الثلاثاء، 13 أكتوبر 2026

11:38 م

الثلاثاء، 13 أكتوبر 2026

11:38 م

"والحسّابة بتحسب!".. كم مولود تتحمله الأسرة في ظل الغلاء؟

تأجيل قرار الإنجاب يمتد عامًا بعد عام

تأجيل قرار الإنجاب يمتد عامًا بعد عام

في بيتٍ ما، يجلس شابٌ في التاسعة والعشرين أمام قائمة مصروفاته: إيجار وطعام وتعليم وعلاج، لديه طفل واحد، ولا يتعجل الثاني، وفي بيت آخر، تؤجل أسرة قرار الحمل مرة أخرى، لا رفضًا للإنجاب، بل رغبة في منح طفلها الأول حياة أفضل.

هكذا يتغير حساب الأسرة المصرية؛ ففي خمس سنوات، هبط عدد المواليد من 2.18 مليون عام 2021 إلى نحو 1.95 مليون عام 2025، وانخفض معدل الإنجاب الكلي من 2.85 إلى 2.33 طفل لكل سيدة.

معدل الإنجاب
من قائمة المصروفات إلى قرار الإنجاب، تتبدل أولويات الأسر المصرية ويتراجع منحنى المواليد

وبينما لا تزال عبارة "العيل بييجي برزقه" تقال في بيوت كثيرة، صار السؤال الأكثر حضورًا: كم طفلًا نقدر على تربيته؟

في خمس سنوات، هبط عدد المواليد من 2.18 مليون عام 2021 إلى نحو 1.95 مليون عام 2025، وانخفض معدل الإنجاب الكلي من 2.85 إلى 2.33 طفل لكل سيدة.

خمس سنوات من التراجع

بعد ارتفاع طفيف في 2022، بدأ عدد المواليد في الهبوط، بينما بلغت عقود الزواج ذروتها في 2023 قبل أن تتراجع في 2024.

 ويوضح المخطط البياني التالي الصورة كاملة:

بيانات سكانية

تطور أعداد المواليد في مصر

قراءة تحليلية لتراجع أعداد المواليد خلال الأعوام الأخيرة

المصدر: المسح الصحي للأسرة المصرية (2021 و2025) ووزارة الصحة (2022–2024).

عقود الزواج: الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، ولم تصدر بيانات 2025 بعد.

يُقدر البنك الدولي معدل الخصوبة بنحو 2.7 في 2024، والفارق ناتج عن اختلاف المصدر والمنهجية، والزواج هو البوابة الأولى للإنجاب في مصر، ما يعني أن أي تعثر فيه يتردد صداه في غرف الولادة بعد سنوات.

في الشارع: "الأمور اختلفت"

في جولة لـ"تليجراف مصر" بوسط البلد، بدت الإجابات متقاربةً وإن اختلفت التفاصيل، محمود إبراهيم (27 عامًا)، المتزوج منذ عام ونصف العام ولديه طفل، يقول إن مصاريف الأكل والتعليم والإيجار "بتزيد، فلازم الواحد يفكر كويس قبل ما يخلف".

أما كريم حسين (42 عامًا)، أبٌ لثلاثة أبناء، فيتذكر أن كثرة الأولاد كانت أمرًا طبيعيًا حين تزوج، "لكن دلوقتي الأمور اختلفت"، ويعمل اليوم في وظيفتين ليكفي مصاريف البيت.

تأجيل قرار الإنجاب
بين مصاريف البيت والعمل الإضافي، يراجع الآباء في حساباتهم قبل قرار إنجاب طفل جديد

أما مريم محمود (32 عامًا) تريد طفلًا ثانيًا لكنها "مش مستعجلة"، وتفضل فاصلًا من سنتين لتوفر لأطفالها احتياجاتهم، وهالة أحمد (40 عامًا)، أمٌ لثلاثة، ترى أن المسؤوليات تزيد مع كل طفل وأن العدد الحالي "كفاية".

وتقول ندى حسن (27 عامًا)، المتزوجة منذ عشرة أشهر، إنها اتفقت مع زوجها قبل الزواج على طفلين، "نعلمهم ونربيهم كويس أحسن ما نجيب أكتر ونبهدلهم معانا"، وفي المقابل، يقول أسامة عمر (39 عامًا)، أب لطفلين، إنه يفكر في الثالث لأن ظروفه تسمح.

