الجمعة، 09 أكتوبر 2026
10:56 م
الرئيس جمال عبدالناصر
في يوليو 1967، بعد مرور أسابيع قليلة من هزيمة يونيو، كانت مصر أمام مهمة تتجاوز إعادة ترتيب صفوف القوات المسلحة، فالمعركة التي انتهت بخسارة "سيناء"، فرضت ضرورة مراجعة الخسائر وتحديد الاحتياجات وتقدير الإمكانات المتاحة لاستعادة القدرة على المواجهة.
في هذه اللحظة، جاءت أوراق بخط الرئيس الراحل جمال عبدالناصر لتوثق جانبًا من تقييم الموقف بعد الخامس من يونيو، وحصر الخسائر العسكرية، ومراجعة ما تعرضت له مواقع العدو من تدمير، وتقدير احتياجات القوات المسلحة، لتظهر ملامح مرحلة بدأت فيها القيادة المصرية التعامل مع نتائج الهزيمة بالأرقام والتفاصيل، تمهيدًا لعملية إعادة بناء طويلة.
وتكتسب هذه الأوراق أهميتها من توقيتها، إذ تعود إلى يوليو 1967، أي الشهر التالي للنكسة، حين كانت صورة الخسائر لا تزال حاضرة، فيما بدأت تتحدد الأسئلة المتعلقة بكيفية استعادة القوة العسكرية، وتعويض ما فُقد، والاستعداد لمرحلة جديدة من الصراع.

كانت حرب يونيو قد تركت القوات المسلحة المصرية أمام خسائر كبيرة، خصوصًا في سلاح الطيران، فيما انتهى القتال باحتلال إسرائيل سيناء ووصول قوات العدو إلى الضفة الشرقية لقناة السويس، لتفتح الأوراق التي كتبها عبدالناصر نافذة على جانب آخر من المشهد، يتعلق بكيفية تقييم ما حدث والتعامل مع نتائجه بالأرقام والتفاصيل.


وإلى جانب الصورة العامة للخسائر، تُظهر الأوراق متابعة لعناصر محددة من الموقف العسكري، تشمل الطائرات والطيارين والمعدات، وما تحتاج إليه القوات المسلحة لتعويض ما فقدته، ولم يكن هذا الحصر مجرد تسجيل لما حدث، بل خطوة ضرورية لتحديد حجم الفجوة بين الإمكانات المتاحة والقدرات التي تحتاج إليها مصر في المرحلة التالية.

من بين التفاصيل التي تتضمنها الأوراق، تسجيل يتعلق بالتعامل مع 61 دُشمة للعدو، مع تصنيف النتائج إلى ثلاث فئات: تدمير كامل بنسبة 26%، وتدمير جزئي بنسبة 48%، وعدم حدوث تدمير بنسبة 26%.

