الأربعاء، 14 أكتوبر 2026
09:18 ص
اللواء الصادق
تظل الملاحم البحرية التي خاضتها القوات البحرية المصرية في حروب 1967، والاستنزاف، ونصر أكتوبر 1973، صفحات مجيدة من الفداء والعبقرية التكتيكية، ومن قلب هذه الملاحم، يروي اللواء بحري أركان حرب أحمد محمد الصاد - مدير الكلية البحرية الأسبق- شهادة استثنائية توثق كيف استطاع المقاتل المصري بروح الرفض للهزيمة والتخطيط المعقد أن يكسر الهيبة البحرية للعدو، بدءاً من إغلاق الممرات الملاحية إلى حصار باب المندب، واصطياد الضفادع البشرية على حواجز الأمواج.
يبدأ اللواء بحري أركان حرب أحمد محمد الصادق، مدير الكلية البحرية الأسبق، شهادته باسترجاع بدايات المواجهة في حرب 1967؛ حيث كان يعمل برتبة ملازم أول على متن المدمرة "الفاتح"—إحدى أكبر مدمرات القوات البحرية المصرية والتي تشبه المدمرة الإسرائيلية "إيلات".
ويؤكد اللواء الصادق أنه تنفيذاً لأوامر الرئيس جمال عبد الناصر، قامت المدمرة "الفاتح" بإغلاق خليج العقبة أمام الملاحة الإسرائيلية ومنع أي سفينة معادية من العبور.
ويرسخ اللواء أحمد الصادق حقيقة تاريخية مفادها أن الشعب المصري العظيم كان هو السر الحقيقي وراء صمود القوات المسلحة وإعادة بنائها لتحقيق انتصار 1973.
ويستعرض اللواء الصادق نموذجاً أُسرياً فريداً؛ حيث ينتمي لعائلة عسكرية أب عن جد، تضم أربعة أشقاء ضباط في القوات المسلحة والشرطة:
أخ استشهد في حرب 1973 ضمن القوات الجوية.
أخ أصيب في حرب الاستنزاف وهو في الدفاع الجوي.
أخ ضابط شرطة.
اللواء أحمد الصادق في القوات البحرية.
ويروي اللواء الصادق ملمحة إنسانية مؤثرة نقلاً عن شقيقه في الدفاع الجوي أثناء الانسحاب عقب 67؛ إذ وجد المواطنين المدنيين ينتظرون الجنود والضباط العائدين سيرًا على الأقدام، يستقبلونهم بالأطعمة ويطبطبون على أكتافهم برغم مرارة الهزيمة.
ويشدد اللواء بحري أحمد الصادق على أن هذه الروح الجماهيرية هي التي ولّدت الرفض المطلق للهزيمة، ليشرع الجيش في الرد السريع بعد 4 أشهر فقط ، تم إغراق المدمرة الإسرائيلية "إيلات".
خاضت القوات الجوية معارك ناجحة بقيادة الفريق مدكور أبو العز، وقامت قوات الصاعقة بمنع العدو من دخول بورسعيد وبورفؤاد بعد شهرين فقط من الحرب (معركة رأس العش).
يكشف اللواء بحري أركان حرب أحمد محمد الصادق عن الصعوبات الفنية الجسيمة التي واجهت القوات البحرية بين عامي 1967 و1973؛ حيث كان الجيش المصري يخوض المعارك بأسلحة ومعدات تعود لعهد الحرب العالمية الثانية.
ويذكر اللواء الصادق أنه أثناء خدمته على المدمرة، كانوا يرسلون لطلب قطع غيار للوحدات البحرية، فتأتيهم الإجابات بأن المصانع العالمية التي كانت تنتج هذه القطع قد أُغلقت نهائياً، وبرغم ذلك، وبفضل الكفاءة والصيانة الإبداعية للكوادر والفنيين المصريين، تم الحفاظ على جاهزية تلك الوحدات البحرية وتسييرها بكفاءة عالية، وهي ذاتها الوحدات التي خاضت معارك النصر في 1973.
ينتقل اللواء بحري أركان حرب أحمد محمد الصادق، مدير الكلية البحرية الأسبق، إلى رحلة النصر في حرب أكتوبر 1973؛ حيث كان يشغل حينها رتبة رائد ومسؤولاً عن مدفعية المدمرة "الفاتح" (التي تضم طاقماً مكوناً من 170 صف ضابط وجندي و25 ضابطاً).
ويروي اللواء أحمد الصادق كواليس الخطة الهيكلية للتمويه والإخفاء الشديدين؛ حيث أُشيع رسمياً أن المدمرة مغادرة إلى باكستان لإجراء "عمرة إصلاح وتجديد"، وأثناء التوقف في ميناء عدن (باليمن الجنوبي)، كان الطاقم يجيب على استفسارات الأهالي والملايين بضمان التوجه لباكستان، كما شملت الترتيبات زيارة ميناء "بربرة" في الصومال ليكون ميناءً تبادلياً واستراتيجياً في حال حدوث أي طارئ بميناء عدن.
وفي عصر يوم 5 أكتوبر (الساعة 5 مساءً)، وعقب خروج المدمرة "الفاتح" إلى المياه الدولية بالبحر الأحمر حتى لم يعد يُرى إلا السماء والماء، دوت أجراس الإنذار والإذاعة الداخلية: "السادة الضباط مطلوبين في الميز" (قاعة الاجتماعات والطعام).