يُقدر البنك الدولي معدل الخصوبة بنحو 2.7 في 2024، والفارق ناتج عن اختلاف المصدر والمنهجية، والزواج هو البوابة الأولى للإنجاب في مصر، ما يعني أن أي تعثر فيه يتردد صداه في غرف الولادة بعد سنوات.

الأسعار تدخل الحسبة

وتأتي هذه الحسابات على خلفية تضخم لا يزال قرب 15%، فبحسب بيان البنك المركزي عن أغسطس 2026، سجّل التضخم السنوي العام في الحضر 14.5% مقابل 14.9% في يوليو، بينما ارتفع التضخم الأساسي إلى 14.9% من 14.7%.

خبيرة دراسات الجدوى الاقتصادية، الدكتورة هدى الملاح، ترى أن الأسعار لم تعد عبئًا يأتي بعد الزواج، بل حاضرة منذ التفكير فيه؛ إذ وسعت تكاليف السكن والتجهيز والمراسم الفجوة بين دخل الشباب وتكلفة تكوين الأسرة.

خبيرة دراسات الجدوى الاقتصادية، الدكتورة هدى  المل
 خبيرة دراسات الجدوى الاقتصادية، الدكتورة  هدى الملاح

وتضيف أن الأسرة لم تعد تحسب تكلفة الولادة وحدها، بل أعباء التعليم والصحة والغذاء والمواصلات على المدى الطويل؛ فتؤجل الإنجاب أو تباعد بين الولادات أو تكتفي بعدد أقل.

لكن “الملاح” تحذّر من تحميل الاقتصاد المسؤولية وحده؛ فالضغوط المالية، بحسب قولها، "أحد العوامل" لا السبب الوحيد، إلى جانب ارتفاع سن الزواج والتعليم وزيادة مشاركة المرأة في سوق العمل.

الطبقة الوسطى في صدارة التراجع

 أستاذة علم الاجتماع، الدكتورة هالة منصور، تُشير إلى أن السؤال الأهم ليس فقط كم ينخفض الإنجاب، بل أين، فالتراجع الأوضح، وفق قراءتها، بين شرائح الطبقة الوسطى، التي تتعامل مع الإنجاب كمسؤولية مرتبطة بقدرتها على توفير التعليم والرعاية، وتميل بصورة متزايدة إلى طفل أو اثنين.

الدكتورة هالة منصور
 أستاذة علم الاجتماع، الدكتورة هالة منصور

في المقابل، لا تزال المعدلات مرتفعةً بين بعض الفئات الأقل دخلًا، ما قد يُزيد ضغوط الفقر ويُفاقم مشكلات مثل عمالة الأطفال والزواج المبكر والتسرب من التعليم، وتصف “منصور” ذلك بمفارقة: الشريحة التي تدفع عجلة التنمية هي الأقل إنجابًا.

وتضيف أن عمل المرأة صار في كثيرٍ من الأسر جزءًا أساسيًا من الدخل، وانعكس ذلك حتى على معايير اختيار شريك الحياة.

تحولٌ ممتدٌ.. وخيارٌ طبيٌّ

وترى الدكتورة هالة محمد حافظ، أستاذ مساعد الجغرافيا ونظم المعلومات الجغرافية بجامعة سوهاج، أن ما يجري ليس ردَّ فعلٍ عابرًا على الأزمة، بل تحوّل بدأ منذ عقود؛ إذ انخفضت الخصوبة من 5.3 طفل للمرأة عام 1980 إلى 2.85 عام 2021. 

الدكتورة هالة محمد حافظ
 أستاذ مساعد الجغرافيا ونظم المعلومات الجغرافية بجامعة سوهاج، الدكتورة هالة محمد حافظ

وتُرجع ذلك إلى تأخر الزواج وارتفاع تعليم المرأة وانتشار وسائل تنظيم الأسرة وتغير تصور الأسر للعدد المثالي من الأبناء، لكنها تنبه إلى أن وتيرة الانخفاض قد تتغير تبعًا للظروف الاقتصادية والاجتماعية.

