الأربعاء، 14 أكتوبر 2026
02:54 ص
الشيخ عبد الحميد كشك (10 مارس 1933 – 6 ديسمبر 1996)، هو شيخ أزهري تحوّل في الذاكرة الشعبية إلى رمز للصوت العالي والجرأة، لكنه في الواقع أحد أخطر صُنّاع الوعي الزائف في التاريخ الديني والسياسي المصري الحديث. لم يكن كشك عالمًا ولا فقيهًا، ولم يقدّم مشروعًا معرفيًا حقيقيًا، بل كان خطيبًا انفعاليًا يمزج بين القصص المختلقة والتهريج السياسي، ويغذي مشاعر الجماهير على حساب العقل والمنطق.
لقد كان ظاهرة صوتية أكثر من كونه ظاهرة علمية؛ إذ استغل الوجدان الشعبي لخدمة مشروع الإسلام السياسي.
كشك لم يترك أي إنتاج علمي أو فقه حقيقي، بل مجموعة خطب قائمة على أحاديث ضعيفة، وروايات بلا سند، وقصص بعيدة عن الواقع. جمهور كشك كان يخرج من مسجده بانفعال وغضب، وليس بفهم، مع إحساس دائم بأن الدولة «عدو الدين» والمجتمع «منحرف». لقد حوّل الوعظ الديني إلى تسلية جماهيرية عاطفية، وجعل الانفعال معيارًا للحق.
أشهر ما اتسمت به خطب كشك هو اختلاقه روايات عن التعذيب، تهدف إلى إثارة العواطف وتشويه التاريخ مثل:
في إحدى خطبه، ادعى عبد الحميد كشك أن الرئيس جمال عبد الناصر اخترع طريقة لقتل المعتقلين من جماعة الإخوان المسلمين أطلق عليها "طريقة الحصر". ووفقًا لما رواه كشك، كان عبد الناصر يرسل بصفائح الملوحة إلى حمزة البسيوني، قائد السجن الحربي، الذي كان يجمع المعتقلين المراد تطبيق الطريقة عليهم، ويجبرهم على تناول الملوحة بلا توقف مع شرب الماء المثلج، وبعد ذلك يضع زبانية عبد الناصر أشرطة لاصقة على فتحة التبول لديهم لمنعهم من التبول، مما يؤدي، بحسب كشك، إلى موتهم نتيجة تسمم أجسادهم بالبول.
في إحدى خطبه، ذكر كشك أن عبد الناصر كان يستخدم عبارة سرية لإعطاء أوامر بقتل المعتقلين. فحين يرفع السماعة ويقول لحمزة البسيوني كلمة "فورهم!"، كان يقصد بها دفن المعتقلين أحياء في حفرة بالصحراء، بحيث تبقى رؤوسهم ظاهرة أولًا، ثم يُرمي التراب عليهم تدريجيًا حتى يُغطوا بالكامل.
كما ذكر كشك في خطبة أخرى أن أقل جرعة جلد كانت ألف جلدة في اليوم، أما العدد الطبيعي في المرة الواحدة فكان خمسة آلاف جلدة، وأن أوامر الجلد كانت تصدر من مكتب عبد الناصر بخط يده وتوقيعه وختمه، بحسب قوله.
وفي خطبة أخرى، وصف كشك القيادية الإخوانية زينب الغزالي بأنها أطهر وأشرف سيدة مسلمة، وروى موقفًا يدل على حيائها وصدق لسانها، حين قال لها حمزة البسيوني: "هبعت لك عسكري يكيفك في الزنزانة"، فردت عليه: "العسكري ده تبعته لأمك!"
كما زعم كشك أن عبد الناصر والمشير عبد الحكيم عامر أرسلا إليه في عام 1965 طالبين منه منحهما البركة لإعدام سيد قطب، ومتوسلين إليه أن يخصص خطبة الجمعة للدعاء للرئيس والمشير والتنديد بسيد قطب وجماعة الإخوان، لكنه رفض، الأمر الذي أدى بحسبه إلى اعتقاله.
وفي خطب أخرى، تحدث كشك عن موكب البابا شنودة، قائلاً إن موكبه يتكون من 360 عربة ستيشن، ويصف دخوله القاهرة كالفاتحين، مشبهًا موكبه بموكب نابليون بونابرت. كما أشاد كشك بموشي ديان، الذي، حسب قوله، لقّن الرئيس عبد الناصر والمشير عامر "علقة ساخنة"، دفعت عبد الناصر بعد انتصار اليهود على مصر إلى رفع سوط العذاب عن الإخوان.
