الجمعة، 16 أكتوبر 2026

07:05 ص

الجمعة، 16 أكتوبر 2026

07:05 ص

ذكرى اغتيال توماس سانكارا.. الأصدقاء لا يخونون

كان توماس إيزيدور نويل سانكارا رائدًا في جيش فولتا العليا، اعتنق سانكارا الفكر الماركسي، كما كان شديد الإعجاب بالثائر الأرجنتيني «تشي جيفارا»، وتأثر أيضًا بسياسات الرئيس المصري جمال عبد الناصر في مجابهة الاستعمار، وضرورة استرداد أفريقيا من المستعمرين لصالح الأفارقة، وتوحيد القارة الأفريقية.

استولى سانكارا على السلطة عبر انقلاب عسكري لقي تأييدًا شعبيًا في 6 أغسطس من عام 1983. وكان الزعيم الليبي معمر القذافي من الداعمين لتولي توماس سانكارا ورفاقه السلطة في فولتا العليا، إذ أرسل القذافي الأسلحة والأموال والمواد الغذائية من أجل استقرار نظام حكم سانكارا. وقد وصلت هذه المعونات الليبية عبر دولة غانا، التي كان يحكمها الرئيس «جيري رولينغز».

في الذكرى السنوية الأولى للثورة عام 1984، قام سانكارا بتغيير اسم بلاده من فولتا العليا إلى بوركينا فاسو، ومعناها «أرض الرجال الشرفاء». كما قرر تغيير علمها ونشيدها الوطني، باعتبارهما من صنائع الاستعمار. وكتب سانكارا النشيد الوطني الجديد لبلاده، كما قام بتصميم العلم الوطني الجديد، وكتب عليه «الموت أو الوطن»، وهي مقولة «جيفارا» التي قالها خلال خطابه في الجمعية العامة للأمم المتحدة في 11 ديسمبر 1964.

كان سانكارا رجل أفعال بكل معنى الكلمة؛ لقد صادر الأراضي من الأوروبيين والإقطاعيين والأغنياء ووزعها على الفقراء، وألغى الضرائب عن شعبه، وفرضها على الوزراء والأثرياء فقط. كما أنشأ محاكم ثورية، متأثرًا بنظام حكم كاسترو في كوبا، وأوقع عقوبات ثورية على كل من اعتبره فاسدًا. ومنع سانكارا استيراد جميع السلع تقريبًا، ورفض سداد الديون الغربية، معتبرًا إياها نهبًا جديدًا لثروات بلاده.

قام سانكارا بتطبيق برنامج ضخم لاستصلاح الأراضي والزراعة لتحقيق الاكتفاء الذاتي من الإنتاج الزراعي، كما نفذ برنامج غرس 10 ملايين شجرة في بوركينا فاسو من أجل إيقاف التصحر، وهو البرنامج الأول من نوعه في تاريخ أفريقيا.
نجحت برامج سانكارا، وأصبحت بوركينا فاسو أول دولة أفريقية مكتفية ذاتيًا من محاصيلها الزراعية، مع وجود فائض في الإنتاج.

في عهد سانكارا، شُيّدت مئات الكيلومترات من الطرق والسكك الحديدية لربط سكان الريف بالمدن، كما أُنشئت العديد من مصانع الطوب والأسمنت من أجل بناء المنازل والقضاء على الأحياء الفقيرة والعشوائية، فضلًا عن بناء 7 آلاف قرية جديدة. كما دعا سانكارا أبناء كل قرية إلى بناء مستوصف طبي ومدرسة بأموالهم وجهودهم الخاصة. وكان هدف سانكارا إثبات أن البلدان الأفريقية يمكن أن تكون مزدهرة دون مساعدات خارجية أو معونات.
دشّن سانكارا حملة لمحو الأمية في جميع أنحاء البلاد، مما أدى إلى ارتفاع نسبة المتعلمين في عهده لتصل إلى 90%، بعد أن كانت لا تتعدى 50%.

سعى سانكارا إلى تحسين أوضاع النساء في بلاده، فمنع ختان الإناث وزواج القاصرات، كما قام بتعيين النساء في جميع المجالات الوظيفية، حتى في الجيش. وشدّد سانكارا على تمكين النساء من أداء أدوارهن في المجتمع.
قاد سانكارا حملة صحية لتطعيم 2.5 مليون طفل بوركيني ضد أمراض الالتهاب السحائي والحمى الصفراء والحصبة، واستطاع تحقيق طفرة هائلة في الرعاية الصحية في بلاده، لدرجة أن منظمة الصحة العالمية أرسلت رسالة إلى سانكارا أشادت فيها بالبرامج الصحية البوركينية، وبما حققته من تطوير هائل في مستوى الرعاية الصحية لشعب بوركينا فاسو.