طبيًّا، تقول طبيبة النساء والتوليد، الدكتورة مي رمضان، إن الأسر باتت تُخطط للتوقيت والعدد والفواصل بوعي أكبر، مدفوعة بالتكلفة وبارتفاع الوعي بالصحة الإنجابية وإتاحة وسائل تنظيم الأسرة مجانًا أو بأسعار مدعومة في المستشفيات الحكومية، وتشير إلى أن تركيب اللولب أثناء القيصرية أو بعدها، في الحالات المناسبة طبيًا، يقلل فرص الحمل غير المخطط له.

انخفضت الخصوبة من 5.3 طفل للمرأة عام 1980 إلى 2.85 عام 2021. 

الدكتورة مي رمضان
طبيبة النساء والتوليد، الدكتورة مي رمضان

وتؤكد “رمضان” أن المباعدة مهمة خاصة بعد الولادات القيصرية؛ فقصر الفاصل بين الحملين قد يزيد بعض المخاطر، لكن المدة المناسبة تختلف من سيدة لأخرى بحسب حالتها الصحية وتاريخها المرضي.

القراءة الرسمية: أقل من مليوني مولود

تقرأ وزارة الصحة والسكان المشهد بوصفه تحولًا ديموغرافيًا لافتًا، فقد أوضحت الدكتورة عبلة الألفي، نائب وزير الصحة والسكان، أن عدد المواليد في 2025 انخفض إلى أقل من مليوني مولود، وفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، علمًا بأن أرقام 2024 كانت قد سجلت بالفعل 1.97 مليون.

وتُظهر البيانات تراجعَ معدل المواليد إلى 18.1 لكل ألف نسمة، مقابل 19.4 في 2023 و18.5 في 2024، وانخفاض معدل الإنجاب الكلي إلى 2.34 طفل لكل سيدة مقابل 2.54 قبل عامين (2.33 في جدول المسح الصحي)، وبلغ متوسط تسجيل المواليد، بحسب الوزارة، مولودًا واحدًا كل 15.9 ثانية.

لكن السلسلة الزمنية تكشف ما لا تقوله العناوين: وتيرة التراجع تتباطأ

تحليل إحصائي تفاعلي

التغير في معدل الإنجاب، وعدد المواليد

مقارنة تباينية بين التغيرات السنوية في أعداد المواليد (موجب وسالب)

المصدر: حسابات التحقيق من أرقام المسح الصحي للأسرة المصرية ووزارة الصحة الواردة في الجدول الأول.

قد يعني ذلك أن الهبوط بلغ مرحلة أبطأ، أو أن اتساع شريحة السيدات في سن الإنجاب يعوّض جزءًا من انخفاض الخصوبة، وهي فرضية تحتاج إلى تأكيد من بيانات الجهاز. 

ارتباط أعداد المواليد بعقود الزواج
تراجع عقود الزواج قد يُفسر جانبًا من انخفاض أعداد المواليد

ويضيف الزواج مفارقة أخرى؛ فقد ارتفعت عقود الزواج من 880041 في 2021 إلى 961220 في 2023 (+9.2%)، بينما انخفض عدد المواليد 6.4% في الفترة نفسها، وتشير المقارنة إلى أن التراجع لا يرتبط بالإقبال على الزواج وحده، وإن كانت مواليد أي عام تأتي من زيجات حديثة وقديمة معًا.

عدد المواليد في 2025 انخفض إلى أقل من مليوني مولود، وفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، علمًا بأن أرقام 2024 كانت قد سجلت بالفعل 1.97 مليون.

صعود سبق التراجع

لم يكن مسار المواليد في مصر تراجعًا دائمًا؛ فوفق الجهاز المركزي ارتفع العدد من نحو 1.69 مليون مولود عام 1998 إلى 2.72 مليون عام 2014، بزيادة 1.03 مليون مولود (61.2%) خلال 16 عامًا، رغم برامج تنظيم الأسرة التي نُفذت خلال عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، ومنذ تلك الذروة هبط العدد بنحو 768 ألف مولود (28%)، ليعود في 2025 إلى مستوى يقارب مواليد 2007، مع أن عدد السكان اليوم يتجاوز المئة مليون.

