الخميس، 15 أكتوبر 2026

11:28 م

الخميس، 15 أكتوبر 2026

11:28 م

فتيات عربات الشاي في مواجهة ذئاب الشوارع.. "هدير" لم تمت وتبحث عن 200 جنيه

صورة تعبيرية مصنوعة بالـ ai

صورة تعبيرية مصنوعة بالـ ai

عند الثانية عشرة ظهرًا، تفتح عربات الشاي، أبوابها على طريق الجيش في حدائق الأهرام، تُشعل الأسطوانات، ويرص الكوب فوق الآخر، وتقف خلف كل عربة فتاة أو سيدة، لتبقى حتى الواحدة بعد منتصف الليل في طريق مظلم بلا كشافات إنارة أو عوامل أمان.

عربات الشاي والقهوة 

خلال جولة ميدانية، رصد فريق "تليجراف مصر" أكثر من 31 عربة لبيع المشروبات على امتداد نحو 3 كيلومترات، المشهد ليس عربة أو اثنتين تظهران عرضًا، بل نشاط متكرر يعتمد في الغالب على عمل نسائي بأجر يومي ثابت لا يتجاوز 200 جنيه.

حادث لم يغير شيئًا

في يونيو الماضي، توفيت فتاة تدعى "هدير" في شارع الجيش، حين اصطدمت سيارة يقودها مراهق وفتاة بسرعة كبيرة بعربة شاي كانت تعمل عليها هدير، وأصيبت صديقتها التي كانت برفقتها. وبعد الحادث، أكد مسؤولون في الحي، أنه سيتم إزالة كل العربات من المنطقة.

وأمس الأربعاء، قضت محكمة الطفل بالجيزة، في الاستئناف المقدم من جودي هشام ومروان هاني، المتهمين في قضية دهس هدير محمد شعبان، المعروفة إعلاميًا بـ “هدير بائعة الشاي”، في منطقة حدائق الأهرام، بانقضاء الدعوى الجنائية بالتصالح بالنسبة للمتهمة الأولى، فيما قضت بشأن المتهم الثاني بتعديل الحكم المستأنف والاكتفاء بحبسه سنة مع إيقاف تنفيذ العقوبة لمدة 3 سنوات.

ورغم حادثة هدير، فإن عربات الشاي تقف حتى هذه اللحظة على جانب الطريق، ولا تزال الفتيات يخاطرن بحياتهن من أجل لقمة العيش، تقول "فاطمة"، 23 سنة حديثة التخرج، إن المشهد لم يتغير كثيرًا بعد الحادث، وإن بعض أصحاب العربات بدأوا بالفعل يضعون عرباتهم في المنطقة، وتعمل "فاطمة" نحو 13 ساعة يوميًا، رغم إدراكها للمخاطر لكنها كما تقول “ما باليد حيلة”.

WhatsApp Image 2026-10-13 at 1.37.48 PM
احدى الفتيات التي تعمل على عربة شاي وقهوة بالطريق

"مقدرش أقول لصاحب العربية لأ"

"دعاء"، (اسم مستعار)، 21 عامًا، تعمل على إحدى العربات منذ فترة، تقول: "أنا بقف هنا على الطريق أشتغل عشان 200 جنيه، بقف من 12 الضهر لحد 1 بليل، وبتكون الدنيا ضلمة عشان مفيش ولا كشاف هنا، وعارفة إن مينفعش أقف هنا، ولكن أكل العيش".

وتضيف أنها تتعرض للتحرش كثيرًا، وأن بعض المارة يزعجونها بكلماتهم لكنها لا ترد عليهم، وتخشى أن تشتكي لصاحب العربة حتى لا تفقد عملها.

بحسب روايتها، قد تصل مبيعات العربة يوميًا إلى نحو 1700 جنيه، أي أن أجرها يقارب 12% من الإيرادات، وأحيانًا يزيدها صاحب العربة قليلًا.

WhatsApp Image 2026-10-13 at 1.37.48 PM (1)
احدى الفتيات التي تعمل على عربة شاي وقهوة بالطريق

وردا على سؤال سبب تفضيلها الوقوف خلف العربات بالشارع على أي عمل آخر كمحال الملابس على سبيل المثال، قالت إنها مرتاحة في عملها، وهي إجابة تكررت على لسان "منى" (اسم مستعار)، 22 سنة، حين سُئلت عن إمكانية العمل “كاشيرة” أو عاملة في محل.

