السبت، 10 أكتوبر 2026
02:31 ص
بحكم دراستي للإعلام والتسويق، هناك قاعدة بسيطة تعلمتها وأراها منطقية جدًا في عالم بناء العلامات التجارية (Branding): الشركات تنفق سنوات وأموالًا ضخمة حتى تثبت هويتها في عقل الجمهور، ثم تحاول الحفاظ عليها لأطول فترة ممكنة.
"المنتجات تُصنع في المصانع، لكن العلامات التجارية تُبنى في العقول"، عبارة تُنسب إلى والتر لاندور، مؤسس شركة Landor المتخصصة في بناء العلامات التجارية، وأجدها معبرة عن الفكرة الأساسية؛ فاللوجو ليس مجرد رسمة توضع على واجهة فرع أو في نهاية إعلان، والاسم التجاري ليس مجرد كلمة تُكتب على المنتج.
وراء كل منهما استثمارات ضخمة في الإعلان والتسويق وتجارب العملاء، والأهم سنوات من التكرار حتى يصبح الاسم واللون والشكل جزءًا من ذاكرة الجمهور، وعندما تضطر الشركة إلى تغيير هويتها، يفترض أن يكون وراء القرار سبب استراتيجي واضح، سواء كان تحولًا في نموذج الأعمال، أو دخول أسواق جديدة، أو إعادة تموضع للعلامة التجارية.
تطوير الهوية لا يعني بالضرورة التخلي عن كل ما سبق وبناء علامة جديدة من الصفر، فقد يكون التغيير تدريجيًا، يحافظ على العناصر المألوفة للجمهور ويضيف إليها ما يتناسب مع استراتيجية الشركة الجديدة.
من هنا، لفت انتباهي ما حدث مع "اتصالات مصر" خلال السنوات الأخيرة، فبعد انتقال المجموعة من اسم "اتصالات" إلى "e&" في إطار تحول استراتيجي أوسع، ثم ظهور صيغة "اتصالات من e&" واستخدام اسم "e&"، تعود الشركة الآن إلى اسم "اتصالات مصر" بهوية بصرية جديدة، في تغيير جديد خلال فترة زمنية قصيرة نسبيًا.
لا أتحدث عن القرار باعتباره خطأ بالضرورة، ولا أرى أن تغيير الهوية في حد ذاته أمر سلبي، فإذا تغيرت استراتيجية الشركة أو ظهرت أهداف تجارية جديدة تستدعي إعادة تعريف موقع العلامة في السوق، فمن الطبيعي أن تعيد النظر في هويتها.
السؤال الذي يفرض نفسه من زاوية تسويقية هو: هل يحتاج الجمهور فعلًا إلى كل هذه التغييرات المتقاربة؟ هذه ليست مسألة شكلية؛ ففريق التسويق يرى استراتيجية كاملة وراء تغيير الاسم أو اللون أو اللوجو، بينما يرى العميل اسمًا وشكلًا وذاكرة وتجارب متراكمة.
العميل لا يتابع بالضرورة المبررات الاستراتيجية وراء كل تحول، لكنه يعرف اسم الشركة وعلامتها وألوانها، وربما يتذكر إعلانًا ارتبط بها أو تجربة رسخت صورتها في ذهنه، ومع تكرار التغيير، قد يتساءل: "هو اسم الشركة إيه؟"، ويحتاج إلى وقت لاستيعاب الهوية الجديدة، خصوصًا إذا مست التحولات الاسم والعناصر البصرية التي اعتاد عليها.
هنا تظهر أهمية ما يسميه المتخصصون "قيمة العلامة التجارية" (Brand Equity)، وهي قيمة لا تتشكل من الشعار وحده، وإنما من مجمل الارتباطات الذهنية والتجارب التي تتراكم حول العلامة بمرور الوقت.
ديفيد أكر، أحد أبرز المتخصصين في إدارة العلامات التجارية، يركز على أهمية بناء ارتباطات قوية ومميزة في ذهن المستهلك، ومن هذا المنطلق، لا يقتصر نجاح العلامة على أن يكون تصميمها جذابًا، بل يمتد إلى قدرة الجمهور على التعرف عليها وتذكرها وربطها بتجربة أو قيمة تميزها عن المنافسين.
لا تستثمر الشركات في بناء العلامة التجارية لمجرد امتلاك شعار جديد، وإنما لبناء ارتباطات ذهنية مستقرة تجعل الجمهور يتعرف عليها ويميزها عن غيرها، ولهذا، فإن نجاح التصميم البصري لا يعني بالضرورة نجاح الهوية في ترسيخ مكانتها بذاكرة الجمهور.
بالطبع، لا يعني تغيير الاسم أو الشعار أن الشركة تفقد تلقائيًا كل ما بنته في السنوات السابقة، إذ يمكنها نقل جزء كبير من قيمة علامتها إلى الهوية الجديدة، خصوصًا إذا حافظت على عناصر مألوفة أو أوضحت للجمهور ما الذي تغير ولماذا، لكن حجم ما يمكن الحفاظ عليه يتوقف على طبيعة التغيير ومدى ارتباط المستهلكين بالعناصر القديمة.
