الأربعاء، 14 أكتوبر 2026

11:24 م

الأربعاء، 14 أكتوبر 2026

11:24 م

"أول كتيبة صواريخ تعبر إلى الشرق".. اللواء مجدي صادق يروي كواليس "حائط الصواريخ" وإسقاط 14 طائرة في بورفؤاد

اللواء مجدي صادق

اللواء مجدي صادق

تظل قوات الدفاع الجوي المصري حارس سماء الوطن والدرع الحصين الذي كسر هيمنة اليد الطولى لسلاح الجو الإسرائيلي، حيث خاض أبطالها ملاحم عسكرية غيرت قواعد الحرب الحديثة. 


ومن بين هؤلاء الأبطال، يبرز اسم اللواء أركان حرب مجدي فؤاد محمد صادق، وأحد مقاتلي حرب أكتوبر المجيدة، ليروي شهادة تاريخية حافلة بالدقائق والتفاصيل عن كواليس العمل في أقصى شمال تشكيل حائط الصواريخ، والتضحيات والبطولات الجماعية التي صنعت معجزة العبور.

الكتيبة العابرة مبكراً إلى شرق القناة

يكشف اللواء أركان حرب مجدي فؤاد صادق حقيقة تاريخية قد يجهلها الكثيرون من أبناء الشعب المصري؛ إذ يؤكد أن الدفاع الجوي لم يكتفِ بالتأمين والرمي من الضفة الغربية لقناة السويس فحسب، بل قامت القيادة بنقل وتمركز أول كتيبتي صواريخ (من طرازي "سام 2" و"سام 3") إلى البر الشرقي للقناة مبكراً في شهر أغسطس عام 1972 بمنطقة "بورفؤاد" (تحديداً في منطقة الكرنتينة على بعد نحو 8 إلى 9 كيلومترات من مجرى القناة).

ويروي اللواء مجدي فؤاد صادق أن كتيبته كانت تتمركز في أقصى شمال التشكيل، ضمن لواء عسكري بالكامل يتولى حماية وتأمين قطاع بورسعيد، وكانت بقية كتائب اللواء تتمركز في الضفة الغربية. حيث تمثلت المهمة الأساسية للواء في منع أي عدائيات جوية من استهداف عمق الدولة المصرية، أو مهاجمة حائط الصواريخ، أو استهداف تجمعات الجيوش الميدانية والمعابر المقامة على القناة، لمنع تكرار سيناريو ضربات 1967.

وقد نجح هذا اللواء في خوض أكثر من 56 اشتباكاً جوياً ناجحاً مع طائرات العدو، بينما تمكنت كتيبة اللواء صادق بمفردها (المرابطة في بورفؤاد) من إسقاط 14 طائرة إسرائيلية من مختلف الطرازات، وفي مقدمتها طائرات "الفانتوم" الحديثة.

سنوات التأسيس في أقصى الجنوب والتدريب على النبضات الكهرومغناطيسية

يسترجع اللواء أركان حرب مجدي فؤاد صادق مسيرته العسكرية؛ حيث تخرج برتبة ملازم في مارس 1971، وجرى تجهيزه وإعداده مع أطقم الكتيبة لسنوات طويلة في أقصى جنوب مصر بمنطقة "إسنا" (قبل أسوان)، حيث قضت الكتيبة هناك نحو خمس سنوات من الإعداد القاسي والتدريب الشاق قبل الانتقال إلى بورسعيد وبورفؤاد سنة 1972.

ويوضح اللواء مجدي فؤاد صادق أنه تخصص بدقة متناهية على مدار ثلاث سنوات كاملة كـ "ضابط فصيلة هوائيات" على منظومة صواريخ "سام 2". وكانت مهتمه القتالية ترتكز على متابعة رادارات الاكتشاف التي ترسل إشارات وكهرومغناطيسية تصطدم بطائرات العدو وترتد إلى الكبائن، ليقوم بمعالجتها وتحليل بياناتها بأجهزة إلكترونية دقيقة، وتظهر على شكل نبضات وإشارات (Signals) يتم تحديد مسافاتها وأبعادها واتجاهاتها لإطلاق الصواريخ عليها في اللحظة الحاسمة.

