الثلاثاء، 13 أكتوبر 2026

08:33 م

الثلاثاء، 13 أكتوبر 2026

08:33 م

التعليق الرياضي في غرفة الإنعاش: كيف تحول زمن "الكورة أجوال" إلى عصر "الرغي والضجيج"؟

في مباراة القمة الأخيرة بين الأهلي والزمالك، التي انتهت بفوز الأهلي بهدفين دون رد، لم تكن النتيجة وحدها موضع الاهتمام؛ بل أثار أداء التعليق الصوتي تساؤلات عميقة حول معايير اختيار المعلّق الرياضي، والفرق الجوهري بين مجرد نقل أحداث المباراة وإضافة متعة حقيقية للمشاهدة.

فقد تفاوت الأداء مؤخراً بين تعثر بعض الجمل، وافتقاد الحيوية والتفاعل مع إيقاع اللعب؛ وهي ليست ملاحظات عابرة على مباراة بعينها، بقدر ما هي تساؤلات جوهرية تطرحها الساحة الرياضية: 
هل تكفي المعرفة الكروية أو الشهرة الرقمية لاختيار المعلّق؟ وأين تقف الموهبة الفطرية من سلامة النطق، والثقافة، والحياد، والقدرة على التعبير عن الحماسة دون مبالغة أو افتعال؟ 
إنَّ التعليق الرياضي مهنةٌ فريدة تجمع بين المعرفة، والموهبة، وسرعة البديهة؛ وهي عناصر أساسية لا يمكن للتوازنات الجانبية، أو لكثرة الظهور، أن تعوّض غيابها.

أولًا: روح الحماسة والمتعة.. حين تتحول العبارة إلى ذاكرة

التعليق الرياضي هو فن التقاط اللحظة ونقل إحساسها الدقيق؛ إذ قد يحوّل المعلّق ثواني معدودة إلى ذكرى حية تبقى لسنوات، حين تأتي عبارته في توقيتها الصحيح وتعبر عن الحدث بعفوية وصدق.
وعلى مر السنوات، تجلت هذه البصمات في مواقف شتى؛ فحين قال حازم الكاديكي: «صوتي راح.. صوتي راح!»، عبّرت العبارة عن انفعال صادق بلقطة استثنائية. أما خليل البلوشي، فقد صنع بصمته الخاصة بإيقاع عبارته: «طرب.. طرب.. طرب!»، وارتباط اسمه بعبارة «التاسعة بتوقيت الأهلي». ويقدم عامر عبدالله نموذجًا يعتمد على التواصل الإنساني حين قال: «أي أهلاوي يخلي الماتش ده في المكتبة.. اللي متضايق من حاجة في حياته هينسى همومه»، معبراً بلغة بسيطة عن فرحة المشجع. 
وفي السياق ذاته، ارتبط اسم عصام الشوالي بعبارته الأيقونية «القاضية ممكن!»، التي نبعت قوتها من توقيتها الحرج وما حملته من ترقب وانفعال.
ما يجمع هذه الأساليب المتنوعة هو أن الحماس لم يكن صراخًا مستمرًا، بل تعبير تصاعدي في لحظة حاسمة؛ وهنا يظهر الفارق الجلي بين العبارة العفوية التي تولد من قلب الحدث، والعبارة المصطنعة التي تستهدف فقط صناعة «تريند» زائل.

ثانيًا: الثقافة والخبرة والسرد.. ما وراء المستطيل الأخضر

انطلاقاً من تلك العفوية، يتضح أن الحماس وحده لا يصنع معلّقًا متميزًا؛ فالمشاهد يحتاج إلى تقديم معلومة مفيدة، أو تفسير تحرك تكتيكي، أو استحضار خلفية تاريخية تساعده على فهم أبعاد المباراة، دون تحويل التعليق إلى محاضرة أكاديمية جافة.
وتقدم مدارس عصام الشوالي، ورؤوف خليف، وحفيظ دراجي نماذج مختلفة في توظيف اللغة، والإيقاع، والجمع بين المعرفة الكروية وحسن التعبير. فالمعلّق المثقف يضع المباراة في سياقها التاريخي أو التكتيكي، لكنه يعرف متى يقدم المعلومة وكيف يختارها بعناية؛ فالثقافة ليست حشدًا عشوائيًا للمعلومات، والبلاغة ليست تحويل كل هجمة إلى قصيدة شعرية. المعلومة الجيدة هي التي تأتي في توقيتها لتضيف إلى فهم المشاهد لا أن تزاحم أحداث الملعب، كما لا تعني سرعة البديهة ملء كل لحظة صمت بالكلام، فقد تكون جملة قصيرة ودقيقة أبلغ بكثير من فقرة طويلة لا تقدم جديدًا.

ثالثًا: زمن التعليق المصري الجميل.. شخصيات لا تتكرر

هذا التوازن بين المعلومة والبساطة يعيدنا إلى الجيل الذهبي للتعليق المصري، حيث تجاوزت شهرة شيخ المعلقين الكابتن محمد لطيف كمعلّق شهرته كلاعب، وبقيت عباراته العفوية جزءًا من قاموس كرة القدم، مثل: «الكورة أجوال»، و«الجو النهارده جو كورة». لم تحتج هذه العبارات إلى تعقيد لغوي أو صراخ كي تستقر في أذهان الأجيال، بل كانت بساطتها سر بقائها الخالد.
أما الكابتن ميمي الشربيني، فقد امتلك خيالاً لغوياً وتصويرياً منح تعليقه طابعاً خاصاً، ومن عباراته: «من حواري ومصانع ومدارس الكرة»، ووصفه الشهير: «الراجل ده بيغزل برجل غراب».
تكشف هذه الأمثلة اختلاف البصمة الفنية؛ فمحمد لطيف اقترب من الجماهير بعبارات شعبية دارجة، بينما تميز ميمي الشربيني بالتصوير اللغوي الذي يرسم المشهد في ذهن المستمع. ولم يكن المطلوب يوماً أن يتشابه المعلّقون، بل أن يمتلك كل منهم شخصيته المستقلة؛ وهي رسالة بالغة الأهمية للمؤسسات الإعلامية اليوم، فصناعة المعلّق لا تعني إعادة إنتاج نسخ كربونية، بل تعني اكتشاف الموهبة الخام وتطوير أدواتها الخاصة لتصنع بصمتها الفريدة.