وأخيرًا، لم يتوانَ كشك عن توجيه السباب والاتهامات للشعب المصري، مدعيًا أنه كان يؤيد عبد الناصر، ويخرج للشوارع هاتفًا:
"لا رجعية ولا إسلام! افرم… افرم يا جمال!"
وأن 99% من الظلم في العالم موجود في مصر.
كما حوّل كشك سيد قطب وزينب الغزالي إلى رموز مقدسة، ونسب إليها بطولات مزيفة لتعظيمها أمام الناس. كل هذه الروايات بلا دليل، لكنها خدمت هدفًا واحدًا: بناء أسطورة المظلومية الإخوانية.
أسلوب كشك يشبه ما نراه اليوم في صفحات التواصل الاجتماعي الصفراء: فقرة «تسليعية» لجذب الانتباه قبل الدخول في جدال سياسي أو ديني، كان كشك يخطب:
“يقولون ملك الوسط… فاروق جعفر…
يقولون ملك الترسو… فريد شوقي…
يقولون ملك العود… فريد الأطرش …
ثم يرتفع صوته: الملك هو الله!”
بهذه الطريقة، كان يهيّئ عقل المستمع لقبول رواياته عن الإخوان، السجون، عبد الناصر، وأحداث مفبركة مثل «المجاري التي طفحت في قبر عبد الناصر» و«موت عبد الناصر وهو يقول وثن وثن». جمع كشك الفن، السياسة، الدين والأساطير؛ من أم كلثوم وعبد الحليم إلى قصص ملفقة عن سيد قطب، وجولدا مائير وموشيه ديان.
نتيجة ذلك، كان الجمهور يخرج متأثرًا: يظن أن التكفير ميسّر، وأن جماعة الإخوان أفضل الخلق بعد الأنبياء، وأن المجتمع جاهل، وأن مصر تعاني من ظلم شامل. حتى قصص المعجزات أو تفاصيل الموت التي روّجها كشك كانت مبالغات فنية وسردية، جعلت المستمعين يخلطون بين الواقع والخيال، الدين والسياسة، الثقافة الشعبية والخرافة.
عداء عبد الحميد كشك للرئيس عبد الناصر لم يكن مجرد نقد للسياسات، بل صراع جوهري على “الشرعية”: من يحق له إدارة المجتمع، وما هو المعيار الذي يحدد الصواب والخطأ؟ كشك لم يكن مجرد واعظ، بل بوق للإخوان المسلمين وناطقًا بلسانهم، يستخدم خطابه لنقل رسائل الجماعة وتبرير أهدافها السياسية. الإخوان استخدموا الدين شعارًا للوصول إلى السلطة والسيطرة على المجتمع.
بالنسبة له، عبد الناصر لم يكن مجرد رئيس يُنتقد، بل تجسيدًا لدولة حديثة قائمة على المؤسسات، مركزية القرار، والمصلحة الوطنية التي تُفهم بعيدًا عن المرجعية الدينية التي يرفعها الإخوان. في نظر كشك، الدولة ليست مجرد جهاز حكم، بل إما أن تُقاس بالشرع أو تُعد طاغوتًا. لذلك أصبح عبد الناصر خصمًا وجوديًا لا يُحاور سياسيًا، بل يُهاجم أخلاقيًا ودينيًا.
الإخوان وكشك رفعوا شعارات الدين لتبرير استهداف الدولة الحديثة، ولإقناع الناس بأن ولاءهم يجب أن يكون للجماعة، لا للدولة. هزيمة 1967، على سبيل المثال، لم تُقرأ كفشل عسكري، بل كعقاب إلهي على اضطهاد الإخوان، والانتصارات تتحول إلى مؤامرات طاغوتية. بهذا المنطق، يتحول النقاش العقلاني إلى قاعدة إيمانية: من خالفنا جاهل، والولاء يتحول من الدولة إلى الجماعة.
بهذا الأسلوب، لم يكن هدف كشك بناء مشروع دولة، بل تثبيت ثنائية الخلاص/الضلال، وتحويل العداء للدولة إلى واجب ديني، والخلاف الوطني إلى حرب وجودية. كشك بهذا الشكل كان صانع أسطورة سياسية: يحوّل الدين إلى أداة للسيطرة، والخصم السياسي إلى عدو للإسلام، ويثبت مشروع الإخوان في وجدان الشعب، بعيدًا عن أي مشروع وطني حقيقي.
