الأربعاء، 14 أكتوبر 2026
04:50 م
تحول شبكة من 13 صيدلية إلى "دائرة استثما" مثقلة بالالتزامات
في الساعة الواحدة من فجر الخميس العاشر من سبتمبر، وصلت سيارتا نقل إلى أحد فروع "صيدليات الوليد"، ومع دقات الساعة السابعة صباحًا، باتت الرفوف خاوية على عروشها، بعدما أُفرغت من البضاعة، ومعها الثلاجات والشاشات وأجهزة الكمبيوتر وكاميرات المراقبة، وبعد ساعات، أُخليت الفروع الخمسة المتبقية من محتوياتها.
وفي الوقت نفسه، أغلق صاحب الصيدليات المعروف لدى العاملين والشركاء باسم "دكتور وليد"، هاتفه، ولم يُفتح منذ ذلك الحين، فيما يُعد قضية نصب جديدة تحت عنوان “مستريح الصيدليات”.

تحدثت "تليجراف مصر" إلى عدد ممن تعاملوا مع المستريح الجديد: مدير الصيدليات، وموزع أدوية، ومستثمرين، وأرملة، وصاحب عقار، وشقيقه، وزوجته، تتفق رواياتهم في خطوطها العامة وتختلف في تفاصيلها، لكنها تصف جميعًا رجلًا بنى سمعته على الالتزام والتدين، ثم اختفى تاركًا وراءه ديونًا لا يعرف أحد حجمها الحقيقي.
وتتفاوت التقديرات بشأن حجم ما عليه من التزامات، إذ يقدرها المتضررون الذين تحدثت إليهم "تليجراف مصر" بنحو 40 مليون جنيه، موزعة بين مستثمرين سلموه أموالًا بوعود بالعائد أو بسداد ما عليه، وموزعي أدوية وردوا له بضاعة بالأجل، وأصحاب التزامات أخرى.
ويرى هؤلاء أن ما جرى لا يشبه تعثرًا تجاريًا عاديًا، بل يقترب من واقعة نصب على أصحاب الأموال: رجل ظل يطلب السيولة من شركائه باستمرار ويَعِدهم بالسداد، ثم أفرغ فروعه من بضاعتها ومحتوياتها في ليلة واحدة وأغلق هاتفه. ولا يوجد حتى الآن حصر رسمي.


يقول مدير الصيدليات، حسن عوض، إن آخر مرة رأى فيها صاحب العمل المتهم كان مساء الأربعاء التاسع من سبتمبر، عندما كان في طريقه إلى رحلة صيفية، فمر عليه ليتسلم راتبه، إلا أن الرجل تذرع بأن التحويل سيتم في اليوم التالي، وأعطاه ثلاثة آلاف جنيها "تكفي لحد الصبح".
وبعد منتصف الليل بساعتين، تواصلت مديرة أحد الأفرع هاتفيا مع حسن عوض لتسأله عن سبب وجود "دكتور وليد" في الصيدلية في هذه الساعة، قبل أن يتصل عوض بـ"الدكتور وليد" الذي أجابه بأنه جاء ليكلم العامل المناوب بشأن نقله إلى فرع مدينة نصر، وحين حاول عوض متابعة الفرع عبر الكاميرات، اكتشف أنه أُخرج من نظام المراقبة، بذريعة أن "النت معلّق في المنطقة الصحراوية".
وبحسب رواية عوض، اتصلت به إحدى الصيدلانيات عند السابعة صباحًا، تقول إن قلبها "مقبوض" وإن الصيدلية مفتوحة بلا بضاعة، وتبين بعد ذلك أن الفروع الأخرى على الحال نفسه، وبحسب الجيران وكاميرات المراقبة، نُقلت المحتويات حتى الراوتر فجرا على سيارتين.
يبدأ موزع الأدوية، محمد مصطفى، حكايته، قائلًا: عرفت الدكتور وليد قبل 10 سنوات، عن طريق أحد معارفه بوصفه صيدليًا، وبنى على ذلك تعاملًا تجاريًا: يورد البضاعة، فيدفع جزءا ويتأخر الباقي، ثم تكبر المبالغ مع توسع "الدكتور" في فتح الفروع، فإن إجمالي الديون المقدرة على "الدكتور وليد" وصلت لمليون ونصف المليون جنيه.
ويقول إنه لم يعرف بأن المستثمرين "آخرون" يشاركون في رأس المال، إلا في يونيو الماضي، وحين طالبه بمستحقاته سدد له ثلاث دفعات بنحو 75 ألف جنيه، ثم بدأ يدفع على نظام "ثلاثة آلاف جنيه يوميًا" في الأيام الأخيرة قبل الاختفاء.
وحين جمع مصطفى المتضررين وجلسوا لفحص الأرقام، قدر أن المبالغ المودعة تبلغ نحو خمسة ملايين جنيه، ويقول إن الصيدليات كانت تغطي بالكاد مرتبات العاملين وتترك فائضًا لا يتجاوز 50 ألف جنيه، بينما كان صاحبها يدفع أرباحًا تتجاوز 300 ألف جنيه شهريًا.

