الخميس، 15 أكتوبر 2026

02:42 ص

الخميس، 15 أكتوبر 2026

02:42 ص

من المودودي إلى سيد قطب.. الحاكمية والجاهلية وإرث التطرف

لا يمكن فهم الجذور الفكرية لعدد من الجماعات الجهادية والتكفيرية المعاصرة دون التوقف أمام سيد قطب، ولا تكتمل قراءة قطب دون النظر إلى تأثير أبي الأعلى المودودي فيه. فقد أصبحت كتاباته المتأخرة عن الحاكمية والجاهلية والطليعة المؤمنة مرجعًا لكافة التيارات الجهادية والتكفيرية التي وجدت فيها أساسًا لنزع الشرعية عن المجتمعات والأنظمة القائمة.
فهم هذا التأثير يستلزم تتبع مسار الرجل، بداية من تحوله من الأدب إلى الإسلام السياسي، ومن تأييد ثورة 23 يوليو إلى الصدام مع جمال عبد الناصر؛ فلم يبدأ قطب حياته منظّرًا لجماعة دينية، ولم تظهر أفكاره الأكثر تشددًا مكتملة منذ البداية.
وُلد سيد قطب عام 1906 في صعيد مصر، وانتقل إلى القاهرة للدراسة، ثم عمل في وزارة المعارف. وكانت بداياته في الشعر والنقد الأدبي والكتابات الاجتماعية، وبين عامي 1948 و1950 أقام في الولايات المتحدة ضمن بعثة تعليمية. وعززت التجربة نقده للحضارة الغربية، التي رأى فيها تقدمًا ماديًا يقابله قصور أخلاقي، وبعد عودته ارتبط بالإخوان المسلمين، وأصبح أحد أبرز كتّابهم ومنظّريهم.
لم تبدأ علاقة قطب بثورة 23 يوليو 1952 بالعداء؛ فقد أيد في البداية حركة الضباط الأحرار وجمال عبد الناصر. ولذلك فإن تصويره خصمًا للثورة منذ يومها الأول يغفل مرحلة التقارب التي سبقت القطيعة. 
لكن الاتفاق على إسقاط النظام الملكي لم يكن اتفاقًا على طبيعة النظام البديل. فقد تدهورت العلاقة بين الإخوان والسلطة الجديدة. وفي هذا السياق، اتسعت المسافة بين قطب وقيادة الثورة؛ وشكّل عام 1954 نقطة التحول الحاسمة. وبحسب رواية قطب في النص المنشور بعنوان «لماذا أعدموني؟»، اعتُقل في يناير وأُفرج عنه في مارس، ثم اعتُقل مجددًا بعد حادث المنشية في أكتوبر. وقد أعقبت محاولة اغتيال عبد الناصر، حملة واسعة ضد الجماعة. 
وفي يوليو 1955 حُكم عليه بالسجن خمسة عشر عامًا، فقضى نحو عقد في السجن قبل الإفراج عنه

عام 1964. وأسهمت تجربة السجن في تعميق قطيعته الفكرية مع النظام؛ فلم يعد نقده مقتصرًا على السياسات، بل اتسع إلى نزع الشرعية الدينية عن النظام الاجتماعي والسياسي القائم. وتبلورت رؤيته الأكثر تشددًا في كتابه «معالم في الطريق»، الصادر عام 1964، وفي الصياغات المتأخرة من «في ظلال القرآن».

22
جريدة الأهرام فبراير 1966

ولم ينهِ الإفراج عنه الصدام؛ فقد أصبح مرشدًا فكريًا لمجموعة من شباب الإخوان، ثم أُعيد اعتقاله في أغسطس 1965 في قضية اتُّهم فيها بالتآمر لقلب نظام الحكم. وانتهت المحاكمة بإدانته والحكم عليه بالإعدام، ونُفّذ الحكم شنقًا في 29 أغسطس 1966. وقد عزز إعدامه مكانته لدى أنصاره بوصفه شهيدًا، وزاد تأثير كتاباته بعد موته.
تأثر قطب بالمفكر الهندي الباكستاني أبي الأعلى المودودي، الذي جعل السيادة الإلهية، أو «الحاكمية»، محورًا لتصوره للدولة الإسلامية، وقد نقل سيد قطب عن أبو الأعلى المودودي كافة الأفكار المتطرفة التي وردت في كتابه (المصطلحات الأربعة).
فالمقصود بالحاكمية في هذا التصور أن المرجعية العليا للتشريع لله، وأن البشر لا يملكون إنشاء سيادة تشريعية مستقلة تنازع هذه المرجعية. وفي تفسير الآية الأربعين من سورة يوسف، يقرر قطب أن «الحاكمية من خصائص الألوهية»، ويميز بين اختيار الأمة للحاكم وبين امتلاكها مصدر الشرعية التشريعية.
وتظهر خطورة صياغته حين يربط تنحية الشريعة واستمداد القوانين من مصدر آخر بمنازعة الألوهية، ويرتب على ذلك حكمًا بالكفر، ويمد الحكم إلى من يقرون هذه المنازعة ويقبلونها بقلوبهم. هنا تصبح قضية الحكم والتشريع متصلة مباشرة بالانتماء الديني، بما يتيح توسيع دائرة التكفير السياسي. 
والمأزق العملي أن تفسير الشريعة وتطبيقها يظلان عملًا بشريًا. وحين تمنح جماعة تفسيرها الخاص صفة الإرادة الإلهية الملزمة، تصبح معارضتها اعتراضًا على الدين. لذلك يتعلق النقد هنا بتحويل تفسير سياسي إلى سلطة مقدسة يصعب إخضاعها للمساءلة.
ولم يكتف قطب بصدامه مع السلطة الحاكمة فحسب بل امتدت سهام نقده إلى بعض الأنبياء، حين يستخدم لغة التحليل النفسي والأدبي في وصف مواقفهم مما يعد جرأة غير موفقة في مقام يقتضي توقير الأنبياء، ففي تفسير الآية الرابعة والتسعين من سورة طه، وفي سياق عتاب موسى لهارون عليهما السلام بعد فتنة العجل، وصف قطب هارون بأنه «أهدأ أعصابا وأملك لانفعاله من موسى». والعبارة واردة ضمن تفسير محاولة هارون تهدئة أخيه وشرح موقفه. وموضع الاعتراض النقدي أنها تنقل الحديث من بيان أسباب الغضب ومقاصده إلى مقارنة نفسية بين النبيين، قد توحي بانتقاص قدرة موسى على ضبط انفعاله. 