عندما جاء أنور السادات إلى الحكم، كانت مصر خارجة من مرحلة سياسية شديدة المركزية في عهد عبد الناصر، وكانت الساحة ممتلئة بالتوتر الأيديولوجي بين الناصريين واليساريين من جهة، وبين التيار الإسلامي الراكد وغير المنظم من جهة أخرى.
هنا وجد السادات في الإسلاميين — وعلى رأسهم الشخصيات الجماهيرية ذات التأثير العاطفي المباشر مثل عبد الحميد كشك — أداة سياسية يمكن استثمارها لإعادة تشكيل الخريطة الداخلية.
السادات كان بحاجة إلى كشك “الصوت”. خطابه الانفعالي، وانتشاره الواسع بين الشرائح الشعبية والطلبة، جعلاه عنصرًا مفيدًا في عدة نقاط:
تقويض النفوذ الناصري:
كان كشك يمثّل ماكينة هجومية صوتية ضد عبد الناصر، تحمل صدى الشارع، وتعيد إنتاج روايات شيطنة العهد السابق. هذا خدم السادات مباشرة في صراعه مع الناصريين، دون أن يرفع هو بنفسه هذا العبء.
خلق توازن سياسي داخل الجامعة والشارع:
السادات أطلق “التيار الديني” داخل الجامعات لمواجهة اليسار الذي كان القوة الأكبر هناك خلال السبعينيات. خطب كشك — خصوصًا شرائطه — لعبت دورًا في تشكيل المزاج المحافظ لدى الشباب، وعززت قوة التيار الإسلامي الذي أراده السادات سدًا في وجه الناصريين والشيوعيين.
تسكين الاحتقان الاجتماعي في فترة اقتصادية مضطربة:
في سنوات الانفتاح، تفاقمت أزمات المعيشة، وغياب العدالة الاجتماعية، وصعود “طبقة المنتفعين”. وجود صوت وعظي يفجّر الغضب في اتجاهات غير اقتصادية — كالغناء، الفن، المرأة، العلمانية، عبد الناصر… — كان مفيدًا لإعادة توجيه إحباط الشباب بعيدًا عن سياسات الدولة الاقتصادية.
ورغم هذا “التحالف غير المكتوب”، بقي كشك شخصية ذات طابع غير قابل للضبط. وبمجرد أن خرج نقده من مهاجمة عبد الناصر إلى انتقاد بنية نظام السادات نفسه — الانفتاح، رجال الأعمال الجدد، وتحديدًا كامب ديفيد — تحوّل من ورقة مفيدة إلى عبء سياسي.
في لحظة واحدة، وجد السادات نفسه أمام خطيب يملك جماهيرية ضخمة بسبب دعم نظام السادات له، ويهاجم خياراته الاستراتيجية على الملأ، ويرفض التطبيع، ويعيد إنتاج خطاب ديني رافض للسلام. ولذلك جاء اعتقاله في سبتمبر 1981 ليس كحادث معزول، بل كإغلاق لمرحلة كانت قائمة على التوظيف السياسي للإسلاميين، ثم فقدت قدرتها على الضبط.
مع وصول حسني مبارك إلى الحكم بعد اغتيال السادات، كانت الدولة في حالة توتر شديد تجاه الخطاب الديني المسيس، خصوصًا بعد صعود الجماعات الجهادية في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات.
القيادة الجديدة أدركت مبكرًا أن السماح لكشك بالعودة إلى المنبر يعني إعادة فتح “نافذة التعبئة العاطفية” للإسلام السياسي، وهو أمر لم تكن الدولة مستعدة له في ظل الانفجارات الإرهابية المتكررة.
من هنا اتخذ مبارك سياسة مختلفة تمامًا عن السادات:
الإفراج دون تمكين:
أُفرج عن كشك عام 1982 في إطار تهدئة عامة مع التيارات الإسلامية، لكن الإفراج كان منفصلًا تمامًا عن فكرة السماح له “بالعودة إلى المسرح”. هذا أسلوب حكم يقول: لن أصطدم بك… لكنك لن تعود لاعبًا مؤثرًا.
منع شامل من الخطابة والتسجيل:
الدولة حظرت عليه الخطابة في المساجد نهائيًا، ومنعت تسجيل خطبه، بل ومنعت ظهوره في أي منصة دينية علنية. الهدف لم يكن قمعًا مباشرًا، بل قطع الطريق على أن يتحول — مرة أخرى — إلى ظاهرة شعبوية تعيد إنتاج السبعينيات.
