الخميس، 15 أكتوبر 2026
01:15 ص
مزاعم استهداف معدّنين سودانيين
خلال أيام قليلة، تحوّلت مناطق التنقيب عن الذهب بين مصر والسودان إلى محور لجدلٍ واسعٍ على منصات التواصل الاجتماعي، بعدما انتشرت مقاطع فيديو ومنشورات تزعم أن الطيران المصري استهدف معدّنين سودانيين، وسط روايات متضاربة بشأن مواقع الضربات وأعداد الضحايا.
ولم يتوقف الجدل عند ذلك بل امتد إلى تداول مشاهد لطائرات عسكرية، وشهادات من مناطق التعدين، وتصريحات سياسية قديمة قُدمت باعتبارها مرتبطةً بالأحداث الجارية، بالتزامن مع انتشار وسم "#مصر_تقتل_السودانيين" ووصول بعض المنشورات إلى الدعوة لمغادرة المصريين الأراضي السودانية.
لكن فحص المواد المتداولة يكشف أن الأدلة المستخدمة لدعم هذه الروايات ليست جميعها مرتبطةً بالوقائع نفسها؛ إذ تحمل إحدى المروحيات الظاهرة في المقاطع رقم تسجيل يعود إلى طائرة تشادية، بينما تشير المعالم الجغرافية في مشاهد أخرى إلى منطقة الحنجلية الواقعة داخل الأراضي المصرية، على مسافة تتجاوز 300 كيلومتر من الحدود مع السودان.
وفي المقابل، تظل هناك تقارير عن سقوط ضحايا في مناطق تعدين أخرى، من بينها منطقة المثلث الحدودي بين مصر والسودان وليبيا، وهي وقائع تتطلب الفصل بينها وبين المقاطع التي أمكن تحديد مواقعها، بدلًا من التعامل مع جميع المشاهد باعتبارها دليلًا على حادثة واحدة.
ومن هنا، يتتبع هذا التحقيق أبرز الفيديوهات والادعاءات التي غذّت الجدل، ويفحص ما تكشفه سجلات الطيران والصور الفضائية، إلى جانب تحليل انتشار الرواية على منصات التواصل الاجتماعي، ومقارنة ما أعلنته الجهات الرسمية بما ورد في التقارير المتعلقة بالضحايا.
منذ 10 أكتوبر 2026، تصاعد تداول منشورات تدّعي أن الطيران المصري نفّذ ضربات ضد معدّنين سودانيين في مناطق التنقيب عن الذهب، فيما اكتفت بعض الحسابات بنقل روايات وشهادات ميدانية، وقدمت حسابات أخرى مقاطع مصورة باعتبارها أدلة مباشرة على وقوع الهجمات داخل السودان.
وفي 11 أكتوبر، نشر حساب يحمل اسم Yasin Ahmed على منصة "إكس" مقطعًا مصحوبًا بعبارة "الطيران المصري يقتل الشباب السوداني في شمال الوادي!!"، محققًا نحو 146 ألف مشاهدة و183 إعادة نشر و260 تعليقًا و716 إعجابًا، وفق الأرقام التي رصدها التحقيق.

وفي اليوم نفسه، تداول حساب باسم Abbas Mohammed Adam مقطعًا آخر تحت عنوان "للمرة الثانية الطيران المصري يقصف معدّنين سودانيين"، وبلغت مشاهداته نحو 162.2 ألف مشاهدة، إلى جانب 206 عمليات إعادة نشر و191 تعليقًا و649 إعجابًا.
كما شارك حساب باسم عيسى موسى مقطعًا زعم ناشره أنه يُظهر سودانيًا نجا من قصف مصري داخل الأراضي السودانية.

ومع اتساع نطاق التداول، لم تعد القضية مقتصرة على السؤال بشأن وقوع ضربات جوية، بل أصبحت مرتبطة بموقع تنفيذها، وهوية الطائرات المستخدمة، وجنسية الضحايا، ومدى صحة المواد المصورة التي جرى الاستناد إليها.
في 12 أكتوبر، أعلن المتحدث العسكري المصري استمرار تنفيذ المرحلة الثالثة من الحملة المكبرة لمواجهة أعمال التنقيب غير المشروع عن خام الذهب في الصحراء الشرقية، بمشاركة القوات المسلحة والشرطة المدنية.
