك بمنطق الدولة الفلسطينية المنشودة، ولا بعقل المصلحة الوطنية الشاملة، بل بعقلية تنظيمٍ عابرٍ للحدود، يقدّم لحظة الصدمة على حساب الحساب الطويل.
أغفل قاعدةً تاريخيةً لا ترحم: من يشعل حريقًا بحجم الإقليم، قد لا يملك القدرة على التحكم في اتجاه الريح.
وهكذا تحوّل ما سُوّق له بوصفه “انتصارًا تاريخيًا” إلى كارثةٍ استراتيجية عميقة. لم تتبدل موازين القوى لصالح الفلسطينيين، ولم يُفرض واقعٌ سياسي جديد يُنهي المأساة، بل وقع دمارٌ هائل، وأُعيد المسار الفلسطيني إلى نقطةٍ أشد قسوةً من كل ما سبق.
مقامرة حماس لم تُربك إسرائيل بقدر ما منحتها الذريعة التي طال انتظارها، ولم تُحاصر واشنطن بقدر ما فتحت لها أبواب التدخل الأوسع. لقد قدّمت العملية الغطاء السياسي والأخلاقي الذي احتاجته تل أبيب لتوسيع حربها إلى أقصى مدى من أجل تشكيل الشرق الأوسط الجديد، ومنحت الولايات المتحدة فرصة إعادة تثبيت حضورها العسكري والسياسي في قلب الإقليم تحت عنوان “الدفاع عن الحليف” و“مكافحة الإرهاب”.
هكذا تحوّل الفعل الذي رُوّج له بوصفه كسرًا لقواعد اللعبة إلى لحظةٍ أعادت تثبيت قواعدٍ كانت إسرائيل وأمريكا تسعيان لترسيخها، ولكن هذه المرة بثمنٍ فلسطينيٍ خالص، وبتكلفةٍ إقليميةٍ باهظة.
في قلب هذه العاصفة، كانت إيران عرضةً لضغوطٍ غير مسبوقة. دخلت مواجهاتٍ متتالية، استُنزفت فيها قدراتها، وسقطت قيادات، واهتزت جبهات. وفي ذروة التصعيد، استُشهد المرشد علي خامنئي، في لحظةٍ بدت كأنها زلزالٌ يعيد رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط، ويدفع النظام الإيراني إلى أخطر اختبارٍ منذ تأسيسه.
لبنان، المثقل أصلًا بأزماته البنيوية، انزلق أعمق في الفوضى، بعدما تحوّل إلى ساحةٍ مفتوحة لارتدادات الصراع.
أما سوريا، فقد وجدت نفسها أمام انهيارٍ متسارع؛ أنهكتها الضغوط، وتخلّى نظامها عن السيطرة المركزية على مدنٍ كبرى، لتدخل البلاد في ديسمبر 2024 طورًا جديدًا من التفكك وإعادة رسم النفوذ، في مشهدٍ يعيد فتح الجرح السوري على احتمالاتٍ طويلة الأمد من الاضطراب.
ومع كل ذلك، تبقى الدول كياناتٍ أعمق من لحظات السقوط.
إيران، بحجمها التاريخي والحضاري، ليست دولةً طارئة على الخريطة.
وسوريا، رغم الانكسارات، لن تختفي من الجغرافيا.
ولبنان سيبقى كما كان دائمًا: هشًّا، متنازعًا، لكنه قائم.
أما فلسطين، فكانت الخسارة فيها وجودية.
هزيمة السابع من أكتوبر ليست، في تقديري، مجرد انتكاسةٍ عسكرية، بل هي امتدادٌ لكارثة 1948، وأكبر ضربةٍ استراتيجية تتعرض لها القضية الفلسطينية منذ ذلك التاريخ.
لم يكن ما جرى تحريرًا بقدر ما كان تدميرًا واسعًا، أعاد تدوير المأساة القديمة بصورةٍ أشد دمًا وأغلى ثمنًا.
النتيجة لم تكن كسر الحصار، بل تعميق الجرح. لم تكن فرض واقعٍ جديد، بل إعادة إنتاج العجز في صورةٍ أكثر مأساوية.
لقد أثبتت التجربة أن من يضع الأيديولوجيا فوق الأرواح، والشعار فوق الإنسان، والمشروع التنظيمي فوق الوطن، لا يغامر بخصومه وحدهم، بل يغامر بالقضية ذاتها.
مغامرة 7 أكتوبر دمرت ما كان يعرف بمحور المقاومة، وحولت إسرائيل إلى قوة عظمى في الشرق الأوسط.
الإخوان المسلمون، في هذه اللحظة التاريخية، لم يكونوا مجرد فاعلٍ سياسي، بل كانوا – في منطق الأحداث – صانعي مقامرةٍ كبرى، دفعت فلسطين ثمنها أولًا، ودفع الإقليم كله كلفتها تباعًا.
وسيبقى السابع من أكتوبر شاهدًا دامغًا على أن اللحظة التي تُدار بعقل التنظيم لا بعقل الوطن قد تصنع ضجيجًا هائلًا، لكنها تترك خلفها صمتًا أثقل من الهزيمة، وخرابًا لا تمحوه الشعارات ولا يغفره التاريخ.
06 أكتوبر 2026 10:52 ص
05 أكتوبر 2026 09:58 ص
04 أكتوبر 2026 11:18 ص
03 أكتوبر 2026 01:29 م
أكثر الكلمات انتشاراً