إدارة المزاج الشعبي بحذر:
مبارك كان يدرك أن كشك ليس مجرد خطيب؛ بل “مصنع تعبئة” قادر على خلق موجة غضب واسعة، لا يمكن التحكم في اتجاهاتها. لذلك فضّل تجنب الصدام، وفي الوقت نفسه تجنب تمكينه. هذا التوازن هو ما ميز سياسة مبارك: لا تُحرّض… ولا تُمكَّن… ولا تُعطى منصة.
حماية المجال العام من إنتاج وعي موازٍ:
الدولة كانت قلقة من تمدد الإسلام السياسي في الجامعات والمساجد. وكشك — بخطابه الانفعالي المبني على المظلومية والمؤامرة والطعن في الدولة — كان قادرًا على إعادة شباب الثمانينيات إلى نفس الحالة الذهنية التي غذّت جماعات العنف في السبعينيات. لذلك رأت السلطة أن منعه “ضرورة أمنية”، وليس قرارًا إداريًا فقط.
ومع مرور الوقت، ومع مرضه واعتزاله تدريجيًا، انتهى كشك إلى عزلة شبه كاملة، بلا منبر، بلا جمهور مباشر، وبلا قدرة على إعادة إنتاج نفسه داخل المجال العام.
شرائط كشك كانت «قنابل صوتية»:
انتشرت بين الشباب ودخلت البيوت.
أصبحت مرجعًا دينيًا بديلًا، زرعت الشك في الدولة، وغرست كراهية الفن والمرأة والمجتمع.
خلقت طبقة من المتدينين الغاضبين، وساهمت في تشوّه الوعي العام، وإنتاج «التدين الساخط».
لم تكن خطب عبد الحميد كشك مجرد أداء صوتي، بل كانت — على مستوى الوظيفة — خدمات مباشرة لمشروع الإسلام السياسي؛ إذ مهّدت لتقبّل المفاهيم القطبية مثل “الجاهلية” و“الطاغوت”، وصاغت وعيًا شعبيًا مشحونًا بالعداء للدولة وبالولاء العاطفي لجماعة الإخوان باعتبارها “الفرقة الناجية”. من خلال هذه الخطب، تمّ تهيئة الجمهور نفسيًا لقبول روايات المظلومية الجماعية التي شكلت أساس الخطاب الإخواني.
وتجاوز تأثيره الجانب الفكري إلى تشويه الذاكرة الوطنية عبر ضرب ثورة يوليو ورموزها، وإنتاج سرديات طائفية مشوهة، ونشر خرافات غذّت الانقسام المجتمعي. هذا كلّه صنع بيئة خصبة لنمو الفكر القطبي المتطرف، وخلق جيلًا كاملًا يعيش التدين بوصفه غضبًا واحتجاجًا لا فهمًا أو معرفة.
صناعة مظلومية شخصية وجماعية: هو ضحية = الإخوان ضحية = الدولة ظالمة
ومن هنا جاء الحصاد المرّ: تشويه العقل، نشر الخرافة، تسطيح الدين، تكريس الكراهية، تثبيت سردية المؤامرة، وضرب الثقة بين المواطن والدولة، بما مهّد لاحقًا لصعود التيارات الأكثر تطرفًا في الإسلام السياسي.
وصف الشيخ الألباني كشك بأنه «قصّاص وحواش يعتمد على أحاديث ضعيفة ومكذوبة»، ما يوضح أن تأثيره قائم على الإثارة العاطفية وليس على العلم أو المنطق.
إرث عبد الحميد كشك ليس فقهيًا ولا علميًا، بل خطابًا شعبويًا جمع الدين والسياسة والخرافة، وصنع عالمًا موازيًا في عقل الجمهور: الإخوان قديسون، الدولة شيطان، المجتمع جاهلية، التاريخ سلسلة مؤامرات.
خطيب صرخ كثيرًا، لكن ما قاله كان بعيدًا عن الحقيقة، وأقرب ما يكون إلى مشروع الإسلام السياسي في أكثر صوره شعبوية وخطورة.
13 أكتوبر 2026 11:26 ص
12 أكتوبر 2026 11:13 م
08 أكتوبر 2026 08:32 ص
07 أكتوبر 2026 09:54 ص
أكثر الكلمات انتشاراً