وأوضح البيان أن الحملة سبقتها إجراءات تحذيرية، شملت إلقاء منشورات على العناصر الموجودة في مناطق التنقيب غير القانوني، لدعوتها إلى مغادرة المواقع المستهدفة.

وأكد أن العمليات تأتي في إطار فرض السيادة المصرية على أراضي الدولة وحماية ثرواتها القومية، داعيًا أبناء وادي النيل إلى الاعتماد على المصادر الرسمية وعدم الانسياق وراء الشائعات التي تستهدف العلاقات بين الشعبين المصري والسوداني.
من بين المقاطع التي استُخدمت في توجيه الادعاءات على مصر، فيديو متداول على "تيك توك"، منسوب إلى حساب @abualgasemgomah، قُدم باعتباره تصويرًا لطائرة مصرية أثناء قصف معدّنين سودانيين بمنطقة "شمال الوادي" يوم 10 أكتوبر.

لكن التدقيق في المشاهد كشف تفصيلًا مهمًا لم يتطرق إليه الوصف المصاحب للفيديو؛ إذ يظهر على جسم المروحية رقم التسجيل "TT-OAZ".
وبالبحث عن الرقم في مراجع الطيران، تبين أن البادئة "TT" مخصصة لتشاد وفق جدول علامات الجنسية للطائرات المعتمد لدى منظمة الطيران المدني الدولي "إيكاو" (ICAO).
كما يدرج سجل الطيران "Helis" الرقم نفسه ضمن بيانات مروحية من طراز "Mi-171E"، تابعة للقوات الجوية التشادية، وتحمل الرقم المصنعي "171E00146105209U".
وتضع هذه البيانات علامة استفهام جوهرية أمام تقديم المروحية باعتبارها مصرية فالتسجيل الظاهر يرتبط في المراجع المذكورة بطائرة تشادية، وليس بطائرة مصرية.
لم تكن هوية الطائرة وحدها محل تدقيق، فقد ظهر خلاف آخر بشأن المواقع الجغرافية التي نسب إليها ناشرو الفيديوهات الضربات.
ونشر حساب باسم "alipolitics1" مقطعًا يتحدث عن سقوط ضحايا جنوب جبل إيقات، ويصف الموقع بأنه داخل مثلث حلايب وشلاتين، مع تقديم المثلث باعتباره أرضًا سودانية.

لكن هذا الطرح يجمع بين تحديد موقع جغرافي وموقف سياسي؛ فمناطق جبل إيقات ومواقع التعدين المرتبطة بشركة "شلاتين للثروة المعدنية" تقع ضمن نطاق الإدارة المصرية، كما أن مصر صاحبة السيادة على مثلث حلايب وشلاتين.
ويظهر في المقطع نفسه صورة منشور تحذيري منسوب إلى الجيش المصري، يدعو الموجودين في مناطق التنقيب غير المرخص إلى مغادرتها.
وتكتسب هذه اللقطة أهمية عند مقارنتها ببيان المتحدث العسكري المصري في 12 أكتوبر، الذي أشار إلى إلقاء منشورات تحذيرية قبل تنفيذ عمليات الحملة.
وفي مسار آخر من البحث، تداول مستخدمون على "تيك توك" مقطعًا منسوبًا إلى حساب "HASSANADAM767"، يظهر فيه أحد "الدهابة" وهو يقول في نهايته: "وداعًا يا حنجلية".

وعند مراجعة الحساب، لم يعد الفيديو ظاهرًا، لكن التعليقات المرتبطة بالمحتوى أشارت إلى منطقة الحنجلية، ما دفع فريق التحقيق إلى فحص موقعها جغرافيًا ومقارنة المعالم الظاهرة في المشاهد بالصور الفضائية.
وباستخدام "جوجل إيرث"، قارن الفريق طبيعة التضاريس في المقاطع المتداولة بالصور الفضائية لمنطقة منجم الحنجلية، ولاحظ تطابقًا في عددٍ من المعالم، من بينها أشكال قمم الجبال وألوانها، وطريق رملي يمر بين مرتفعين وتظهر عليه مسارات المركبات.
وتدعم هذه المقارنة ارتباط المشاهد المفحوصة بمنطقة الحنجلية، الواقعة في الصحراء الشرقية المصرية، على مسافة تقارب 50 كيلومترًا من مدينة مرسى علم، وأكثر من 300 كيلومتر من الحدود المصرية السودانية.