ربع ساعة قبل السفر.. وسر الظرف المشمّع بالخزنة


وعن كواليس يوم 6 أكتوبر 1973، يؤكد اللواء أركان حرب مجدي فؤاد صادق أن ضباط وجنود الدفاع الجوي لم يكونوا يعلمون بموعد الحرب المطلق؛ حيث تم إبلاغهم قبل القتال بأسبوع ببدء تنفيذ "مشروع استراتيجي تعبوي"، وهو إجراء دوري معتاد ينفذ كل ستة أشهر لخداع الاستخبارات الإسرائيلية وجعلها تعتاد على هذه تحركات القوات.

وفي تمام الساعة الثانية إلا ربع ظهراً يوم 6 أكتوبر 1973، صدر بلاغ صوتي مفاجئ عبر الإذاعة الداخلية والميكروفونات لجميع الكبائن والتخصصات داخل الكتيبة، يفيد بـ: "يتم تأمين قواتنا الجوية أثناء عبورها لقناة السويس لتدمير الأهداف الأرضية المخطط لها في سيناء".

ويصف اللواء مجدي فؤاد صادق تلك اللحظات بأنها أعظم لحظة في حياته؛ حيث سمع بعد البلاغ بـ 10 دقائق فقط هدير الطائرات المصرية وهي تعبر القناة، ليصدر الأمر لقائد الكتيبة بفتح "الظرف المشمّع بالسرية والمغلق في الخزنة" لتنفيذ خطة القتال المجهزة والمتدرب عليها لسنوات. وفي اليوم الأول وحده من الحرب، نجحت الكتيبة في إسقاط 4 طائرات إسرائيلية، ليثبت للجميع أن سلاح الجو الإسرائيلي أصبح حقيقة في متناول اليد المصرية.

شل حركة العدو وشهادة الـ 32 ألف طن متفجرات


يسلط اللواء أركان حرب مجدي فؤاد صادق الضوء على النتائج المباشرة لنجاح حائط الصواريخ؛ فبعد 48 ساعة من الحرب، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي اعترافاً رسمياً بخسارة 50 طائرة في أول يوم قتال فقط، وأصدر أوامره الصارمة لطياريه بعدم الاقتراب لمسافة 15 كيلومتراً شرق قناة السويس.

وأوضح اللواء صادق أن هذه المظلة الدفاعية الحصينة مكّنت القوات البرية المصرية من إتمام عملية العبور بكفاءة خرافية؛ حيث عبر خلال أول 24 ساعة فقط أكثر من 90 ألف جندي وضابط، و850 دبابة، و11 ألف مركبة ومدفع.

ورغم أن العدو شن خلال الأسبوع الأول نحو 4700 طلعة جوية وألقى ما يزيد عن 32 ألف طن من المتفجرات على تجمعات الجيوش الميدانية (وهي كمية تتجاوز القنبلة الذرية التي ألقيت على هيروشيما وكانت 20 ألف طن)، إلا أن خوف الطيارين الإسرائيليين ورعبهم من غابة الصواريخ المصرية جعلهم يلقون حمولاتهم من المتفجرات بعيداً وفي الصحراء والملاحات ويهربون، مما أدى لعدم حدوث خسائر تُذكر في القوات المصرية العابرة.

ملحمة 8 أكتوبر.. إسقاط 14 طائرة في طلعة واحدة فوق بورسعيد


ويروي اللواء أركان حرب مجدي فؤاد صادق تفاصيل المعركة التاريخية المشهودة في بورسعيد يوم 8 أكتوبر 1973؛ عندما أرسل العدو الإسرائيلي هجوماً جوياً مكثفاً بحشد ضخم بلغ 48 طائرة في طلعة واحدة بهدف تدمير مطار بورسعيد ومطار الجميل.