وفي تفسير الآية السابعة والثمانين من سورة الأنبياء، قال عن يونس عليه السلام: «إن يونس لم يصبر على تكاليف الرسالة»، ثم وصف خروجه من قومه بلغة تحمل معنى التخلي عن عبء الدعوة. وقد ساق قطب ذلك لاستخلاص درس في صبر أصحاب الدعوات. غير أن هذه الصياغة تحتمل اعتراضًا جادًا بسبب حدتها وتعميمها؛ إذ يمكن للقارئ أن يفهم منها حكمًا واسعًا على أداء نبي لرسالته، بدل الاقتصار على تفسير الموقف المحدد الذي ورد فيه العتاب القرآني.

ولا يعني هذا إنكار ما ورد في القرآن من غضب الأنبياء أو عتابهم، وإنما مساءلة الألفاظ والاستنتاجات التي يضيفها المفسر. فبلاغة التعبير لا تعفيه من الدقة، ولا تجعل قراءته النفسية للشخصيات النبوية حقيقة ملزمة.

إعدامات
جريدة الأهرام فبراير 1966

وبحسب ما نشرته صحيفة «الأهرام» نقلاً عن الإخواني السابق/ علي عشماوي، في كتابه «التاريخ السري للإخوان المسلمين»، أنه فوجئ خلال زيارة لقطب بأنه لا يصلي الجمعة، وأنه علّل ذلك برأي يربط إقامتها بوجود الخلافة. 

وبالنظر إلى علاقة سيد قطب بجماعة الإخوان المسلمين فنجد أن الجماعة قد تأسست على يد حسن البنا عام 1928، قبل انضمام قطب إليها بسنوات طويلة؛ ولذلك لم يكن مصدرها الفكري الأول، وإن أصبح أحد أبرز منظّريها. وهذا التمييز أساسي لفهم الفرق بين نشأة الجماعة وتأثير التيار القطبي في بعض مساراتها وفي جماعات خرجت من بيئتها.
أما تأثيره في الجهادية، فتدعمه شواهد واضحة؛ إذ توثق دراسة لمركز مكافحة الإرهاب في «ويست بوينت» تأثر أيمن الظواهري بكتاباته منذ شبابه، وإرجاعه جانبًا مهمًا من تطوره الفكري إليها. وتعرض الدراسة اختلافات بين منظّري الجماعات المسلحة في حدود التكفير وتطبيقاته، بما يؤكد أن انتقال الأفكار إلى الممارسة مرّ بتأويلات واختيارات متعددة. 
إن نقد إرث قطب يكون أقوى حين يستند إلى نصوصه وتأثيره الموثق، ويقرأ صدامه مع النظام الناصري في سياقه التاريخي، ويضع الروايات المختلف عليها في موضعها الصحيح. وتظل أخطر جوانب هذا الإرث قابلية أفكاره للاستخدام في احتكار تمثيل الدين، ونزع الشرعية عن المجتمع، وإضفاء طابع مقدس على الصراع السياسي. ومواجهة ذلك تبدأ بالدفاع عن المواطنة والتعددية، وعن حق الناس في الاختلاف دون أن يصبح إيمانهم موضوعًا لمحاكمة تنظيمية.
المصادر
1.    الموسوعة الإلكترونية للفلسفة، سيد قطب.
2.    سامي بارودي، أفكار تنتقل: تأثير أبي الأعلى المودودي في الفكر السياسي ليوسف القرضاوي وسيد قطب، 2023؛ 
3.    سيد قطب، في ظلال القرآن، تفسير سورة يوسف، الآية 40.
4.    سيد قطب، في ظلال القرآن، تفسير سورة طه، الآية 94.
5.    سيد قطب، في ظلال القرآن، تفسير سورة الأنبياء، الآية 87.
6.    صحيفة الأهرام: لماذا لم يكن سيد قطب يصلي الجمعة؟، نقلًا عن مذكرات علي عشماوي.
7.    مركز مكافحة الإرهاب في (ويست بوينت)، بناء التكفير: من عبد الله عزام إلى جمال زيتوني.
8.    سيد قطب، (لماذا أعدموني؟) ، نسخة رقمية محفوظة ضمن أرشيف منشور على موقع وكالة الاستخبارات المركزية.

search