الخميس، 15 أكتوبر 2026
01:15 ص
عبارة السلام 98
بعد 20 سنة من غرق العبارة “السلام 98” ومصرع أكثر من ألف شخص، عاد ملف الكارثة إلى الواجهة بحكم قضائي إيطالي، اليوم الأربعاء، يُلزم شركة “رينا” بدفع تعويضات تقارب 60 مليون يورو لذوي الضحايا والناجين، بعدما حمّلها مسؤولية أوجه قصور في إجراءات السلامة.

لكن خلف ملايين اليوروهات، حكايات فقد لم ينصفها الزمن، أبرزها قصة طبيب خسر زوجته وأبناءه الأربعة، ورفض التعويضات وكرّس حياته لملاحقة المسؤولين عن الكارثة.
في 3 فبراير 2006، لم يكن ركاب العبارة “السلام بوكاتشيو 98” يتخيلون أن رحلتهم من ميناء ضبا السعودي إلى ميناء سفاجا المصري ستتحول إلى واحدة من أبشع الكوارث البحرية في تاريخ مصر.
عائلات كانت في طريق العودة إلى بيوتها، وآباء يحلمون بلقاء أبنائهم، وأمهات ينتظرن انتهاء سنوات الغربة والعودة إلى أحضان أسرهن، لكن البحر الأحمر كان يخبئ لهم نهاية مأساوية لم يتوقعها أحد.

اندلع حريق على متن العبارة، ومع محاولات السيطرة عليه وتسرب المياه واختلال توازن السفينة، بدأت رحلة النجاة تتحول إلى صراع مع الموت، فتعالت الصرخات والاستغاثات، وهرع الركاب بحثًا عن سترات النجاة، بينما تشبث آخرون بأي أمل في النجاة وسط المياه المتلاطمة، إلى أن مالت السفينة تدريجيًا وغرقت في أعماق البحر الأحمر.
وكانت العبّارة تقل نحو 1400 شخص من الركاب وأفراد الطاقم، وانتهت الكارثة بوفاة أكثر من ألف شخص، فيما نجا آخرون بعد ساعات من الرعب والانتظار.

منذ تلك الليلة، لم تعد حياة آلاف الأسر كما كانت؛ عائلات فقدت أبناءها، وأطفال حُرموا من آبائهم، وبيوت ظلت تنتظر عودة غائبين، لكنهم لم يعودوا أبدًا.
لم تنتهِ الحكاية عند غرق السفينة، فشهادات الناجين وأفراد الإنقاذ كشفت عن ساعات قاسية عاشها من وجدوا أنفسهم وسط البحر، لا يعرفون إلى أين يذهبون أو كيف ينجون.

وفي شهادة سابقة لـ"تليجراف مصر"، استعاد أحد أفراد طاقم الإنقاذ مشاهد لا تزال عالقة في ذاكرته؛ جثامين تطفو على سطح المياه، وناجون يلوحون بأيديهم طلبًا للمساعدة، وأشخاص يرتدون سترات النجاة بطريقة خاطئة، لأنهم لم يعرفوا كيفية استخدامها في تلك اللحظات المصيرية.
كان فريق الإنقاذ يحاول الوصول إلى الأحياء وسط الأمواج والظروف الجوية الصعبة، بينما تتوالى مشاهد الفقد أمام أعين أفراده، لم يكن أحد يعرف مَن سينجو، ومَن سيظل مفقودًا، ومَن ستضطر أسرته إلى انتظار خبر عنه لأيام طويلة.