بيانات إحصائية تفاعلية

عدد المواليد في عهد الرئيس السابق حسني مبارك

تطور أعداد المواليد المسجلة وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء

المصدر: الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، وبيانات 2025 أولية مسجلة بقاعدة بيانات مركز معلومات وزارة الصحة والسكان

الجغرافيا: المدينة تسبق الريف

لا يتراجع الإنجاب بالسرعة نفسها في كل مكان؛ ففي 2025 بلغ المعدل في الحضر 1.92 طفل لكل سيدة، أي دون مستوى الإحلال المتعارف عليه (نحو 2.1)، مقابل 2.65 في الريف، بفارق 0.73 مولود، بحسب الجهاز المركزي، وانخفض المعدل في الحضر بنحو 19% عن نتائج مسح 2021، بينما ظل الريف أعلى من المتوسط الوطني بنحو 0.32.

وتتسع الصورة عند النزول إلى المحافظات، فأعلى معدلات المواليد في الصعيد: أسوان 22.8 لكل ألف نسمة، وسوهاج 22.6، وقنا 22.3، والمنيا 22.0، إلى جانب بني سويف، وفي المقابل جاءت بورسعيد في المرتبة الأخيرة بمعدل 11.4، أي نصف معدل أسوان بالضبط، تلتها الدقهلية 14.4 ودمياط 14.5، ثم الغربية والسويس بـ14.8 لكل منهما.

سجل المواليد
بين أعباء الأسرة واختلاف المحافظات.. كيف يتغير معدل الإنجاب في مصر؟ 

وعلى مستوى الأعمار، لم يكن التراجع بين 2021 و2025 موحدًا؛ فقد تركز في الفئة من 15 إلى 39 سنة، وسجلت الفئة من 25 إلى 29 سنة أكبر انخفاض، أما المراهقات، فهبط المعدل بينهن (15–19 سنة) إلى نحو 35 مولودًا لكل ألف سيدة مقابل 50 في 2021، أي بنحو 30%، والفئة الأكبر تراجعًا هي نفسها التي يتزامن عندها تكوين الأسرة مع أعباء السكن والتجهيز التي أشارت إليها الدكتورة هدى الملاح، وإن لم تثبت البيانات المنشورة علاقة سببية بين الأمرين.

في 2025 بلغ المعدل في الحضر 1.92 طفل لكل سيدة، أي دون مستوى الإحلال المتعارف عليه (نحو 2.1)، مقابل 2.65 في الريف، بفارق 0.73 مولود، بحسب الجهاز المركزي، وانخفض المعدل في الحضر بنحو 19% عن نتائج مسح 2021، بينما ظل الريف أعلى من المتوسط الوطني بنحو 0.32.

تنظيم الأسرة: مَن يصل إليه ومَن يظل خارجه

يظهر تفاوت جغرافي واضح في استخدام وسائل تنظيم الأسرة؛ إذ يتصدر الوجه البحري بمعدل 72.2% مقابل 58.7% في الوجه القبلي، بفارق 13.5 نقطة مئوية، وسجل ريف الوجه البحري أعلى معدل (72.7%)، بينما سجل ريف الوجه القبلي أدنى معدل على مستوى الأقاليم (56.9%)، أي أن الإقليم الأقل استخدامًا هو نفسه الأعلى في معدلات المواليد.

ويظل القطاع الحكومي المصدر الأول للوسائل؛ إذ تحصل منه 66.4% من المستخدمات، وتزود الوحدات الصحية الريفية وحدها 39.5% منهن، أما القطاع الخاص فتعتمد عليه 33.6%، منهن 19.6% عبر الطبيب الخاص و12.9% عبر الصيدليات، ومع بقاء نحو ثلث السيدات خارج المنظومة الحكومية، يبقى سؤال التكلفة حاضرًا في ملف يُفترض أنه مجاني.

حملات تنظيم الاسرة
فجوة استخدام تنظيم الأسرة بين الوجهين البحري والقبلي تضع الوصول للخدمات وتكلفتها تحت المجهر

ورغم ارتفاع الطلب الكلي على تنظيم الأسرة إلى نحو 82% في 2025، بزيادة نقطتين عن 2021، ما زالت سيدة من كل ست متزوجات تقريبًا (16.2%) لديها حاجة غير ملباة؛ 10.1% تريد المباعدة بين الولادات، و6.1% تريد تحديد عدد الأبناء، أي أن الرغبة في الاكتفاء أو التأجيل لا تتحول دائمًا إلى استخدام فعلي.