أما الزبائن فيبررون اختيارهم عربات القهوة على المقاهي، يقول "عمرو"، وهو زبون دائم عند "دعاء"، إنه يفضل عربات القهوة كونها في طريقه للعمل، ولا يأخذ وقتا كحال الكافيهات المجاورة التي قد يضطر للانتظار طويلا حتى يحصل على كوب بسعر مرتفع. 

نساء يحمين بعضهن

في أكتوبر لا يختلف الأمر كثيرًا، حيث تظهر الحماية الذاتية كجزء من يوميات العمل، "ياسمين" (اسم مستعار)، 48 سنة، ربة منزل تعمل على عربة زوجها منذ سنوات، تقول إنها تعرف أن الوقوف خطرًا، لكنها تعمل لتربية طفلها: "أنا عارفة إن الموضوع خطر ووقوفنا هنا خطر علينا.. وبتعرض لمضايقات وبنات هنا بيتطلب منهم حاجات مش كويسة، لكنهم بينادوا على بعض وبنقف ندافع عن بعض".

"منة"، (اسم مستعار)، 23 سنة التي تقف بعربتها أمام جامعة مصر بأكتوبر، تصطحب شقيقها إلى العمل ليبقى في السيارة، فإذا ضايقها أحد انبرى للدفاع عنها، وتقول إنها تدرك أن الناس ترى وقوفها مخالفًا، وإنها لا تعرف مهنة غيرها، ولو وجدت مهنة أخرى مناسبة لعملت بها.

وتحاول "منة" أن ترسم خطًا فاصلًا بينها وبين ما تراه حولها في المكان، فتقول: "أنا بشوف بنات بتبيع مخدرات، وبنات تانية ممكن تقف تهزر مع الشباب، بس أنا بأكلها بالحلال"، حسب كلماتها.

وعن سبب إحجامها عن الظهور معانا بوجهها، تقول إنها لا تستطيع ذلك لأنها تقف دون تصريح. وتابعت: "لو الحكومة تقولنا التصريح دا نعمله فين، والله هنعمله ونقف وإحنا مش خايفين كدا".

أما "نورا"، (اسم مستعار)، 35 سنة، والتي تعمل في المكان منذ نحو 7 سنوات وصنعت عربتها الصغيرة بنفسها، فتقول إن العاملين يعرفون بقدوم الحي قبلها بوقت: "أول ما نعرف بنقفل العربيات، وأول ما يمشوا بنفتحها تاني، وهما عارفين إننا واقفين هنا من سنين".

الحي: حملات وغرامة 4000 جنيه

“تليجراف مصر” حملت هذه الهموم والتساؤلات إلى نائب رئيس جهاز مدينة أكتوبر الجديدة، المهندس حسام حسني، الذي قال إن الجهاز نفذ ثلاث حملات ويجري التجهيز للحملة الرابعة، حيث تستمر الحملة على مدار أكثر من 12 ساعة صباحًا ومساءً، والعربة المخالفة تُرفع بالأوناش، ويُحرر لها المحضر اللازم، وتبقى محبوسة حتى يتقدم صاحبها بطلب ويدفع غرامة قدرها 4000 جنيه، تضاف إليها ضريبة 14%، بحسب ما ذكره.

WhatsApp Image 2026-10-13 at 1.35.22 PM (1)
محررة تليجراف مصر مع نائب رئيس جهاز 6 أكتوبر

ويؤكد أن هذه العربات لا يمكن ترخيصها بوضعها الحالي، لأنها سيارات مرخصة ملاكي وليست لممارسة نشاط تجاري، ولأنها تعطل حركة المرور، وحتى العربة المرخصة يُحدد لها مكانًا بعينه وعدد ساعات للعمل.

وعن سبب نجاح البائعات في تجنب الحملات، أقر بأن أصحاب العربات أنشأوا مجموعة إلكترونية يتبادلون فيها التنبيهات، لكنه قال إن للجهاز مصادره وطرقه الخاصة في تحديد مواعيد النزول.