بالتوازي مع تداول مشاهد الطائرات ومناطق التعدين، انتشر مقطع لقائد قوات الدعم السريع السودانية، محمد حمدان دقلو "حميدتي"، يحذر فيه من طائرات أو مسيّرات تنطلق من مطار في دولة مجاورة، ويعتبر المطار الذي تنطلق منه هدفًا مشروعًا.
وقدمت بعض الحسابات التصريح باعتباره تهديدًا جديدًا على خلفية أحداث أكتوبر 2026، ما عزز الانطباع بأن المقطع جاء ردًا مباشرًا على الاتهامات الأخيرة.
غير أن تتبع التسجيل أظهر أنه يعود إلى فترة سابقة؛ إذ نُشر مقطع مطول على "يوتيوب" بعنوان "خطاب حميدتي اليوم 21/ 10/ 2025 بالكامل"، بتاريخ 21 أكتوبر 2025.
وبذلك، يفصل نحو عام بين تاريخ الخطاب وموجة الادعاءات المتعلقة بالمعدّنين في أكتوبر 2026.
ولا يكمن التضليل هنا بالضرورة في مضمون التصريح، بل في إعادة تقديمه خارج سياقه الزمني، بما يوحي بارتباط مباشر بالأحداث الأخيرة من دون وجود دليل يثبت هذه العلاقة.
لم يقتصر انتشار الادعاءات على المقاطع الفردية، بل تحول إلى موجة من المنشورات تحت وسم "#مصر_تقتل_السودانيين".
وبحسب بيانات رصد رقمي من أداة "Talkwalker"، تغطي الفترة من 10 إلى 13 أكتوبر 2026، بلغ عدد المنشورات المرتبطة بالوسم نحو 785 منشورًا حتى الساعة الخامسة مساء يوم 13 أكتوبر بتوقيت القاهرة.
وقدّرت الأداة الوصول المحتمل لهذه المنشورات بنحو 675 ألف حساب، فيما رصدت أكثر من 2200 تفاعل.
وأظهرت البيانات ارتفاعًا ملحوظًا في النشاط يومي 11 و12 أكتوبر، وسُجلت إحدى ذروات النشر بين الواحدة والثانية ظهرًا يوم 12 أكتوبر، عندما ظهر 81 منشورًا خلال ساعة واحدة، كما صنّفت الأداة نحو 89.4% من المحتوى الذي شمله الرصد باعتباره سلبيًا.
أما التوزيع الجغرافي للمنشورات، وفق بيانات الأداة، فأظهر نحو 260 منشورًا منسوبًا إلى السودان، و165 إلى السعودية، و109 إلى فرنسا، إلى جانب نشاط مرصود من إثيوبيا والولايات المتحدة ومصر.
وتعكس هذه الأرقام اتساع تداول الرواية خارج السودان، لكنها لا تعني بالضرورة أن جميع المنشورات صادرة عن مستخدمين يقيمون فعليًا في الدول المنسوبة إليها؛ إذ تعتمد أدوات الرصد على بيانات الموقع المتاحة ومؤشرات الحسابات والمنصات.
بحسب تقرير الرصد، كان حساب "@dietfoodsdiet" أول حساب رصدته الأداة يستخدم الوسم خلال موجة أكتوبر، وذلك مساء 10 أكتوبر.
ولا يعني هذا أنه أول من استخدم الوسم على الإطلاق، أو أنه صاحب الرواية الأصلية، وإنما أنه الأسبق ظهورًا ضمن البيانات التي شملتها عملية الرصد.
ويشير التقرير أيضًا إلى أن حساب "Sudan Eyes" كان الأكثر نشرًا للوسم ضمن العينة المرصودة، بإجمالي 17 منشورًا.
ولم يبدأ ظهور الوسم في أكتوبر وحده؛ إذ تتضمن نتائج البحث إشارات إلى استخدامه في يوليو 2026، ما يكشف أن الاتهامات الأخيرة أعادت تنشيط صياغة سبق تداولها.
وتضمنت مراجعة الحسابات أن "@dietfoodsdiet" أُنشئ عام 2009، ومر بفترة طويلة من الانقطاع، بينما أشار التقرير إلى تحول في طبيعة المحتوى المنشور عبر حساب "Sudan Eyes" نحو الموضوعات السياسية.
كما رصد الفريق رابطًا لحساب "Sudan Eyes" يعود إلى 12 يوليو 2026، ورابطًا آخر لمنشور خلال موجة أكتوبر، غير أن المحتوى الكامل للرابطين لم يكن متاحًا للاسترجاع عند المراجعة.