ويضيف أن وليد وقع عقود مشاركة وبيع باسم صيدليات "ليست ملكه" وبعضها لأشخاص ليسوا صيادلة، وأن لديه وصولات أمانة موقعة- وهي اتهامات قانونية لم تُثبتها جهة قضائية حتى الآن-.

أما حسن عوض، الذي عاد إلى العمل مع وليد عام 2024 بعد غياب، فيصف ما رآه من الداخل، إذ وجد 12 أو 13 فرعًا، بعضها يخسر ويمول "من الجيب"، وأغلق ما لا يربح حتى بقيت ست صيدليات ثم خمس: أربع في شبرا الخيمة وواحدة في مدينة نصر، تحقق إيرادات شهرية بين مليون ونصف المليون إلى مليونين.
لكن المشكلة، كما يقول، في المسار الذي تسلكه هذه الإيرادات، فمنذ أول يناير 2026 كان الربح كله تقريبًا يذهب إلى "الشركاء" المستثمرين، بما يتراوح بين 300 و400 ألف جنيه شهريًا، فيما يتحمل العمل المرتبات والإيجارات من رأس المال، ويقول: "إحنا كده شغالين حرفيًا عند الناس، الصيدلية ما بتقفلش، بس الفلوس بتطلع كلها للاستثمارات".
وبدأت الأرباح تتأخر في مايو، قبل أن يضطر “الدكتور وليد”، في أغسطس، لبيع سيارته لتغطية المرتبات، وفي سبتمبر، اقترض مئة ألف جنيه من مديره نفسه، وبحسب عوض، كان وليد يوزع الأرباح على المستثمرين الجدد من أموال مستثمرين آخرين، وحين تأخرت الدفعات، تراكمت عليه مديونية قدرها بنحو 500 ألف جنيه بالإضافة إلى الديون السابقة والجديدة.


ويرى عوض أن الرجل أراد أن تبدو شبكته أوسع مما هي: "كان عايز يقول لأي حد عندي 13صيدلية، تعالى شغل فلوسك".
ورغم أن الدكتور وليد يحمل صفة صيدلي حر في بطاقة الرقم القومي، فإن عوض كشف أن وليد لا يحمل مؤهلًا في الصيدلة، وإنه خريج علوم، واستخرج بطاقة نقابية.


نهى سعيد، ربة منزل وأم لولدين، بدأت القصة مع زوجها الراحل الذي كان يعمل في شركة أدوية وأودع لدى وليد 300 ألف جنيه، وبعد وفاته قبل عامين، واصلت التعامل نفسه وغيّرت الإيصالات إلى اسمها، ظلت الأمور مستقرة سنة كاملة، ثم بدأت المواعيد تتأخر قبل نحو ستة أشهر، وحين طلبت تصفية المبلغ اختفى، تقول: "هي دي كل الفلوس اللي كنت مشغّلاها علشان تجيب دخل علشان خاطر الأولاد".