ويؤكد اللواء صادق أن تشكيلات الدفاع الجوي بقطاع بورسعيد خاضت معركة طاحنة ضد هذا الحشد الجوي، ونجحت في إسقاط 14 طائرة إسرائيلية دفعة واحدة في نفس الطلعة؛ حيث شاهد أهالي بورسعيد الطائرات الإسرائيلية وهي تسقط وتشتعل في الملاحات ومياه البحر، وهي الضرب القاضية التي جعلت سلاح الجو الإسرائيلي يتوقف نهائياً عن محاولة مهاجمة بورسعيد بالمواجهة المباشرة، ليكتفي بعدها بالتصويب والقصف من مسافات بعيدة.

التكامل الفني بين "سام 2" و"سام 3" والعمل الجماعي


يشرح اللواء أركان حرب مجدي فؤاد صادق طبيعة منظومات الدفاع الجوي المستخدمة؛ موضحاً أن صواريخ "سام 2" كانت مخصصة للإصابة على الارتفاعات العالية والمسافات البعيدة، بينما اختصت صواريخ "سام 3" بضرب الأهداف على الارتفاعات المنخفضة والمسافات القريبة. وشكّل هذا التكامل، إلى جانب المدافع المضادة للطائرات، سداً نادراً يغلق جميع المستويات أمام طيران العدو.

وشدد اللواء مجدي فؤاد صادق على أن بطولة الدفاع الجوي هي "بطولة جماعية" مطلقة؛ يتشارك فيها نحو 30 ضابطاً وصف ضابط وجندياً على المعدة الواحدة في هارموني تام، يقيمون تحت الأرض في أنفاق ومواقع محصنة، مشيراً إلى أن أي خلل أو تأخير لثانية واحدة من أي فرد يفشل المأمورية برمتها. كما كشف أن مراكز قيادة الدفاع الجوي تعمل وتراقب سماء الوطن بأطقم صاحية على مدار 24 ساعة دون توقف منذ تأسيس قيادتها عام 1968 وحتى يومنا هذا.

كواليس الأسرى والخدعة الهيكلية ورسالة للأجيال


وحول المواجهات المباشرة، كشف اللواء أركان حرب مجدي فؤاد صادق عن استخدام خطط الخداع الإلكتروني والميداني؛ حيث كانت كل كتيبة تمتلك من موقعين إلى ثلاثة "مواقع هيكلية" مصنوعة من الخشب وتحتوي على أجهزة تبث بصمات إلكترونية مخادعة لإيهام استطلاع العدو. كما يذكر شهادات الطيارين الإسرائيليين الذين تم أسرهم وسقطوا في أيدي الكتايب، والذين أصيبوا بحالة الذهول، حيث صرح أحدهم بأنه لم يكن يرى مجرد صواريخ تتجه نحوه، بل كان يرى "غابة من الصواريخ" تجبره على القفز بالبراشوت.

وحول "الثغرة"، أوضح اللواء مجدي فؤاد صادق أنها لم تكن سوى استعراض ومسرحية تمثيلية إسرائيلية جرت محاصرتها، وأن قبول إسرائيل بالانسحاب لـ 60 كيلومتراً شرق القناة في مفاوضات الكيلو 101 يثبت مدى الضغط والتهديد الذي واجهته الدولة العبرية لتجنب تصفية قواتها المحاصرة.

ويختتم اللواء أركان حرب مجدي فؤاد صادق شهادته بمخاطبة الشباب المصري، مؤكداً أن نصر أكتوبر كان نتيجة تخطيط وعرق وتدريب شاق، مشدداً على أن قوات الدفاع الجوي تمتلك اليوم أحدث المنظومات المتحركة كلياً والكفاءات البشرية القادرة على حماية مقدرات مصر وتكرار الملاحم العسكرية في أي وقت.

search