الخميس، 15 أكتوبر 2026

02:41 ص

الخميس، 15 أكتوبر 2026

02:41 ص

تحالف السلطة والإخوان.. دروس مستفادة من متوالية الدم والكارثة

يثبت التاريخ السياسي الحديث في مصر، يقينًا وبشواهد جليّة لا تقبل الشك أو التأويل، أن أي مسعى للتحالف أو المراهنة على احتواء جماعة الإخوان المسلمين من قبل السلطة الحاكمة، إنما ينتهي حتمًا بكارثة وطنية ومأساة تجر البلاد إلى متوالية من الدم والفوضى. فلم تكن العلاقة بين السلطة والجماعة على مدار التاريخ سوى متوالية مكررة من خطأ التقدير السياسي؛ حيث تتوهم السلطة إمكانية توظيف الجماعة كأداة لضرب خصومها، بينما تتعامل الجماعة مع هذا الهامش الممنوح لها كجسر للتمكين والانقضاض على الدولة نفسها.

بدأت أولى فصول هذه الدروس القاسية في أربعينيات القرن الماضي، حين سعى حزب السعديين برئاسة محمود فهمي النقراشي باشا إلى استخدام الجماعة كحربة لتقويض شعبية حزب الوفد الجارفة في الشارع المصري. 

وفي سبيل هذا التحالف التكتيكي، قدمت الدولة للجماعة تسهيلات غير مسبوقة؛ فشملت تصاريح المرور عبر القنطرة شرق للتوجه إلى فلسطين عام 1948 تحت شعار الجهاد، وغضت الطرف عن الاستعراضات والميليشيات شبه العسكرية التي سيرتها الجماعة في قلب القاهرة وعواصم الأقاليم.

غير أن هذا التنظيم سرعان ما أظهر وجهه الحقيقي، لا سيما مع توسع نشاط "التنظيم الخاص" واغتيال القاضي أحمد الخازندار في مارس 1948 لمجرد تصديه القضائي لجرائم هذا التنظيم في سيناء. وعندما أدرك النقراشي باشا فداحة الموقف وأصدر قراره التاريخي بحل الجماعة ومصادرة أموالها وإغلاق مقراتها في ديسمبر 1948، كان رد الجماعة حاسمًا بلغة الرصاص؛ إذ تسلل اثنان من عناصرها مرتديين زي ضباط الشرطة وسيارة بوليس مموهة إلى بهو وزارة الداخلية، ليطلق طالب كلية الطب البيطري، العضو في التنظيم الخاص، "عبد المجيد أحمد حسن" ثلاث رصاصات غادرة في ظهر رئيس الوزراء ووزير الداخلية النقراشي باشا، مسقطًا إياه صريعًا في قلب مقره الرسمي.

ولم تتوقف هذه المتوالية المأساوية عند العهد الملكي، بل انتقلت بآفاتها إلى عهد ثورة 23 يوليو 1952. ففي الأعوام الأولى للثورة، حاول الرئيس جمال عبد الناصر استيعاب الجماعة، ومُنحت المزايا والصلاحيات؛ وكان أبرزها استثناءها الصريح من قرار حل الأحزاب السياسية الصادر في يناير 1953، استنادًا إلى دعواهم بكونهم جمعية دينية لا حزبًا سياسيًا، مما فتح أمامهم أفقًا واسعًا للمناورة والعمل في المجالين السياسي والمجتمعي. 

غير أن طموح الجماعة لم يقف عند حدود الشراكة، بل امتد للرغبة في فرض وصاية كاملة على الثورة وقراراتها. وحين اصطدمت بصلابة الدولة الوطنية، عادت الجماعة فورًا إلى ملجئها الأثير وخيارها الأوحد وهو السلاح؛ فدبرت حادث المنشية بالإسكندرية في أكتوبر 1954 لاغتيال جمال عبد الناصر في أثناء إلقائه لخطابه الشهير، وهي المحاولة التي نجا منها بأعجوبة، لتتوالى بعدها التحقيقات والكشوفات عن تنظيمات سرية متجددة، وصولاً إلى تنظيم 1965 ومخططاته الهيكلية القائمة على أفكار التكفير والقطبية.

ثم جاءت الحقبة الساداتية لتقدم أعمق وأقسى هذه الدروس. ففي سياق سعيه لإحداث توازن سياسي وتقويض نفوذ التيار الناصري واليساري الذي كان يشكل كتلة المعارضة الرئيسية ضد سياساته، أقدم الرئيس الراحل محمد أنور السادات على فتح صفحة جديدة مع الجماعة. وفي لقاء تاريخي بالمعمورة، كان شاهده الصحفي الكبير مكرم محمد أحمد، التقى السادات بالمرشد العام عمر التلمساني، وأبرم معهم ما يشبه التحالف الشفهي، منحهم بموجبه مساحات واسعة في العمل العام، والسيطرة على الاتحادات الطلابية والمنابر في الجامعات والنقابات المهنية. 