لماذا تتأخر الولادات؟ أسباب لا تدخلها الأسعار

تكشف دراسة مشتركة للمجلس القومي للسكان والجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (2020–2021) أسباب تأجيل الإنجاب أو عدمه:

القطاع الحكومي المصدر الأول لوسائل تنظيم الأسرة؛ إذ تحصل منه 66.4% من المستخدمات، وتزود الوحدات الصحية الريفية وحدها 39.5% منهن، أما القطاع الخاص فتعتمد عليه 33.6%، منهن 19.6% عبر الطبيب الخاص و12.9% عبر الصيدليات

مؤشرات سكانية تفاعلية

أسباب تأجيل الإنجاب أو عدمه

مقارنة نسبية بين الحضر والريف وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء

المصدر: المجلس القومي للسكان والجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء

تتصدر الإجابة القدرية القائمة (74.1% في الحضر و81،1% في الريف)، بينما لا تتجاوز رغبة الزوجين 8.2% و9.1%، وتتجاوز النسب مجتمعة 100%، ما يشير إلى تعدد الإجابات أو تداخل الفئات، ولم تُنشر القاعدة التي حُسبت عليها، والأهم أن الدراسة سابقة على التراجع الحاد بين 2021 و2025، فلا تصلح وحدها لقياس أثر موجة الغلاء، وتحتاج المسألة إلى مسحٍ جديدٍ يسأل الأسر مباشرة: هل التكلفة هي السبب؟.

“حقك تنظمي”.. حملة بدأت قبل الأزمة

لم تبدأ الحملة عام 2021؛ إذ توثّق المصادر تنفيذها منذ ديسمبر 2018، واستمرارها في جولات متتالية خلال 2019 و2020، وفي سبتمبر 2021 أعلنت “باير الشرق الأوسط” شراكة لخمس سنوات مع صندوق الأمم المتحدة للسكان في مصر لدعم الحملة، وتعهدت بتمويل إجمالي قدره 330 ألف يورو: 50 ألفًا في 2021، و70 ألفًا سنويًا من 2022 إلى 2025، وهو ما يعادل نحو 1.2% من منحة الاتحاد الأوروبي (27 مليون يورو) التي تقع الحملة ضمن مشروعها.

وخلال عامها الأول، بحسب بيانات الحملة، وصلت إلى 44285 سيدة مقابل مستهدف 40 ألفًا (19% منهن مستفيدات جديدات)، ودعمت 35135 سيدة في الحصول على وسيلة، بنسبة 117% من المستهدف، وتقول الحملة إن خدماتها أسهمت في تفادي 3385 حالة حمل غير مقصود، و1334 عملية إجهاض غير آمنة، وثماني وفيات بين الأطفال، ووفاة أمهات واحدة، دون أن توضح البيانات المتاحة منهجية تقدير هذه الأرقام.

وفي 2022 استفادت 5,010,752 سيدة من الوسائل المجانية عبر 331 عيادة متنقلة و4813 عيادة ثابتة في 25 محافظة، وفي يونيو 2023 نُفذت حملة موسعة في 22 محافظة على مرحلتين (4–15 يونيو) شملت الكشف والمشورة وصرف الوسائل والأدوية مجانًا، وتواصلت الجولات في 2024 (فبراير، ثم مايو ويونيو) و2025.

حملة حقك تنظمي

جوالات حملة حقك تنظمي حسب المحافظات

مقارنة تفاعلية بين إجمالي المستفيدات وعدد الحاصلات على وسائل تنظيم الأسرة

المصدر: بيانات وزارة الصحة والسكان عن جولات الحملة، والنسب من حساب التحقيق

يكشف الجدول نمطًا لافتًا؛ ففي الشرقية خرجت نحو ثلثي المستفيدات بوسيلة في كل جولة تقريبًا (67% و69% و67% و67%)، ما يشير إلى نمط تشغيل مستقر، بينما تنخفض النسبة في الإسكندرية إلى 59–64% وترتفع في بني سويف إلى 93%، وفي المنيا تفوق الوسائل المصروفة عدد المنتفعات، ما يوحي بأن الرقم يُحصي الوسائل لا السيدات، كما بلغ عدد المستفيدات في جولة الشرقية في مايو 2025 نحو 40% فقط من جولة يونيو 2024، لكن اختلاف مدة الجولات ونطاقها لا يسمح بالجزم بتراجع الإقبال.

