الأربعاء، 14 أكتوبر 2026

09:59 ص

الأربعاء، 14 أكتوبر 2026

09:59 ص

"من ذكريات الميج 17 إلى سماء أكتوبر".. اللواء حسن راشد يوثق معركة إعادة البناء وإسقاط الميراج

اللواء طيار حسن راشد

اللواء طيار حسن راشد

تجسد ملحمة القوات الجوية المصرية في حرب أكتوبر 1973 نموذجاً عسكرياً فريداً في إدارة الصراع وتجاوز الفجوة التكنولوجية، حيث استطاع المقاتل المصري فرض إرادته القتالية وتحقيق التفوق الميداني أمام سماء ملغمة بأحدث الترسانات الجوية. وفي هذه الشهادة الموثقة، يستعرض اللواء طيار أركان حرب حسن راشد—رئيس أركان القوات الجوية الأسبق، وقائد الرف الجوي آنذاك—تفاصيل التحول التاريخي لمكامن القوة الجوية عقب يونيو 1967، وكواليس الإعداد لضربة السادس من أكتوبر، بجانب التفاصيل الفنية الدقيقة لتطوير المقاتلات القديمة وإسقاط الطائرات الحديثة في المواجهات المباشرة.

إعادة التأسيس بالدم: من نكسة 67 إلى حرب الاستنزاف

يسترجع اللواء طيار حسن راشد بداية مسيرته القتالية؛ حيث كان طالباً بالكلية الجوية حين وقعت ضربة 5 يونيو 1967 وتدمرت معظم الطائرات على الأرض، ليتخرج عام 1968 بعقيدة حاسمة ترتكز على رد الكرامة واستعادة السيطرة الجوية.

ويوضح اللواء راشد أن حرب الاستنزاف التي امتدت لنحو 1000 يوم شكلت مدرسة قتالية حقيقية تم صقل الخبرات فيها "بالدم"؛ حيث شارك بنفسه في تنفيذ طلعات جوية على الجبهة المصرية، بجانب مشاركته ضمن سرب مصري تحرك إلى سوريا للقتال جنباً إلى جنب مع الطيارين السوريين. وخلال الفترة من 1968 إلى 1973، تخرجت نحو 8 دفعات جديدة من الطيارين جرى إعدادهم ميدانياً لاستكشاف نقاط القوة والضعف لدى سلاح الجو الإسرائيلي، الذي كان يمتلك تفوقاً عدداً ونوعياً بنسبة (3 إلى 1) بفضل الدعم الأمريكي المباشر.

وشهدت تلك المرحلة ملحمة هندسية ولوجستية شاملة لتجهيز المسرح الجوي، شملت:

بناء مطارات عسكرية جديدة وإنشاء دشم حصينة لحماية الطائرات من الضربات الوقائية.

تجهيز مقاطع من الطرق السريعة لاستخدامها كممرات هبوط واقتراب تبادلية عند الطوارئ.

إنشاء ميادين رمي هيكلية تضم نماذج محاكاة لكافة القواعد والأهداف الاستراتيجية للعدو.

حسم الضربة الأولى: 220 طائرة من 25 مطاراً


يكشف اللواء حسن راشد أن الضربة الجوية الأولى يوم السادس من أكتوبر بمشاركة 220 طائرة مقاتلة انطلقت من أكثر من 25 مطاراً عسكرياً في التوقيت ذاته لم تكن وليدة المصادفة، بل جاءت ثمرة تدريب شاق ومكثف بدأ منذ إقرار وقف إطلاق النار ومبادرة روجرز في أغسطس 1970.

ويروي اللواء راشد دقة آليات الاستدعاء والتنفيذ داخل استراحات الطيارين؛ إذ كان يدخل قائد التشكيل ليلقي "كلمة سر" محددة، ينطلق بعدها كل طيار فوراً نحو الخرائط والدشم لمعاينة أهدافه المحددة بدقة. وكانت الطلعات التكتيكية تخرج يومياً باتجاه القناة لإيهام العدو، قبل أن يعاد توجيهها إما للعودة إلى القواعد أو للرمي الحي في ميادين التدريب التكتيكية لمراجعة متغيرات الارتفاع والسرعة.