كان السادات يرى في ذلك صفقة تكتيكية ناجحة تضمن له تحييد الشارع وإمرار قراراته المصيرية، وفي مقدمتها معاهدة السلام واستعادة باقي الأرض المحتلة. إلا أن النتيجة الحتمية لهذا الانفتاح كانت توفير الغطاء الحاضن لتفريخ جماعات أكثر غلوًا وعنفًا خرجت من عباءة الفكر الإخواني. فلم يلبث هذا الهامش الممنوح أن تحول إلى تغول إرهابي؛ حيث أقدمت جماعة "التكفير والهجرة" بزعامة شكري مصطفى على اختطاف الشيخ محمد حسين الذهبي، وزير الأوقاف الأسبق، وقتله بدم بارد عام 1977، إلى جانب تصاعد حدة الفتنة الطائفية في الشارع المصري. وعندما استشعر السادات خطورة هذا الغول المنفلت، خرج في خطابه الشهير أمام مجلس الشعب في سبتمبر 1981 ليقرر إلغاء هذا الهامش وتوقيف قياداتهم، غير أن الوقت كان قد فات؛ إذ امتدت أيدي الخيانة لتغتال السادات نفسه في حادث المنصة المأساوي خلال العرض العسكري في السادس من أكتوبر 1981.

ومع انتقال المقاليد إلى عهد الرئيس حسني مبارك، دخلت هذه العلاقة محطة جديدة اعتمدت فيها السلطة سياسة "الصفقة غير المكتوبة" أو ما عُرِف بـ "سياسة التخديم والتخدير المتبادل". فقد آثرت الدولة وقتها ترك هامش واسع للجماعة للتغلغل في النقابات المهنية والجمعيات الأهلية والقطاعات الخدمية، مع منحها مساحات للتمثيل البرلماني، مقابل مهادنة السلطة وعدم منافستها المباشرة على رأس الهرم السياسي. غير أن هذه السياسة لم تكن سوى تكرار لخطأ التقدير التاريخي؛ إذ استغلت الجماعة هذا التغاضي في بناء شبكات تمكين عميقة، وتغلغل تنظيمي واقتصادي في مفاصل المجتمع ومؤسساته، حتى باتت القوة الأكثر تنظيمًا وجاهزية لاقتناص الفرصة والقفز على المشهد السياسي بأكمله عقب أحداث عام 2011.

ثم بلغت هذه المتوالية ذروتها ومحطتها الأخيرة في تجربة الوصول المباشر إلى الحكم بين عامي 2012 و2013؛ حين أُعيدت تجربة التهدئة والرهان على احتواء الجماعة تحت دعاوى الشراكة والاندماج الوطني في المرحلة الانتقالية. إلا أن النتيجة جاءت تصديقًا حتميًا لدروس التاريخ؛ فبمجرد وصول الجماعة إلى سدة السلطة، كشفت فورًا عن عقيدتها الإقصائية القائمة على السيطرة والمغالبة لا المشاركة، وانطلقت في تنفيذ مخطط "أخونة الدولة" ومؤسساتها والمساس بهويتها الوطنية واستقلال قرارها. ولم تلبث هذه المحاولة أن اصطدمت بجدار صلب تمثل في تلاحم الشعب المصري ومؤسساته الوطنية وفي مقدمتها الجيش، ليخرج الملايين في ثورة 30 يونيو 2013 مجهضين هذا المخطط ومسقطين رهان السيطرة، في تأكيد حاسم وقاطع لتلك القاعدة التاريخية: إنه لا يمكن الاستئناس بهذا التيار أو التحالف معه تحت أي ظرف من الظروف.

إن هذه المحطات المتتالية عبر التاريخ الحديث تؤكد حقيقة راسخة لا تقبل المواربة: أن أي تقارب أو مهادنة بين السلطة الحاكمة وجماعة الإخوان المسلمين، مهما كانت المبررات التكتيكية أو الظروف المرحلية، ينتهي دائمًا بنتيجة واحدة؛ محاولة اختطاف الدولة، وتفكيك بنية مؤسساتها، وإدخال الوطن في نفق مظلم من الفوضى والاصطدام.

حفظ الله مصر وشعبها وجيشها العظيم ورئيسها من كل سوء.

search