الخميس، 08 أكتوبر 2026
10:45 م
وُلد إرنستو رافاييل جيفارا دي لا سيرنا في مدينة "روزاريو" بمقاطعة "سانتا في" بدولة الأرجنتين، يوم 14 يونيو عام 1928، لأسرة من الطبقة الوسطى ذات ميول يسارية.
منذ طفولته عرف المرض والوجع، فقد لازمه الربو المزمن طوال حياته، غير أنه لم يعرف الاستسلام قط. كان يقهر ضيق أنفاسه باندفاع روحه، ويقاوم ضعف الجسد بإرادة لا تعرف الهدوء.
تلك الإرادة هي التي صاغت ملامحه الفكرية والإنسانية، فدخل كلية الطب في جامعة بوينس آيرس عام 1948، وهناك بدأت رحلة التحول الكبرى في وعيه، حين تفتّحت عيناه على الفقر والمرض والاستغلال الذي ينهش جسد القارة اللاتينية.
في عام 1952، حمل جيفارا حقيبته، وانطلق على دراجة نارية مع صديقه ألبرتو غراندو ليقطع قارة أمريكا الجنوبية بأكملها.
كانت تلك الرحلة بداية التحوّل من طبيبٍ يعالج الأجساد إلى ثائرٍ يريد شفاء الإنسانية من أمراضها الكبرى.
دَوَّن رحلته في كتابه الشهير "يوميات دراجة نارية" (The Motorcycle Diaries)، وفي صفحاته تنبض البدايات الأولى للغضب المقدس: الفقر المدقع، عمال المناجم المنهكون، القرى التي تبتلعها الشركات الأمريكية كأخطبوطاتٍ من حديد.
وفي عام 1953، وهو في طريقه إلى غواتيمالا، كتب رسالة مؤثرة إلى عمته بياتريس، قال فيها:
"على طول الطريق، أُتيحت لي فرصة المرور في ممتلكات شركة الفواكه المتحدة، لقد تبينت مرة أخرى مدى فظاعة هذه الأخطبوطات الرأسمالية. لقد أقسمت أمام صورة الرفيق ستالين ناعياً إياه، إنني لن يهدأ لي بال حتى أرى هذه الأخطبوطات الرأسمالية قد دُمرت".
كانت تلك الرسالة، التي كتبها في العام نفسه الذي رحل فيه ستالين، لحظة الميلاد الحقيقي لـ جيفارا الثائر؛ إذ انقلبت الرحمة في قلب الطبيب إلى غضبٍ واعٍ، وتحول الشعور الإنساني إلى موقفٍ سياسي، والإحساس إلى التزامٍ ثوري لا رجعة فيه.

في عام 1954، كانت غواتيمالا قد سقطت في انقلابٍ دعمته المخابرات الأمريكية للإطاحة بحكومة الرئيس الوطني جاكوبو أربينز، وهناك أدرك جيفارا أن التغيير لا يُستجدى، بل يُنتزع بالقوة.
ذهب جيفارا إلى المكسيك في عام 1955، وهناك التقى برفيق دربه فيدل كاسترو وشقيقه راؤول، فانضم إلى حركة "26 يوليو" التي كانت تخطط للإطاحة بالديكتاتور الكوبي باتيستا.
عندما التقى جيفارا برفاقه الكوبيين للمرة الأولى، لفت انتباههم أنه يكثر من استخدام كلمة «تشي»، وهي لفظة أرجنتينية دارجة تعني «يا رفيق» أو «يا صاح».
كان ينطقها بعفويةٍ، حتى أصبحت جزءًا من حضوره بينهم، فأطلقوا عليه مازحين لقب «تشي»، الذي سرعان ما التصق به حتى صار أشهر ألقابه في ذاكرة الثورة والعالم.
في 25 نوفمبر عام 1956، أبحرت من ميناء توكسبان في المكسيك سفينة صغيرة تُدعى “غرانما”، تحمل على ظهرها 82 ثائرًا كوبيًا ومن جنسيات أخرى، يتقدّمهم المحامي الكوبي الشاب فيدل كاسترو، وبجانبه الطبيب الأرجنتيني إرنستو تشي جيفارا، في طريقهم إلى سواحل كوبا لإطلاق شرارة الكفاح المسلح ضد دكتاتورية باتيستا.
كانت الرحلة مغامرة محفوفة بالموت: سفينة تبحر فوق طاقتها، وبحرٌ عاصف، ووقودٌ شحيح، لكن ما حملوه كان أثقل من السلاح — إيمانٌ لا يتزعزع بعدالة قضيتهم.
بعد سبعة أيام من الإبحار الشاق، وصلت “غرانما” إلى شواطئ لاس كولوراداس شرق كوبا، في 2 ديسمبر 1956. لم يجد رجالها استقبالًا شعبيًا ولا أرضًا آمنة، بل كمينًا نصبه جيش باتيستا، فقُتل معظم من كانوا على متن السفينة.