الأمر لا يتعلق بما إذا كان اللوجو الجديد أجمل من السابق، أو أكثر حداثة واتساقًا مع توجهات التصميم الحالية، وإنما بما إذا كان التغيير يضيف قيمة استراتيجية إلى العلامة التجارية، ويستحق ما يتطلبه من استثمارات وجهد لإعادة ترسيخها في السوق. والسؤال الأهم هو: هل يخدم التغيير استراتيجية الشركة، أم أن الشركة أصبحت تغير هويتها أسرع من قدرة الجمهور على استيعابها؟
هذه نقطة مهمة لأي مسؤول عن العلامة التجارية؛ لأن تطوير الهوية شيء، وإعادة تعريف العلامة التجارية بالكامل شيء آخرـ ففي الحالة الأولى، تحافظ الشركة على ما راكمته عبر السنوات وتضيف إليه تدريجيًا، أما في الحالة الثانية، فهي تخاطر بأن تضطر إلى دفع تكلفة جديدة حتى يتعلم الجمهور مرة أخرى الاسم والشكل والرسالة.
الأهم أن تغيير الهوية لا ينتهي لحظة إطلاق اللوجو الجديد، فبعدها تبدأ فاتورة أخرى تشمل تحديث الفروع والتطبيقات والمواقع الإلكترونية والإعلانات واللافتات والمواد المطبوعة وسيارات الشركة وملابس الموظفين، إلى جانب مختلف نقاط الاتصال بين العلامة والجمهور، وبالتالي، فإن السؤال عن تكرار تغيير الهوية ليس سؤالًا بصريًا فقط، وإنما سؤال اقتصادي وتسويقي أيضًا.
للإنصاف، فإن انتقال مجموعة اتصالات إلى "e&" في عام 2022 لم يكن مجرد تغيير شكلي، وإنما جاء في إطار توجه استراتيجي أوسع، أرادت من خلاله المجموعة تقديم نفسها باعتبارها مجموعة تكنولوجيا واستثمار، وليس فقط شركة اتصالات.
بالتالي، كان هناك منطق يمكن فهمه وراء الانتقال من "اتصالات" إلى "e&"، لكن مع العودة الآن إلى "اتصالات مصر"، يصبح من الطبيعي أن يتساءل المتابع: ما الذي تغير مرة أخرى خلال هذه الفترة القصيرة إلى الدرجة التي تستدعي إعادة النظر في الهوية؟ ليس بالضرورة أن تكون الإجابة سلبية.
قد تكون هناك استراتيجية جديدة تمامًا، وقد تكون العودة إلى "اتصالات" محاولة للاستفادة من الحضور القوي الذي يتمتع به الاسم في ذاكرة السوق المصرية، وقد يكون اللوجو الجديد نفسه جزءًا من إعادة تموضع محسوبة للعلامة.
كل هذه احتمالات منطقية، لكنها لا تمثل بالضرورة الأسباب الفعلية التي دفعت الشركة إلى اتخاذ القرار، وما يستحق النقاش فعلًا هو أن العلامة التجارية تحتاج إلى الاستقرار بقدر حاجتها إلى التطور، وفي رأيي، لا توجد مشكلة في أن تغير الشركة هويتها عندما يتطلب السوق أو الاستراتيجية ذلك.
المشكلة تبدأ عندما يصبح تغيير الهوية هدفًا في حد ذاته، أو عندما يصبح التغيير أسرع من الوقت الذي يحتاجه الجمهور لبناء ارتباط حقيقي بالهوية الجديدة.
الـ"Branding" ليس معرضًا لتصميمات اللوجوهات، بل هو استثمار طويل الأجل في ذاكرة الجمهور. والشركة الذكية ليست بالضرورة التي تستطيع ابتكار لوجو جديد كل فترة، وإنما التي تعرف متى يجب أن تغير، ومتى يكون الحفاظ على ما بنته لسنوات هو القرار التسويقي الأفضل.
وفي حالة "اتصالات مصر"، ربما تكون الهوية الجديدة هي التي ستستقر عليها الشركة لسنوات قادمة، لكن الاختبار الحقيقي لن يكون في يوم إطلاقها، حين تنتشر صورها وتتحدث الشركة عن مميزاتها، وإنما بعد أن تهدأ الحملة الإعلانية ويعود الجمهور إلى حياته الطبيعية.
عندها فقط سيظهر ما إذا كانت الشركة قد نجحت في بناء هوية تجمع بين إرث اسمها المعروف ومتطلبات استراتيجيتها الجديدة، أم أنها بدأت رحلة أخرى لإعادة تعريف نفسها في ذاكرة المستهلك.
09 أكتوبر 2026 10:45 م
09 أكتوبر 2026 10:37 م
09 أكتوبر 2026 08:21 م
09 أكتوبر 2026 06:50 م
أكثر الكلمات انتشاراً