الأربعاء، 14 أكتوبر 2026
10:38 ص
العميد محمد فكري
في شهادة عسكرية مطولة ومفعمة بالتفاصيل الميدانية والدقيقة، يفتح العميد أركان حرب محمد فكري—أحد أبرز قادة وضباط سلاح المشاة —دفتر ذكرياته الخالدة في صفوف القوات المسلحة المصرية.
ويكشف "فكري" عن التفاصيل الكاملة لمهامه القتالية التي امتدت من سنوات حرب الاستنزاف الشاقة وتأسيس التجهيزات الهندسية، مروراً بعبوره الفردي الاستطلاعي خلف خطوط العدو، وصولاً إلى ساعات العبور الكبير، واقتحام جبل المر، وإدارة معركة الصمود والتحدي طوال 100 يوم تحت الحصار شرق القناة.
يبدأ العميد أركان حرب محمد فكري حديثه بالعودة إلى مرحلة إعادة بناء القوات المسلحة عقب نكسة 1967، مؤكداً أن نصر أكتوبر لم يكن وليد الصدفة، بل كان ثمرة أعمال قتالية وإعداد هندسي وتسليحي شاق استمر لسنوات طويلة غرب القناة وفي منطقة حوض الدرس بالذات.
ويسترجع "فكري" تفاصيل إحدى أخطر المهام التي كُلّف بها في عام 1969 قائلاً:"شاركت في معارك حرب الاستنزاف خلال عامي 68 و69، وكانت المرحلة تتطلب الحصول على معلومات دقيقة ومباشرة عن تحركات العدو الإسرائيلي المتمركز شرق القناة وتحصيناته. قمت بعملية عبور فردي كاملة لقناة السويس في عام 1969، وبقيت بمفردي في أراضي الشرق لمدة 24 ساعة متواصلة تحت أنظار ورصد القوات الإسرائيلية".
ويوضح العميد محمد فكري أثر هذه المهمة الاستطلاعية الاستثنائية:"تمكنت خلال تلك الـ 24 ساعة من اختراق واستطلاع النقط القوية للعدو، ورصد مداخلها ومخارجها بدقة، وتحديد أنماط تحركاته الميدانية. وهذه البيانات والمعلومات الثمينة تم رفعها فور عودتي للقيادة العامة، ورُسِمت على أساسها خطط التجهيز الهندسي والتخطيط التفصيلي لعملية العبور الكبير فيما بعد".
يتطرق العميد محمد فكري إلى المناخ العام الذي سبق حرب أكتوبر 1973، موضحاً كيف نجحت القيادة المصرية في إحكام خطة الخداع الاستراتيجي على كافة المستويات، حتى على مستوى الضباط والمقاتلين في الميدان.
ويشرح "فكري" تلك اللحظات التاريخية قائلاً:"قبل الحرب بنحو ثلاثة أيام فقط، استُدعيت من دورة فرقة تدريبية في شهر رمضان المبارك، وانضممت فوراً إلى وحدتي زملائي غرب القناة، كان الشارع المصري والمحيط السياسي والاجتماعي يعيش حالة من الضبابية وتضارب التكهنات حول إمكانية اندلاع الحرب من عدمها، ولم يكن لدى أحد استنتاج جازم ومؤكد بأن قرار المعركة قد اتُّخذ بالفعل في هذا التوقيت".
وعن لحظة الصفر الحقيقية، يروي:"في تمام الساعة 10:30 صباح يوم السادس من أكتوبر 1973، وأنا متواجد بين قواتي ورجالي في موقعنا غرب القناة، وصلني مظروف مغلق، فتحت المظروف لأجد داخله تعليمات العمليات الصريحة: (ساعة س: 1420)، أي أن التوقيت المحدد لبدء الهجوم هو الساعة 2:10 ظهراً بالتمام والكمال، في تلك اللحظة زال كل شك، وتأكدنا أن ساعة الحساب قد حانت واستعددنا فوراً للتحرك".
يوثق العميد محمد فكري الدقائق الأولى لتنفيذ الملحمة عبر القناة، مشيداً بالتنسيق الميداني المبهر بين عناصر الأسلحة المختلفة:
الضربة الجوية: "في تمام الساعة الثانية ظهراً، عبرت القوات الجوية المصرية القناة ودكت حصون وقواعد العدو خلف خطوط الجبهة، محددةً خسائر ضخمة في صفوفه وشالةً مراكز قيادته".
تحضيرات المدفعية: "عقب الضربة الجوية، بدأت التمهيدات النيرانية لـ 2000 قطعة مدفعية أطلقت نيرانها في وقت واحد وعلى مدار 53 دقيقة متواصلة. وتحت الساتر الناري لهذه التحضيرات المكثفة، قمنا باقتحام قناة السويس وعبرها بموجات متتالية".