وبحسب الشهادة نفسها، كانت هناك أم عائدة من السعودية برفقة بناتها الثلاث، تمكن فريق الإنقاذ من إنقاذها، لكنها انهارت بعدما اعتقدت أنها فقدت بناتها في البحر، ثم بدأت المفاجآت واحدة تلو الأخرى، بعدما عثر الفريق على بناتها تباعًا، واجتمعت الأسرة من جديد بعد ساعات من الخوف والدعاء.
لكن مثلما حملت مياه البحر قصص نجاة، خطفت أيضًا أحلام أسر كاملة، ولم يكن أمام ذوي الضحايا سوى انتظار الأخبار، على أمل أن تحمل لهم فرق الإنقاذ ما يطمئن قلوبهم.
ومن بين الحكايات التي ارتبطت بكارثة العبارة، تظل قصة الدكتور محمد عبد الحليم المعروف إعلاميًا بـ “أيوب العصر” واحدة من أكثر القصص وجعًا؛ طبيب لم يفقد شخصًا عزيزًا أو اثنين، بل فقد زوجته وأبناءه الأربعة دفعة واحدة.
كان محمد، المولود عام 1952، قد تخرج في كلية الطب عام 1977، وعمل في الصعيد قبل أن يسافر إلى السعودية عام 1982، وهناك التقى زوجته عام 1988، وبدأت حياتهما الأسرية التي أثمرت أربعة أبناء، قبل أن تنتهي تلك الحياة في كارثة فبراير 2006.

وبحسب ما رواه شقيقه هشام عبد الحليم عيد في شهادة سابقة لـ“تليجراف مصر”، كان الطبيب محبًا لأسرته، حريصًا عليها، ولم ينسَ مساعدة الفقراء والمحتاجين، لكن الرحلة التي كان يُفترض أن تعيد زوجته وأبناءه إلى حياتهم الطبيعية، تحولت إلى الفاجعة التي غيرت حياته إلى الأبد.
رفض محمد، وفقًا لرواية شقيقه، عرضًا للتعويض تجاوز مليون جنيه، واختار اللجوء إلى القضاء، متمسكًا بمواصلة المطالبة بمحاسبة المسؤولين عن الكارثة، وظل يتابع القضية ويسافر إلى سفاجا لحضور جلساتها، رغم ما أصابه من تعب وإنهاك.
استمرت رحلة محمد عبد الحليم مع القضية سنوات طويلة، تخللتها أحكام وإجراءات قضائية أثارت غضب أسر الضحايا وتساؤلاتهم بشأن المسؤولية عن غرق العبارة.
ومع مرور الوقت، بدأت حالته الصحية تتدهور، بحسب شهادة شقيقه، حتى رحل في 19 ديسمبر 2021، بعدما قضى سنوات من حياته في محاولة الوصول إلى ما اعتبره حقًا لزوجته وأبنائه، ولضحايا العبارة الآخرين.
بعد مرور 20 عامًا، لم يعد الحديث عن العبارة مرتبطًا فقط بشهادات الناجين وحكايات الأسر، بل امتد إلى مسؤولية الجهات التي شاركت في تصنيف السفينة واعتماد شهادات سلامتها.
فبحسب ما أوردته الصحافة الإيطالية عن الحكم الصادر في جنوة، رأت المحكمة أن شركة “رينا” قصرت في جوانب فنية تتعلق بتصميم العبارة وإجراءات السلامة، من بينها عدم توضيح مخاطر مرتبطة بفتحات تهوية خزانات الاتزان، إلى جانب مشكلات في إتاحة الوثائق الفنية وتعليمات الطوارئ باللغة التي يفهمها طاقم السفينة المصري.

واعتبرت المحكمة أن هذه الأوجه من القصور تدخل ضمن سلسلة من الإخفاقات التي كان لها دور في الكارثة أو في تفاقم نتائجها، وألزمت الشركة بدفع تعويضات تقارب 60 مليون يورو لذوي الضحايا والناجين المشاركين في الدعوى.
وجاء الحكم بعد مطالبات أولية اقتربت من 300 مليون يورو، في قضية شارك فيها نحو 700 من المتضررين، كما تناول تفاوتًا في بعض التعويضات السابقة التي حصلت عليها النساء مقارنة بأقاربهن الرجال، وأقر بحق بعضهن في المطالبة بفروق مالية.
اقرأ أيضًا:
14 أكتوبر 2026 11:34 م
14 أكتوبر 2026 11:10 م
14 أكتوبر 2026 11:02 م
14 أكتوبر 2026 10:47 م
14 أكتوبر 2026 09:59 م
14 أكتوبر 2026 09:20 م
14 أكتوبر 2026 09:19 م
14 أكتوبر 2026 08:01 م
أكثر الكلمات انتشاراً