لم ينجُ سوى 12 رجلًا فقط، كانوا النواة الأولى التي أسست جيش الثورة الكوبية في جبال سييرا مايسترا.
ومن هناك، بدأ تشي جيفارا طريقه من طبيبٍ ميداني يعالج رفاقه، إلى قائدٍ ثوري يُعيد كتابة التاريخ.
ومن “غرانما” خرجت أسطورة الثورة الكوبية.
صارت تلك السفينة الصغيرة رمزًا خالدًا في الذاكرة الكوبية، وأُطلق اسمها على الصحيفة الرسمية للحزب الشيوعي الكوبي، وعلى إحدى مقاطعات البلاد تخليدًا لتلك الرحلة التي أثبتت أن الإيمان بالحرية أقوى من المدافع.
خاض تشي جيفارا معارك الثورة بشجاعةٍ وثبات، وأصبح من رموزها البارزين، وقاد جبهة لاس فيلاس إلى نصرٍ حاسم.
وفي فجر الأول من يناير 1959، دخلت قوات الثورة هافانا، ورفع العالم رأسه نحو كوبا الصغيرة التي سطرت صفحة جديدة في تاريخها.
تُعد علاقة تشي جيفارا بالرئيس جمال عبد الناصر من أكثر مظاهر التفاعل الثوري دلالة بين أمريكا اللاتينية والعالم العربي.
فقد تأثر جيفارا ورفيقه كاسترو بعمقٍ بموقف عبد الناصر خلال العدوان الثلاثي عام 1956، ورأيا فيه تجسيدًا لمعنى الصمود الوطني في وجه الإمبريالية الغربية، ومثالاً للقائد الذي يواجه القوى الكبرى دون أن ينحني.
كانا يريان في القاهرة مشعلاً يضيء الطريق أمام الشعوب المكبّلة بالاستعمار، تمامًا كما كانا يحلمان بتحرير القارة اللاتينية من قيودها.
وفي يونيو 1959، زار جيفارا مصر للمرة الأولى والتقى بالرئيس عبد الناصر ،كانت زيارة جيفارا والوفد المرافق له بغرض التشاور مع عبد الناصر في شتى القضايا الدولية، ودراسة تجربة الإصلاح الزراعي في مصر.
دعّم عبد الناصر الثورة الكوبية في المحافل الدولية واعتبرها امتدادًا طبيعيًا لحركة التحرر التي دشنتها ثورة 23 يوليو 1952، بينما عبّر جيفارا عن إعجابه بالتجربة المصرية في بناء اقتصادٍ وطني مستقل، وكتب في إحدى رسائله أن: "الناصرية تمثل طريقًا عربيًا نحو الاشتراكية التحررية".
وخلال زيارته الثانية إلى القاهرة في فبراير 1965، التقى جيفارا بالرئيس عبد الناصر مجددًا، وتبادلا الرؤى حول التعاون بين حركات التحرر في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية.
كان جيفارا يرى في القاهرة عاصمةً للثورة في العالم الثالث، بينما رأى عبد الناصر فيه تجسيدًا للإيمان الثوري النقي الذي لا يعرف المساومة.
في أكتوبر عام 1965، كتب إرنستو تشي جيفارا من جزيرة جامايكا رسالته الشهيرة إلى فيدل كاسترو، معلنًا فيها استقالته من جميع مناصبه في كوبا، وتنازله عن الجنسية الكوبية الفخرية التي منحها له كاسترو بنفسه. كانت تلك الرسالة بمثابة وصية ثوريٍّ يغادر السلطة إلى المجهول، ويختار طريق النار على طريق المناصب.
قال جيفارا في رسالته:
“لقد أتممت ما عليّ تجاه الثورة الكوبية، وأغادر الآن لأؤدي واجبي في ساحات أخرى من العالم.”
القرار لم يكن سياسيًا فحسب، بل وجوديًا.
فبعد انتصار الثورة الكوبية عام 1959، شغل جيفارا مناصب رفيعة:
وزيرًا للصناعة، ورئيسًا للبنك الوطني، وممثلًا لكوبا في مؤتمرات دولية كبرى. لكنه مع مرور السنوات بدأ يشعر بأن الثورة تجمّدت داخل مؤسسات الدولة، وأن حلم “الثورة الدائمة” يتآكل تحت ثقل البيروقراطية.
اختار جيفارا أن يعود إلى الميدان، حيث يُقاس الإنسان بمدى صموده لا بكرسيه. تنقّل جيفارا بين الكونغو ثم بوليفيا، حاملًا حلم إشعال ثورات تحرر جديدة في العالم الثالث.