ويكشف "فكري" عن المعضلة التكتيكية الأولى التي واجهت سلاح المشاة وكيف تم التغلب عليها:"كان التحدي الأكبر أمامنا يتجسد في تأخر عبور المدرعات والدبابات المصرية، حيث كان مُخططاً لإنشاء وتجهيز الكباري الهندسية أن يستغرق نحو 10 ساعات بعد عبور المشاة الأول. وحيث إن العقيدة العسكرية تنص على أن المشاة يقاتل دائماً بجوار المدرعات لردع الدبابات المعادية، كان البديل الاستراتيجي الناجع هو الاعتماد الكامل على الصواريخ المضادة للدبابات من طراز (المولوتيكا)".
ويضيف مشيداً بكفاءة السلاح والمقاتل:"أثبتت صواريخ (المولوتيكا) كفاءة ميدانية جبارة؛ إذ كانت تصيب أهدافها وتدمر مدرعات العدو بدقة متناهية على مسافات تصل إلى 2 كيلومتر.
وكانت هذه الصواريخ هي البديل الفعال والدائم لحمايتنا وتثبيت رؤوس الكباري شرق القناة، وتوسيع نطاق الدفاع من مستوى الكتائب إلى اللواءات، وتدمير الهجمات المضادة للعدو لحين اكتمال عبور مدرعاتنا".
ينتقل العميد أركان حرب محمد فكري لسرد واحدة من أشرس المعارك التكتيكية في القطاع الجنوبي، والمتمثلة في اقتحام والسيطرة على جبل المر الواقع على عمق 14.5 كم شرق القناة، ضمن نطاق الفرقة 19.
يشرح "فكري" الأهمية الاستراتيجية لجبل المر:"كان جبل المر يمثل موقعاً حيوياً وحاكماً للغاية؛ حيث استغله العدو الإسرائيلي كقاعدة مدفعية من عيار 155 ملم للسيطرة النارية وقصف منازل وبنايات مدينة السويس ومنطقة الزيتيات وإشعال الحرائق فيها، ان قرار الاستيلاء عليه أمراً حتمياً لإرباك قيادات العدو وإسقاط توازنه الميداني في هذا القطاع بالكامل".
ويروي تفاصيل الاقتحام يوم 9 أكتوبر تحت قيادة قائد اللواء الراحل العقيد أ.ح الفاتح كريم:"حصل قائد اللواء الفاتح كريم على المعلومات الاستخباراتية الشاملة عن أوضاع الجبل ليلة 8 أكتوبر، وأصدر قراره بتشكيل المعركة عبر كتيبتين في النسق الأول إضافة إلى القوات الاحتياطية، في صباح 9 أكتوبر تحركنا جميعاً باتجاه الهدف، غير أن العدو رصد تحركنا وبدأ بقصف جوي ومدفعي مكثف وشرس على قوات اللواء الثاني لإعاقة تقدمنا".
وعن لحظة الحسم وشجاعة القائد، يقول: على الرغم من صعوبة الموقف وسقوط بعض الخسائر، استمر اللواء في التقدم بثبات،وهنا قام القائد الفاتح كريم بدورب من البسالة؛ حيث ترجل من مركز قيادته وانضم بنفسه إلى إحدى كتائب النسق الأول الناجحة، واستغل الصواريخ المضادة للدبابات للتعامل مع نقاط العدو، واقتحمت قواتنا جبل المر تحت صيحات (الله أكبر) التي هزت الأركان، وفوجئ العدو بوجودنا فوق الجبل وسقطت حساباته المعتمدة على الطيران، ليتراجع وينسحب مسافة 4 إلى 5 كيلومترات شرق الجبل".
ويستطرد "فكري" موضحاً خطته التأمينية عقب السيطرة على الجبل:"عقب الاستيلاء على الميول الشرقية لجبل المر وتنظيم الدفاع عليه، قمت بإنشاء وتشكيل (نقطة قتال خارجية) على مسافة 2.5 كيلومتر شرق الجبل لصد أي هجمات مضادة متوقعة من العدو. تحركت بمجموعة القتال في تمام الساعة 4 عصراً تحت ساتر ونيران مدفعيتنا ومدفعية اللواء الثاني، حتى وصلنا للنقطة الخارجية وأمّنّاها بالكامل، وأنشأنا خطوط اتصال وتنسيق مباشر بين جبل المر والنقطة الخارجية لمنع العدو من تنفيذ أي هجوم مباغت خلال الليل".
يصل العميد أركان حرب محمد فكري إلى محطة الصمود الأسطوري عقب تطورات الثغرة وحصار الجيش الثالث الميداني، مؤكداً أن بقاء القوات مرابطة ومتمسكة بجبل المر لمدة 100 يوم متواصلة يُعد معجزة عسكرية بكل المقاييس.
ويختتم العميد أركان حرب محمد فكري شهادته لـ "تليجراف مصر" بالتأكيد على أن هذه الروح والانضباط العالي هما ما مكّنا رجال الفرقة 19 مشاة من الصمود فوق جبل المر وفي قلب سيناء دون تزحزح، حتى كُسر الحصار وتنفيذ اتفاقيات فك الاشتباك واستعادة كامل التراب الوطني بعزة وكرامة.
13 أكتوبر 2026 04:26 م
13 أكتوبر 2026 05:01 م
12 أكتوبر 2026 02:27 ص
أكثر الكلمات انتشاراً