رابعًا: الحياد.. المعيار المهني الأهم

إلى جانب التميز في الأسلوب، يظل الحياد هو المعيار الذي لا يجوز التنازل عنه. فمن حق المعلّق أن يشجع النادي الذي يحبه، لكن الميكروفون المهني لا يجوز أن يتحول إلى امتداد للمدرج، أو وسيلة لتصفية الخلافات الشخصية.
الأزمة تكمن عندما تختلف معايير التقييم من فريق إلى آخر؛ فيصبح الخطأ الفادح «هفوة عابرة» إذا ارتكبه لاعب محبوب، بينما يُتخذ دليلًا على «الفشل الذريع» إذا ارتكبه لاعب من الفريق المنافس. ويزداد الأمر حساسية عندما يتعلق التقييم بلاعب شاب، أو لاعب انتقل مؤخراً إلى غريم تقليدي؛ فاللاعب يستحق دائماً أن يُقيَّم وفق عطائه داخل الملعب، لا وفق صراعات جانبة خارجه.
ولا يعني الحياد أن يمتنع المعلّق عن النقد، بل يعني منح كل طرف حقه العادل في الوصف، وتطبيق المعيار النقدي نفسه على الجميع دون تفرقة. فالمعلّق المحترف يثبت أن انتماءه لا يغيّر ميزان عدالته؛ فالميكروفون مسؤولية أخلاقية أمام جمهور يستحق أن يستمع إلى كرة القدم، لا إلى صراعات من يقفون خلفها.

خامسًا: سلامة النطق والإيقاع.. احترام اللعبة والجمهور

ويرتبط الحياد والمهنية بمدى احترام المعلّق لهوية اللعبة، والتي تظهر فوراً في تفاصيل دقيقة مثل طريقة نطقه لأسماء اللاعبين، وخاصة الأجانب منهم. فالأسماء جزء أصيل من هوية اللاعب وثقافته، ونطقها بصورة صحيحة ليس نوعاً من الاستعراض الثقافي، بل هو جزء أساسي من احترام المهنة والجمهور؛ وهناك فارقٌ جوهري بين اختلاف مقبول تفرضه طبيعة النقل اللغوي، وبين نطق مشوه يكشف غياب التحضير والاستسهال.
يواكب هذا التحضير ضبط الأدوات الصوتية؛ فالصوت هو الأداة الأولى للمعلّق، لكنه قد يتحول إلى عبء إذا اعتمد صاحبه على الصراخ المستمر بدلاً من توظيف نبراته وفقاً لسيناريو اللقاء. فارتفاع الصوت لا يعني بالضرورة زيادة الحماس. كما يتجلى غياب الأداء المهني في محاولة بعض المعلّقين صناعة بصمة وهمية بأي ثمن؛ فيعمدون إلى اختراع "لزمات" مصطنعة، أو "مط" الكلمات بطريقة مبالغ فيها وسخيفة، تخرج بالتعليق عن وقاره وتحوله إلى مادة مثيرة للسخرية والتندر على مواقع التواصل، بدلاً من أن تترك أثراً إيجابياً. وهنا يدرك المعلّق المحترف أن الصمت المؤقت أداة تعبيرية قوية تمنح مساحة لصوت الجماهير والمدرجات، وأن لكل مباراة إيقاعاً ينبغي أن يتصاعد تدريجياً مع خطورة الهجمات دون افتعال.

سادسًا: معايير اختيار المعلّق الرياضي

بناءً على ما سبق، يجب أن يقوم اختيار المعلّق الرياضي وتطويره على محددات مهنية صارمة تشمل:
* الموهبة وجودة الصوت.
* الثقافة الكروية واللغوية.
* إدارة التعليق والتحكم في إيقاعه.
* الحياد والإنصاف.
* الاستعداد والتحضير المسبق.
* الأصالة والمسؤولية الأخلاقية.

الخلاصة
 

الميكروفون مسؤولية قبل أن يكون شهرة

إن استعادة المكانة الرائدة للتعليق الرياضي لا يمكن أن تتحقق بالاكتفاء بالحنين إلى الماضي، بل تتطلب خطوات عملية تبدأ باكتشاف المواهب الحقيقية، واختيار الكوادر وفق الاختبارات المهنية المذكورة، بعيداً عن معيار الشهرة الرقمية وحدها.
المطلوب اليوم ليس استنساخ أصوات الماضي، بل الاستفادة من تجاربها الثرية لصناعة جيل جديد يضع متعة المباراة واحترام عقلية الجمهور فوق أي سعي وراء لقطة عابرة. فالميكروفون قد يصنع ذكرى ملهمة تبقى محفورة لسنوات، لكنه قد يتحول أيضًا إلى مجرد أداة للضجيج حين تغيب المسؤولية؛ فالشهرة قد تمنح المعلّق فرصة الوصول إلى الجمهور, لكن الموهبة والمسؤولية وحدهما هما ما يمنحانه مكانًا خالدًا في ذاكرته.

search