وتعني هذه النسب توزيع نتائج التعامل مع الدشم المستهدفة، وليس تقسيم الميزانية أو توزيع الموارد اللازمة لإعادة التسليح، فالنسبة الأولى تشير إلى الدشم التي دُمّرت، والثانية إلى التي تعرضت لتدمير جزئي، والثالثة إلى التي لم تتعرض للتدمير، ويصل مجموع النسب الثلاث إلى 100%، بما يعكس تقسيم الحالات التي تناولها التقييم إلى الفئات المذكورة.
وتكشف هذه الملاحظة جانبًا من طبيعة الحصر الوارد في الأوراق، إذ لم يقتصر التقييم على تقدير الخسائر الكبرى، بل امتد إلى نتائج محددة مرتبطة بالتعامل مع مواقع العدو.
إذا كانت الأوراق المتعلقة بالموقف العسكري تركز على الخسائر والاحتياجات، فإن أوراقًا أخرى توسع دائرة الحساب لتصل إلى الموارد المالية وتكلفة إعادة البناء.
فإعادة تسليح القوات المسلحة لم تكن قرارًا يمكن تنفيذه بمجرد إصدار الأوامر، إذ احتاجت إلى توفير الطائرات والدبابات والذخائر والصواريخ ووسائل الاتصال، إلى جانب المعدات اللازمة للتشغيل والصيانة والتدريب.
وكانت هذه الاحتياجات مطروحة في وقت واجهت فيه الدولة أعباء اقتصادية إضافية بعد الحرب، من بينها إغلاق قناة السويس وما ترتب عليه من ضغوط على موارد الدولة والنقد الأجنبي.
وبذلك أصبحت الموارد المالية جزءًا أساسيًا من حسابات استعادة القدرة العسكرية، فالمطلوب لم يكن توفير الأسلحة مرة واحدة فحسب، وإنما ضمان استمرار عملية إعادة البناء، وتوفير ما تحتاج إليه القوات المسلحة من معدات وذخائر وتدريب، وتقدير الاحتياجات العسكرية يتطلب حساب تكلفتها ومقارنتها بالإمكانات المتاحة، ثم تحديد الأولويات التي تسمح للدولة بالتعامل مع حجم الخسائر.
لم يكن تعويض المعدات التي فُقدت في يونيو كافيًا وحده لإعادة القوات المسلحة إلى وضع يسمح لها بخوض مواجهة جديدة، فامتلاك الطائرات لا يعني بالضرورة القدرة على استخدامها بكفاءة، كما أن توفير الأسلحة لا يضمن وحده حماية القوات والمواقع من الضربات الجوية.
ولهذا ارتبطت عملية إعادة البناء بمجموعة من الملفات المتداخلة، شملت التسليح والتدريب وإعادة تنظيم القوات ورفع كفاءة الأفراد، إلى جانب تطوير قدرات الطيران والدفاع الجوي.
وتكشف الأوراق عن تعدد الجوانب التي كان ينبغي التعامل معها، من حصر الخسائر إلى تحديد الاحتياجات والموارد، لكنها لا تمثل بمفردها خطة شاملة لكل مراحل إعادة بناء الجيش، بل توثق جوانب من تقييم الموقف في مرحلة مبكرة من أعقاب الهزيمة.
وفي الفترة التالية للحرب، حصلت مصر على إمدادات عسكرية سوفيتية واسعة لتعويض جانب من خسائرها، وبدأت عملية ممتدة لإعادة تجهيز القوات المسلحة وتطوير قدراتها، غير أن وصول المعدات لم يكن نهاية المهمة؛ إذ احتاجت القوات إلى تدريب الأطقم واستيعاب الأسلحة الجديدة وإعادة تنظيم وحداتها.
واتسعت مهمة ما بعد النكسة من تعويض ما فُقد إلى العمل على استعادة قدرة عسكرية يمكن الاعتماد عليها في مواجهة طويلة.
كان التفوق الجوي الإسرائيلي أحد العوامل التي كشفت حرب يونيو عن خطورتها، وهو ما جعل إعادة بناء القدرات الجوية والدفاع الجوي من الملفات الأساسية في السنوات التالية، فالمشكلة لم تكن في عدد الطائرات وحده بل في قدرة مصر على حماية المطارات والقواعد والمنشآت والقوات البرية، والحد من حرية الطيران الإسرائيلي في تنفيذ الهجمات.
ومع اتضاح حجم التحدي، أصبحت منظومات الدفاع الجوي والتدريب على استخدامها جزءًا محوريًا من عملية إعادة البناء، وتظهر الوثائق الأمريكية اللاحقة أن القاهرة واصلت الضغط على الاتحاد السوفيتي للحصول على مزيد من المعدات والقدرات، خصوصًا في مجال مواجهة التفوق الجوي الإسرائيلي.

وفي يناير 1970، زار عبدالناصر موسكو سرًا لطلب مزيد من المساعدة العسكرية، في وقت كانت فيه الغارات الإسرائيلية تمثل ضغطًا متزايدًا على الجبهة المصرية والعمق المصري، وتوضح الوثائق أن تعزيز الدفاع الجوي كان من أبرز الملفات المطروحة، مع استمرار المخاوف من الفجوة بين القدرات الجوية المصرية والإسرائيلية.
وتكشف هذه المرحلة أن إعادة بناء القوة لم تكن عملية انتهت بمجرد وصول دفعات السلاح الأولى، بل ظلت مرتبطة بتقييم ما تحتاج إليه مصر، وما يمكن الحصول عليه ومدى قدرة القوات المسلحة على استيعاب المعدات الجديدة واستخدامها.
بينما كانت القوات المسلحة تعيد تنظيم صفوفها وتطوير قدراتها لم تتوقف المواجهة مع إسرائيل، ودخل الطرفان مرحلة حرب الاستنزاف التي شهدت عمليات عسكرية متواصلة على الجبهة خاصة في محيط قناة السويس.
وأصبحت هذه المرحلة جزءًا من المشهد الذي تداخلت فيه المواجهة العسكرية مع عملية إعادة بناء الجيش، فالقوات المصرية كانت مطالبة برفع جاهزيتها وتطوير قدراتها، بينما استمرت العمليات في اختبار إمكاناتها في الميدان.
ولم تكن حرب الاستنزاف مجرد فترة انتظار حتى تكتمل عملية التسليح، بل كانت مرحلة من الصراع نفسه، لها حساباتها وخسائرها وأعباؤها، بالتوازي مع جهود تطوير القوات المسلحة.
وفي الوقت ذاته، استمرت مصر في الحصول على دعم عسكري سوفيتي، مع تركيز متزايد على الدفاع الجوي ومع مرور الوقت تطورت القدرات المصرية في هذا المجال، وإن ظلت الفجوة في الطيران والتسليح من التحديات التي واجهتها القاهرة خلال تلك السنوات.
كان تطوير الدفاع الجوي أحد أبرز مسارات إعادة بناء القوات المسلحة بعد النكسة، ومع توسع شبكة الصواريخ والرادارات وتحسين تدريب الأطقم، عملت مصر على الحد من قدرة الطيران الإسرائيلي على التحرك بحرية فوق الجبهة المصرية.
ووصل هذا المسار إلى مرحلة عُرفت باسم "حائط الصواريخ"، التي مثّلت تطورًا مهمًا في بناء منظومة دفاع جوي أكثر قدرة على مواجهة الهجمات الجوية.
ولم يظهر هذا الحائط نتيجة قرار منفرد أو ورقة واحدة من أوراق يوليو 1967 بل جاء ثمرة عملية ممتدة شملت التسليح والتدريب وتطوير أساليب التشغيل، وتفاعلت مع تطورات حرب الاستنزاف والاحتياجات التي فرضتها المواجهة.