في عام 1987، وأثناء اجتماع قادة منظمة الوحدة الأفريقية، قال توماس سانكارا في خطابه: «إن الدول الغربية تدير الديون بشكل بارع من أجل إعادة استعمار أفريقيا... إن الهدف هو تحويل كل واحد منا إلى عبد اقتصادي... إن سياسات الفائدة والمساعدات قد انتهت بنا إلى تشويشنا وإخضاعنا وسلبنا الشعور بالمسؤولية تجاه مشاكلنا الاقتصادية والسياسية والثقافية. لقد اخترنا أن نخاطر بأن نمضي في مسارات جديدة لتحقيق رفاهية أفضل».

أدت سياسات سانكارا التحررية إلى اكتسابه عداء القوى الغربية، وعلى رأسها فرنسا، التي كانت ترى في أفريقيا حديقة فرنسا الخلفية، وملعبًا لنفوذها الدولي، وبئرًا لا ينضب لنهب ثروات الشعوب الأفريقية لصالح فرنسا. كما أن رفض سانكارا الاعتماد على خطط صندوق النقد الدولي جعله مكروهًا من الأمريكيين.

وكانت سياساته الإصلاحية التقدمية مرفوضة من زعماء القبائل والقيادات الروحية والدينية في بلاده، بعد أن تسببت في فقدانهم امتيازاتهم المادية والأدبية، وعملت على مساواتهم بجموع المواطنين. كما أن رؤساء الدول الأفريقية المجاورة لبوركينا فاسو أصبحوا يخشون تسلل نموذج سانكارا التنموي إلى بلدانهم، خاصة أن سانكارا كان، على المستوى الشخصي، شديد الزهد؛ فقد قام بتخفيض راتبه ورواتب وزرائه وجميع المسؤولين في وطنه، ورفض استخدام السيارات الفارهة في مواكبه، كما ألغى استخدام أجهزة التكييف في منزله وفي مقر حكمه، قائلًا إنه سوف يستخدم التكييف عندما يصبح لدى كل بوركيني جهاز تكييف في منزله.

قبيل اغتيال سانكارا بأسبوع، ألقى خطابًا بمناسبة مرور 20 سنة على اغتيال جيفارا على يد عملاء المخابرات المركزية الأمريكية. وبعد نهاية الخطاب، قال سانكارا لمرافقيه: «لقد مات جيفارا قبل أن يتم عامه التاسع والثلاثين، ولديّ شعور بأنني أيضًا لن أعيش حتى أبلغ عامي التاسع والثلاثين».
في 15 أكتوبر 1987، نفّذ رفيقه وصديقه بليز كومباوري مؤامرة، بالاشتراك مع المخابرات الفرنسية، لاغتيال توماس سانكارا.
أرسل كومباوري مجموعة مسلحة مكوّنة من 12 ضابطًا، كمنوا في الطريق الذي سيسلكه سانكارا وهو ذاهب إلى اجتماع وزاري، وأطلقوا عليه الرصاص وأردوه قتيلًا، ثم مزّقوا جثته إلى قطع صغيرة وأذابوها في حمض الكبريتيك المركز.

تولى كومباوري رئاسة بوركينا فاسو بعد مقتل سانكارا، وأعلن حزنه لمقتل صديقه في حادث مؤسف!
قبيل اغتيال سانكارا بأيام، حذّره خلصاؤه من مؤامرة للقضاء عليه يقودها كومباوري، فكان رد سانكارا: «الأصدقاء لا يخونون».
بعد مرور عقود على اغتيال سانكارا، ما زالت ذكراه حية بوصفه واحدًا من أفضل حكام القارة الأفريقية في القرن العشرين، رغم قصر مدة حكمه التي لم تزد على 4 سنوات وشهرين. كما أن حياته كانت قصيرة جدًا؛ فقد رحل قبل أن يتم عامه الثامن والثلاثين، إذ وُلد في 21 ديسمبر 1949، واغتيل في 15 أكتوبر 1987.

أثبتت الأيام صدق سانكارا عندما قال: «على الرغم من أنه يمكن قتل الثوار كأفراد، إلا أنه لا يمكن قتل الأفكار».
 

search