وتكشف هذه المعطيات عن حسابات شاركت بكثافة في إعادة نشر الرواية.
مع تصاعد النشاط الرقمي، تجاوزت بعض المنشورات مناقشة الضربات المزعومة إلى توجيه رسائل تستهدف المواطنين المصريين في السودان على أساس جنسيتهم.
ومن بين الأمثلة التي تضمنها تقرير الرصد منشور منسوب إلى حساب إيهاب محمد مادبو "@ehmd_77"، مؤرخ في 12 أكتوبر، وردت فيه العبارة: "أي مصري في السودان غير مرغوب فيه وعليه بالمغادرة".
ويكشف هذا المنشور عن انتقال جزء من التفاعل من توجيه اتهامات بشأن عمليات عسكرية إلى خطاب عدائي تجاه مواطنين لا صلة مثبتة لهم بالوقائع محل الجدل؛ ففي 13 أكتوبر، ظهرت تقارير عن مقتل سائقي شاحنات مصريين في الخرطوم وإصابة ثالث، مع إعلان السلطات السودانية توقيف مشتبه به.
لكن تزامن تلك التقارير مع موجة التحريض لا يثبت وجود علاقة سببية بينهما، ويظل تحديد دوافع الواقعة وملابساتها مرتبطًا بنتائج التحقيقات الرسمية والأدلة المتاحة بشأن الحادث نفسه.
رغم ما كشفه التحقيق من مشكلات في نسبة بعض المقاطع إلى الطيران المصري، أو تحديد أماكن تصويرها وتواريخها، فإن ذلك لا يعني نفي جميع التقارير المتعلقة بسقوط ضحايا في مناطق التعدين.
بدورها، نقلت وكالة "أسوشيتد برس" عن شبكة أطباء السودان حصيلة أولية بلغت 13 قتيلًا و28 مصابًا؛ جراء ضربة جوية استهدفت معدّنين أهليين في منطقة المثلث الحدودي بين السودان ومصر وليبيا.
وأشارت الوكالة إلى أن الجهة التي نفذت الضربة لم تُحدد بصورة مستقلة.
وفي المقابل، تضمنت تقارير وبيانات من جهات سودانية أخرى تقديرات مختلفة لعدد القتلى، من بينها حصيلة بلغت 72 قتيلًا، وأخرى وصلت إلى 200 قتيل.
ولا يمكن التعامل مع هذه الأرقام باعتبارها حصيلة واحدة لحادث محدد من دون التأكد أولًا من المواقع والتواريخ التي تشير إليها كل رواية، وما إذا كانت تتناول ضربة واحدة أم حوادث متعددة.
وهنا تبرز أهمية الفصل بين ما يتعلق بمقاطع الفيديو التي أمكن فحصها باستخدام سجلات الطيران والخرائط، وما يتعلق بتقارير الضحايا، وأن وجود تقارير عن قتلى ومصابين لا يثبت تلقائيًا صحة جميع المقاطع والاتهامات التي جرى تداولها بالتزامن معها.
ويحتاج حسم حصيلة الضحايا ومسؤولية أي ضربات إلى قوائم بأسماء القتلى والمصابين، وسجلات طبية وشهادات ناجين، فضلًا عن تحديد إحداثيات المواقع وأوقات الضربات ومطابقتها بالأدلة المستقلة.
يطلق مصطلح "الدهابة" في مصر والسودان على العاملين في البحث عن الذهب واستخراجه، ولا سيما في أنشطة التنقيب الأهلي التي تعتمد على أدوات تقليدية أو معدات محدودة.
لكن المصطلح لا يحمل في ذاته حُكمًا على قانونية نشاط هؤلاء العاملين؛ إذ توجد فروق بين التعدين المرخص، والتنقيب الأهلي غير المرخص، والأنشطة المنظمة المرتبطة بتهريب الذهب أو عبور الحدود بصورة غير قانونية.
اقرأ أيضاً:
الخارجية تكشف لـ"تليجراف مصر" آخر تطورات حالة السائق المصاب في السودان
14 أكتوبر 2026 09:23 م
14 أكتوبر 2026 02:58 م
13 أكتوبر 2026 04:26 م
13 أكتوبر 2026 05:01 م
12 أكتوبر 2026 02:27 ص
أكثر الكلمات انتشاراً