قوافل حملات تنظيم الأسرة
القفزة في أرقام المستفيدات من خدمات تنظيم الأسرة لا تكفي وحدها لقياس توسّع الخدمة

وتُزيد المؤشرات الإجمالية الصورة تعقيدًا، فبحسب مؤشرات الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، حصلت 3783 مليون سيدة على وسائل تنظيم الأسرة بين سبتمبر 2022 وأغسطس 2023، واستفادت 2.754 مليون من أربع حملات توعوية، ثم قفز الرقم إلى 13.1 مليون سيدة استفدن من عيادات تنظيم الأسرة بين سبتمبر 2023 وأغسطس 2024، وتتباين الصياغات بين الاستفادة من الخدمة والحصول على وسيلة، ما يجعل الأرقام غير قابلة للمقارنة المباشرة؛ فالقفزة بنحو 3.5 مرة بين عامين متتاليين لا تعني بالضرورة تضاعف الخدمة بهذا القدر.

مشروع الاتحاد الأوروبي.. 27 مليون يورو وحصيلة جزئية

يستهدف مشروع “دعم الاتحاد الأوروبي للاستراتيجية القومية للسكان” خفض معدل النمو السكاني وتحسين جودة الحياة، بتمويل أوروبي 27 مليون يورو وتنفيذ صندوق الأمم المتحدة للسكان، بشراكة وزارات الصحة والشباب والتضامن والتربية والتعليم والتخطيط والمجلس القومي للسكان.

وفي الحفل الختامي في مارس 2022، قالت الدكتورة رانيا المشاط، وزيرة التعاون الدولي آنذاك، إن العمل ركز على ثلاثة محاور: توسيع خدمات تنظيم الأسرة، وتثقيف الشباب ورفع الوعي، وبناء القدرات المؤسسية لمتابعة الاستراتيجية الوطنية للسكان.

وأضافت أن المشروع، بين أبريل 2018 ومارس 2022، خدم أكثر من 208 آلاف سيدة عبر العيادات المتنقلة، حصلت منهن 135 ألفًا على وسائل (نحو 65%).

خدمات تنظيم الأسرة تحت مجهر الاستدامة
خدمات تنظيم الأسرة تحت مجهر الاستدامة: من يمول القوافل بعد انتهاء الشراكات؟

غير أن الحصيلة المعلنة اقتصرت على العيادات المتنقلة، دون أرقام عن حجم الوصول إلى الشباب أو بناء القدرات، كما أن “حقك تنظمي” أُعلنت ضمن إطار هذا المشروع الذي انتهى في مارس 2022، بينما استمرت جولاتها حتى 2025، ما يطرح سؤالًا عن مصادر تمويل الجولات اللاحقة، وعما بعد انتهاء شراكة “باير” التي حُددت بخمس سنوات من سبتمبر 2021.

يستهدف مشروع “دعم الاتحاد الأوروبي للاستراتيجية القومية للسكان” خفض معدل النمو السكاني وتحسين جودة الحياة، بتمويل أوروبي 27 مليون يورو وتنفيذ صندوق الأمم المتحدة للسكان

“2 كفاية”: طرق الأبواب في أفقر عشر محافظات

“عيلين عالأد،، مكسب بجد”، شعار حملة أطلقتها وزارة التضامن الاجتماعي بالشراكة مع وزارة الصحة والسكان والمجلس القومي للسكان والمجلس القومي للمرأة وصندوق الأمم المتحدة للسكان، ضمن استراتيجية الوزارة للحد من الفقر متعدد الأبعاد التي تربط بين ضبط الإنجاب وتحسين مستوى المعيشة، انطلق المشروع في مايو 2018، واستهدف 1,148,861 أسرة لديها ثلاثة أطفال أو أقل، وسيداتها دون الأربعين من مستفيدات “تكافل وكرامة”، في 2,257 قرية وحي بـ119 مركزًا في عشر محافظات: أسوان والأقصر وقنا وسوهاج وأسيوط والمنيا وبني سويف والفيوم والجيزة والبحيرة، اختيرت لأنها الأكثر فقرًا والأعلى خصوبة.

وشاركت نحو 100 جمعية أهلية وأكثر من 2,500 متطوع ورائدة ريفية وأكثر من 140 طبيبًا وممرضة، وبلغ التمويل 100 مليون جنيه، منها 75 مليونًا من صندوق إعانة الجمعيات الأهلية بوزارة التضامن و10 ملايين منحة من صندوق الأمم المتحدة للسكان، ولا تحدد البيانات المنشورة مصدر الـ15 مليون جنيه المتبقية.