ونتيجة لهذه الدقة العالية، حققت الضربة الجوية الأولى نسبة نجاح بلغت 95% من أهدافها المحددة، مما أدى إلى إلغاء الضربة الجوية الثانية التي كانت مجهزة كخيار احتياطي، بعدما أكدت عمليات الاستطلاع الجوي تدمير الأهداف المرصودة بنجاح.

الهندسة المصرية: تحوير "الميج 17" وبناء حساسية التهديف (Sense)


يقدم اللواء طيار حسن راشد تحليلاً فنياً يُبرز عبقرية العقل الهندسي المصري؛ حيث كان يطير على مقاتلة من طراز "ميج 17" (Mig-17)، وهي طائرة يعود تاريخ إنتاجها لعام 1952 وشهدت الحرب الكورية، وكانت مجهزة أساساً بثلاثة مدافع مخصصة للقتال الجوي فقط.

وعقب 1967، نجح المهندسون المصريون في تحوير وظيفة المقاتلة لتتحول من طائرة دفاع جوي إلى "مقاتلة قاذفة" لمعاونة القوات البرية واستهداف بطاريات الصواريخ؛ حيث ركّبت الأطقم الهندسية حوامل قنابل وأخرى للصواريخ المضادة للأهداف الأرضية.

ولأن الطائرة القديمة لم تكن مزودة بجهاز تنشين مخصص للقصف الأرضي، طور الطيارون المصريون عبر التدريب المتواصل حساسية خاصة (Sense) لتحديد لحظة إطلاق القنابل؛ تعتمد على وضع نقطة محددة من مقدمة الطائرة على الهدف بأسلوب يدوي صارم، مما مكنهم من إسقاط القنابل والصواريخ في منتصف الأهداف بدقة متناهية.

معركة 16 أكتوبر: إسقاط "الميراج" بمقاتلة كورية فوق الثغرة
يروي اللواء طيار حسن راشد تفاصيل مواجهة جوية حابسة للأنفاس يوم 16 أكتوبر 1973؛ حيث صدرت الأوامر بإقلاع 12 طائرة ميج 17 لتدمير الشاحنات الإسرائيلية المحملة بمعدات الجسور والكباري على المحاور المؤدية للقناة لمنع العدو من تطوير الثغرة.

وكان النقيب حسن راشد يقود الرف الأخير (المكون من 4 طائرات)، وجاءت مجريات المعركة كالتالي:

فور وصول التشكيل، اشتبكت مقاتلات إسرائيلية من طراز "ميراج" مع التشكيل الأول حاول التشكيل الثاني الدخول إلى الميدان فتعرض لاشتباك مماثل من طائرات العدو.

استغل النقيب حسن راشد اشتعال الاشتباكات الجانبية وابتعد بتشكيله للوصول إلى الشاحنات على الطريق الرئيسي، ونجح في شن هجمة دقيقة بالقنابل ثم الصواريخ ودمر المعدات بالكامل.

وأثناء تنفيذ مناورة الخروج عقب الضرب، تفاجأ التشكيل باقتحام طائرتين من طراز "ميراج" للاشتباك معهم.

وفي لحظة خاطفة، تمكن راشد من استغلال التفاف إحدى طائرات الميراج الحديثة ودخولها نطاق جهاز التنشين لمقاتلته القديمة (الميج 17)، ليطلق عليها النار ويُسقطها فوراً في واقعه قتالية استثنائية.

ويختتم اللواء طيار حسن راشد شهادته بالتأكيد على أن الطائرة لم تكن بالنسبة للطيار المصري مجرد معدة صماء، بل كانت بمثابة امتداد لجسده وحواسه، مؤكداً أن الجينات المصرية والاستيعاب الفني الكامل لإمكانيات السلاح هما السر الحقيقي وراء تحقيق النصر.

search