دخل قائد المدمرة (العميد أ.ح بدر إبراهيم)، وفتح ظرفاً مغلقاً بالمع المنسك بالأحمر، وقال كلماته التاريخية:"بسم الله الرحمن الرحيم.. صدر أمر القتال، وده اليوم اللي بننتظره".
وتضمنت الأوامر التوجه للتموقع في أضيق نقطة بالبحر الأحمر (مضيق باب المندب) في تمام الساعة 12 ظهراً يوم 6 أكتوبر (قبل ساعة الصفر بساعتين)، مع تعليمات مشددة بتدمير أي سفينة إسرائيلية تحاول العبور. وقبلها بيومين، كان القائد قد وجه الرائد أحمد الصادق لمراجعة دقيقة وشاملة لجاهزية كافة المدافع والتسليح، لتبدأ الملحمة دون تسريب أو وسيلة تواصل مع الخارج.
يوضح اللواء بحري أركان حرب أحمد محمد الصادق أنه بحلول الساعة 12 ظهراً يوم 6 أكتوبر، كانت المدمرة في موقعها المحدد على بعد 1200 ميل بحري عن الميدان الرئيسي بمصر. ومع غياب الاتصالات، فتح الطاقم أجهزة الراديو على الموجات القصيرة للتقاط أخبار الوطن.
وكان البيان الأول يتحدث عن تصدي قواتنا لعدوان إسرائيلي بالمنطقة، حتى أُذيع البيان رقم 7 الذي أعلن نجاح القوات المسلحة في رفع علم مصر على الضفة الشرقية لقناة السويس. وتجاوبت جنبات المدمرة بـ صيحات "الله أكبر" ودموع الفرحة والاستبشار بالنصر.
اعتراض وتفتيش 199 سفينة عبر إنزال مجموعات الاقتحام البحرية.
إغلاق ميناء إيلات بالكامل وحرمان إسرائيل تماماً من حركة التصدير والاستيراد البحري.
حرمان إسرائيل من 83 مليون طن من البترول، وهو الوقود الحيوي المحرك للمدرعات والطائرات والوحدات العسكرية الإسرائيلية.
ويستشهد اللواء أحمد الصادق بحجم التأثير المباشر لعملية باب المندب، مشيراً إلى أن وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر طلب رسمياً من الرئيس أنور السادات فتح المضيق؛ حيث استمر الحصار البحري المصري نافذاً لمدة 3 أشهر كاملة بعد انتهاء الحرب.
ويضيف الصادق نقلاً عن مذكرات المشير عبد الغني الجمسي، أن قادة إسرائيل في مفاوضات الكيلو 101 كانوا يتوسلون للجانب المصري لفتح المضيق لإعادة شريان الطاقة والملاحة للداخل الإسرائيلي.
يكشف اللواء بحري أركان حرب أحمد محمد الصادق، مدير الكلية البحرية الأسبق، عن إحدى العمليات البطولية التي ظلت طيل عقود بعيدة عن الإعلام، والتي وقعت في يونيو 1967 فور النكسة.
فقد أرسل العدو الإسرائيلي غواصة حربية تمركزت قبالة ميناء الإسكندرية، وعلى متنها 6 من عناصر الضفادع البشرية للتسلل وتدمير المدمرات القوات البحرية المصرية المرابطة بالميناء.
ويروي اللواء الصادق، مستشهداً بما نُشر في الكتب العسكرية الإسرائيلية نفسها، كيف تم إحباط المخطط بالكامل:كانت هناك تعليمات صارمة بعدم تثبيت أي وحدة بحرية في مكانها، بل تحريك كافة المراكب والمدمرات ليلاً باستمرار وإلقاء العبوات الأعماق التحذيرية في المياه.
يقظة جندي مصري كان يقف على حاجز الأمواج بحوزته كشاف ضوئي ضخم مقاس 20 بوصة، يقوم بإضاءته وإطفائه بشكل دوري كاسحاً سطح الماء،كشفت تسلل إسرائيلي.
وأصيب عناصر الضفادع البشرية الستة بالرعب والارتباك الشديد نتيجة المسح الضوئي المستمر والتحركات التكتيكية؛ مما منعهم من اختراق حاجز الأمواج أو اقترابهم من أي مدمرة مصرية، وتمت سيطرة القوات المصرية وأسر الضفادع البشرية الستة بالكامل واستجوابهم، مع إصابة غواصتهم التي نجت بصعوبة بالغة وحصل قائدها في إسرائيل على وسام لتمكنه من العودة بها متضررة.
ويختتم اللواء بحري أركان حرب أحمد محمد الصادق شهادته بالحديث عن كتاب "المعركة الأخيرة لإيلات" للمقدم الإسرائيلي "إسحاق بن شوشان" (قائد المدمرة إيلات الذي أُصيب بكسر في ثلاث فقرات بعموده الفقري أثناء غرقها)، مشيراً إلى أن ما دونه القائد الإسرائيلي عن صراخ وعويل طاقمه وقوة الصواريخ البحرية المصرية التي أطلقتها لنشات صغيرة بعد 4 أشهر فقط من نكسة 67، يظل وسام فخر يعكس معدن الجندي المصري، مؤكداً أن القوات البحرية والمقاتل المصري كانوا وما زالوا على أعلى درجات الاستعداد القتالي لحماية أمن مصر القومي على مدار الساعة.
13 أكتوبر 2026 04:26 م
13 أكتوبر 2026 05:01 م
12 أكتوبر 2026 02:27 ص
11 أكتوبر 2026 08:58 م
10 أكتوبر 2026 05:32 م
أكثر الكلمات انتشاراً