فشلت تجربة جيفارا في الكونغو ضد نظام موريس تشومبي العميل للغرب بسبب الفوضى والانقسامات داخل صفوف الثوار.
ومنذ نوفمبر عام 1965، طوى تشي جيفارا صفحة الكونغو وعاد عبر غاباتها الموحشة محبطاً.
كتب في مذكراته:
“العنصر البشري فشل. لا توجد إرادة للقتال، والقادة فاسدون، باختصار لم يكن هناك شيء يمكنني القيام به.”
غادر جيفارا أفريقيا خفية عبر تنزانيا، ومنها إلى براغ عاصمة تشيكوسلوفاكيا، حيث عاش متخفياً بهوية مجهولة، بعيداً عن الأضواء وعن حتى أقرب رفاقه. كانت تلك الأشهر بين نوفمبر 1965 ونوفمبر 1966 مرحلة صمتٍ وتأملٍ عميق، أعاد فيها صياغة حلمه القديم بـ “الثورة القارية” التي تتجاوز حدود الوطن إلى قارات العالم الثالث بأسره.
وفي صيف عام 1966، عاد سرًّا إلى كوبا لفترة قصيرة، أعدّ خلالها خططه الأخيرة للانطلاق إلى ساحة جديدة للنضال، اختارها في قلب أمريكا الجنوبية — بوليفيا — لتكون المحطة التالية في رحلته نحو إشعال الثورة العالمية، ولكنه لم يتوقع أنها ستكون محطته الأخيرة.
في الثالث من نوفمبر عام 1966، وصل جيفارا إلى بوليفيا متخفياً تحت اسمٍ مستعار هو “أدولفو مينا غونزاليس”، حاملاً معه حلماً كبيرًا وحقيبةً صغيرة، يملؤها الإيمان بأن شرارة الحرية يمكن أن تشتعل من أرضٍ فقيرة لتضيء العالم بأسره.
غير أن الأرض البوليفية لم تكن جاهزة للثورة، والفلاحون لم يفهموا أهداف جيفارا، والجيش البوليفي كان يترصده بعيونٍ أمريكية.
في 8 أكتوبر 1967، حاصرت قوات الجيش البوليفي مجموعة جيفارا في منطقة "كيبرادا ديل يورو".
أُصيب أثناء القتال، وأُسر حيًا، ثم أُعدم في اليوم التالي، 9 أكتوبر 1967، في قرية "لا هيغيرا" بأوامر مباشرة من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية.
اغتالت الولايات المتحدة الأمريكية تشي جيفارا جسدًا حين ساعدت في تصفيته في بوليفيا عام 1967، لكنها بمفارقةٍ ساخرة أعادت إحياءه رمزيًا، حين حوّلت صورته إلى سلعة استهلاكية تدر الأرباح.
تحولت صورة جيفارا، التي التقطها المصوّر الكوبي "ألبرتو كوردا" في 5 مارس 1960 أثناء تشييع ضحايا انفجار سفينة "لا كوبري" في ميناء هافانا، إلى أيقونة عالمية للثورة والحرية. غير أن هذه الصورة، التي خُلقت لتجسّد روح التمرّد والكرامة الإنسانية، جرى استغلالها لاحقًا كـ رمز تجاري على القمصان والملصقات والأكواب والعلامات التجارية في متاجر النظام الرأسمالي نفسه الذي نذر جيفارا حياته لمحاربته.
قال كوردا قبل رحيله عام 2001:
"لم ألتقط صورة لبطل خارق، بل لإنسانٍ يحمل همّ العالم في عينيه."
وهكذا، بين رصاصةٍ أطلقتها الإمبريالية وجدارٍ تتوسطه صورته، مضى جيفارا إلى الموت مبتسمًا، لأنه كان يؤمن أن الأفكار لا تُقتل، بل تواصل حياتها في صدور الأحرار، توقظ فيهم الشجاعة حين يخيّم الخوف، وتذكّرهم دائمًا أن من يموت من أجل العدل يحيا للأبد.
ظل مكان جثة جيفارا سرًا لثلاثة عقود، حتى اكتُشف مكان جثمانه في عام 1997 ونُقلت رفاته إلى كوبا، حيث دُفن في سانتا كلارا، المدينة التي أحبها وحسم فيها ذات يوم أحد أهم انتصاراته العسكرية.
خُلّدت سيرة جيفارا في الذاكرة الإنسانية نداءً لا يخبو ضد الظلم، وتجسيدًا لكرامةٍ عصيّة على الانكسار.
07 أكتوبر 2026 09:54 ص
06 أكتوبر 2026 10:52 ص
05 أكتوبر 2026 09:58 ص
04 أكتوبر 2026 11:18 ص
أكثر الكلمات انتشاراً