وتشير تقديرات في الفترة التالية إلى تحسن قدرات الدفاع الجوي المصرية مقارنة ببدايات ما بعد يونيو، بما قلّص قدرة إسرائيل على تنفيذ بعض أنماط الهجمات الجوية العميقة، ومع ذلك لم يعني هذا التطور اختفاء الفجوة العسكرية بين الطرفين، وإنما كان جزءًا من تغيير تدريجي في الظروف التي ستجري فيها أي مواجهة لاحقة.
عند قراءة أوراق يوليو 1967 في سياقها، تظهر مجموعة من الملفات التي كانت مطروحة أمام القيادة المصرية في أعقاب الهزيمة: تقييم الموقف العسكري، وحصر الخسائر، ومراجعة نتائج التعامل مع مواقع العدو، وتحديد احتياجات القوات المسلحة، وتقدير الموارد المالية اللازمة.
وتوضح هذه الملفات أن الطريق إلى استعادة القدرة العسكرية لم يكن خطوة واحدة، بل سلسلة من المهام التي احتاجت إلى قرارات متتابعة ووقت طويل، حيث بدأ الأمر بتقييم ما حدث وما بقي من الإمكانات، ثم اتسع إلى إعادة التسليح والتدريب وتطوير الدفاع الجوي، بالتوازي مع استمرار المواجهة في حرب الاستنزاف.
لكن من المهم التمييز بين ما تثبته الأوراق مباشرة وما تكشفه الوقائع اللاحقة؛ فالأوراق توثق جوانب من تقييم الموقف في يوليو 1967، بينما جاءت مراحل إعادة البناء وحائط الصواريخ وحرب الاستنزاف نتيجة مسار امتد خلال السنوات التالية، ولم تكن تفاصيله كلها محسومة في تلك الأوراق المبكرة.
توفي عبدالناصر في سبتمبر 1970، قبل اندلاع الحرب بثلاث سنوات ولم إلى حرب أكتوبر 1973، لكن عملية إعادة بناء القوات المسلحة كانت قد بدأت في عهده، واستمرت بعد وفاته في ظل قيادة الرئيس الراحل محمد أنور السادات.
وبين يوليو 1967 وأكتوبر 1973، مرت مصر بمراحل متعددة من إعادة التسليح والتدريب وتطوير الدفاع الجوي وخوض حرب الاستنزاف، وهي مراحل ساهمت في تغيير وضع القوات المسلحة مقارنة بالأيام الأولى التي أعقبت النكسة.
ولهذا لا تختصر أوراق عبدالناصر الطريق إلى أكتوبر، لكنها تعيدنا إلى بدايته: إلى اللحظة التي كان فيها حجم الخسائر يحتاج إلى حصر، والاحتياجات العسكرية تحتاج إلى تقدير والموارد المالية تحتاج إلى حساب والقدرة على المواجهة تحتاج إلى إعادة بناء.
من هنا بدأت مرحلة جديدة، لم يكن فيها النصر قريبًا أو مضمونًا، ولم تكن إعادة بناء الجيش مهمة سهلة أو سريعة، كان هناك مسار طويل من التسليح والتدريب والتطوير والقتال امتد بعد وفاة عبدالناصر حتى خاضت مصر حرب أكتوبر 1973.
اقرأ أيضًا
الثلاثة يشتغلونها.. كرسي عبدالناصر الشاغر وأحلام رجال يوليو بعد رحيله بـ6 أيام
09 أكتوبر 2026 09:29 م
09 أكتوبر 2026 09:25 م
09 أكتوبر 2026 08:53 م
09 أكتوبر 2026 08:14 م
أكثر الكلمات انتشاراً