أما مجدي صلاح، صاحب محل أحذية، فاشترى في نوفمبر 2025 سهمًا بقيمة 100 ألف جنيه في صيدلية بحي الروضة، وتقاضى ثلاثة آلاف جنيه شهريًا لمدة خمسة أشهر، ثم توقفت الأرباح بحجج متكررة، وحين طالب بأمواله قال له وليد "ماشي"، وفي اليوم التالي، أغلق صيدلياته، وتواصل مجدي مع شقيقة المتهم هبة، فأخبرته أن لا علاقة لها بالأمر، وأن منزلًا مسجلًا باسمها يمكن بيعه لسداد الدين لكنه "من غير ورق".
وفي مدينة نصر، يقول محمد سعيد، مؤجر إحدى الصيدليات منذ أربع سنوات، إن العقد كان باسم وليد وإنه لم يتأخر يومًا في الإيجار، ويضيف: "فوجئت إنه أخد كل حاجة وسايب المكان مفتوح، حتى ماقفلهوش".
تقيم مروة، زوجة وليد، في بيت والدها منذ أزمة مالية سابقة، ولديها ولدان في كليتين خاصتين وبنت في مدرسة خاصة، تقول إنها لا تعرف شيئًا عن تفاصيل عمله، وإنها بدورها استدانت من أهلها لتسدد عنه، وتروي أن علبة ذهبها، التي تقدر قيمتها بنحو مليون جنيه، "أُخذت منها" في فبراير الماضي.
وتقول إنها كانت تصدق في البداية أنه مديون مثل غيره، حتى سمعت من المتضررين الرواية نفسها التي كانت تسمعها منه: أزمة طارئة، وانفراجة ستأتي في سبتمبر، وتقول إنها لم تغير رقمها ولا مكانها، وطلبت من المتضررين تحرير محاضر باسمها بين المشتكين.





أما حسن رجب، شقيق وليد البالغ 34 عامًا والذي يعمل في تجميع الخردة، يؤكد أن لا الأسرة ولا الأم ولا الأخوات لهم صلة بما حدث، ويقول إن شقيقه لم يكن يقيم معهم ولم يكن يزور بلدتهم، وإنه لم يحضر حتى زفافه قبل ستة أشهر.
وبحسب روايته، قال له بعض المتضررين إن "الدكتور" وعدهم بسداد حقوقهم في نوفمبر المقبل، أما الشقيقة الصغرى هبة، فأغلقت الهاتف عند محاولة التواصل معها.
يقول رئيس لجنة التصنيع الدوائي بنقابة صيادلة القاهرة، الدكتور محفوظ رمزي، إن قانون مزاولة مهنة الصيدلة ينظم ملكية الصيدليات وإدارتها، مشيرًا إلى أنه لا يجوز لغير الصيدلي امتلاك صيدلية أو إدارتها وفقًا للضوابط القانونية المنظمة.
وأوضح أن القانون يحدد عدد الصيدليات التي يجوز للصيدلي امتلاكها، كما يقصر إدارة المؤسسة الصيدلية على صيدلي مستوفٍ للشروط القانونية، لافتًا إلى أن تسجيل الصيدليات بأسماء صيادلة بينما يتولى شخص آخر إدارتها الفعلية قد يثير شبهة التحايل على القانون.

ويضيف رمزي أن التحقق من وجود مخالفات في الواقعة محل التحقيق يتطلب مراجعة التراخيص والوقوف على طبيعة العلاقة بين أصحاب التراخيص والشخص الذي كان يدير الصيدليات، مؤكدًا أن دور النقابة يرتبط بالجانب المهني، بينما تتولى الجهات الرقابية والأمنية فحص الشبهات المتعلقة بالوقائع المالية والجنائية.
اقرأ أيضًا:
من التكليف إلى التسعير.. 6 أزمات "خانقة" تهدد مستقبل الصيادلة في مصر
13 أكتوبر 2026 04:26 م
13 أكتوبر 2026 05:01 م
12 أكتوبر 2026 02:27 ص
11 أكتوبر 2026 08:58 م
10 أكتوبر 2026 05:32 م
أكثر الكلمات انتشاراً