حملات تنظيم الاسرة في القري
قوافل تنظيم الأسرة تصل إلى القرى الأكثر فقرًا والأعلى في معدلات الإنجاب

وفي مارس 2021 استعرضت وزيرة التضامن الاجتماعي آنذاك نيفين القباج نتائج أولية: 5.85 مليون زيارة طرق أبواب بنسبة 115% من المستهدف، أي نحو خُمس زيارات لكل أسرة مستهدفة في المتوسط، وتحويل 853.643 سيدة إلى عيادات الوزارة والعيادات الأهلية الشريكة، وتردد 124.028 سيدة على عيادات الجمعيات، إضافة إلى 702.971 مكالمة توعوية بعد أن فرضت الجائحة القنوات الهاتفية.

استهدف مشروع “دعم الاتحاد الأوروبي للاستراتيجية القومية للسكان” 1,148,861 أسرة لديها ثلاثة أطفال أو أقل، وسيداتها دون الأربعين من مستفيدات “تكافل وكرامة”، في 2,257 قرية وحي بـ119 مركزًا في عشر محافظات.

 وأوضحت الدكتورة ديزيريه لبيب، مديرة المشروع، أنه جهز 65 عيادة وتعاقد مع 108 جمعيات في المحافظات العشر.

وفي لقاء تشاوري لاحق بالمنيا (دون تحديد تاريخه)، قالت رندة فارس، مستشارة وزيرة التضامن، إن عدد المترددات على عيادات الجمعيات بلغ 630 ألف سيدة، استخدمت 498 ألفًا منهن وسائل تنظيم الأسرة (نحو 79%)، مع أكثر من 9 ملايين زيارة طرق أبواب و4376 ندوة شارك فيها نحو 500 ألف شخص.

والمفارقة أن المحافظات الخمس الأعلى في معدل المواليد عام 2025 (أسوان وسوهاج وقنا والمنيا وبني سويف) جميعها على قائمة المشروع، ولا يعني ذلك فشله، فقد اختيرت لأنها الأعلى خصوبة، لكنه يعني أن الفجوة بين الريف والحضر (0.73 طفل) لم تُغلق، وأن البيانات المنشورة لا تتيح مقارنة أثر المشروع بمحافظات مماثلة لم يشملها.

ما تقوله الأرقام وما لا تقوله

تتجاور في مصر اليوم خريطتان للإنجاب؛ الأولى في المدن والطبقة الوسطى؛ حيث تحسب الأسر الإيجار والتعليم والعلاج قبل أن تُقرر، فيهبط المعدل إلى ما دون الإحلال، والثانية في قرى الصعيد؛ حيث ما زالت الدولة تصل بالعيادات المتنقلة وطرق الأبواب، ويظل المعدل مرتفعًا. 

الإنجاب
بين حسابات أسرة تؤجل طفلًا جديدًا وقرية تنتظر القافلة الصحية، تظل خريطة الإنجاب مليئة بأسئلة بلا إجابات

وتبقى أسئلة بلا إجابة: ما أثر كل حملة على الإنجاب بعد استبعاد العوامل الأخرى؟ ولماذا تتحول رغبة 6.1% من المتزوجات في تحديد النسل إلى استخدام فعلي؟ وكيف ستُموَّل الجولات بعد انتهاء الشراكات؟ وهل تسجل مسوح جديدة دور التكلفة في قرار التأجيل، بدلًا من الاكتفاء بدراسة سبقت موجة الغلاء؟.

تتجاور في مصر اليوم خريطتان للإنجاب؛ الأولى في المدن والطبقة الوسطى؛ حيث تحسب الأسر الإيجار والتعليم والعلاج قبل أن تُقرر، فيهبط المعدل إلى ما دون الإحلال، والثانية في قرى الصعيد.

وبين شاب في التاسعة والعشرين يُراجع قائمة مصروفاته، وأسرة في قرية جنوبية تنتظر عيادة متنقلة، تتشكل خريطة إنجاب بسرعتين، وما زالت الأرقام الرسمية تفسر نصفها فقط.

اقرأ أيضًا:

وجهٌ مستعار.. الزعيم الغائب حاضرٌ في صورة مزيفة

بـ 1.5 مليون "عضة".. المواطن محاصر بين فكي "40 مليون كلب ضال"

search