WhatsApp Image 2026-10-13 at 1.35.22 PM
محرر “تليجراف مصر” مع نائب رئيس جهاز 6 أكتوبر

وحين سُئل عن ضمان عدم تساهل العاملين بالحي، قال إن العاملين معه يعملون تحت رقابة، ومن يخالف التعليمات تُتخذ ضده الإجراءات.

أسطوانات الغاز: "الخطورة إنهم مش عارفين"

وعن الخطر الذي تمثله أسطوانات الغاز على هذه العربات، تحدثت "تليجراف مصر" إلى خبير السلامة، صلاح محاريق، الذي بدأ بالتأكيد أن المشكلة في غياب الوعي والخبرة: "الخطورة في إنهم مش عارفين مدى خطورة اللي بيعملوه، وقفتهم في الشارع ومعاهم أسطوانات غاز ومعندهمش خبرة، دا بيؤدي لكوارث".

ويقول إن حوادث انفجار الأسطوانات أصابت الكثيرين، وإن بلاغات ترد إليهم بصورة متكررة من حدائق الأهرام وأكتوبر بسبب عربات الفول والمشروبات في المنطقتين، مضيفًا أن الفرق أحيانًا لا تصل في الوقت المناسب، وأن بعض الضحايا يتوفون: "الراجل بيأكل عيش والأنبوبة تنفجر فيه، وأحيانًا مبنلحقهمش".

ويُحمّل محاريق، الأحياء جزءًا من المسؤولية، قائلًا إن عليها أن تراقب هذه الأنشطة وتوفر لأصحابها أماكن مرخصة، لأن وجودها وسط المناطق السكنية "بيسبب كوارث".

ماذا يقول القانون

القانون رقم 92 لسنة 2018 لا يحظر عربات الطعام المتنقلة، بل ينظمها، هكذا يؤكد المحامي حسن يوسف، مشيرًا إلى أن هذا النص يشمل كل عربة أو مركبة أو منصة قابلة للحركة ومعدة لتحضير الطعام والمشروبات وبيعها.

لكن الترخيص، كما يوضح الدكتور حمدي عرفة، أستاذ الإدارة الحكومية والمحلية، ليس تصريحًا مفتوحًا بالوقوف في أي مكان، فهو يصدر من إدارة الإشغالات بالجهة الإدارية المختصة، ويحدد نوع الوحدة والمساحة والحيز الجغرافي، ويتطلب ترخيص تسيير من المرور وشهادة من الهيئة القومية لسلامة الغذاء، وللمحافظ تحديد الأماكن التي يُسمح فيها بوجود هذه الوحدات، ويُحظر وضعها أمام المحال الثابتة التي تقدم النوع نفسه من الطعام.

ويرى عرفة، أن هناك فرقًا جوهريًا بين عربة متنقلة مرخصة تعمل داخل نطاق مسموح، وعربة تتحول عمليًا إلى منشأة ثابتة تحتل الرصيف أو حرم الطريق يوميًا.

ويطالب، حي الهرم ومحافظة الجيزة بإعلان عدد العربات على الطرق العامة، وعدد المرخص منها وأرقام تراخيصها ومواقعها، وعدد غير المرخص وما اتُّخذ ضده من إجراءات.

وأضاف أن القانون وضع آلية للتعامل مع المخالفات، تبدأ بإخطار المرخص له لتصحيح المخالفة خلال عشرة أيام عمل، وتشدد العقوبة في حالة العودة.

رؤية الوزارة: تنظيم لا تضييق

ترى وزارة التنمية المحلية، الملف من زاوية مختلفة، إذ يقول خالد قاسم، مساعد وزير التنمية المحلية والمتحدث الرسمي، إن عربات الطعام فرصة لدعم المشروعات متناهية الصغر وتوفير فرص عمل للشباب والمرأة والأسر المنتجة.

كما يرى أنها يجب ألا تُعامل كأنشطة فردية، بل كمشروعات تحتاج إلى منظومة تشمل التمويل والتدريب والترخيص والتسويق والمتابعة.

ومن المقترحات المطروحة نموذج "عربة لكل شاب"، أي حزمة تتضمن العربة والتمويل والتدريب وتسهيل الترخيص. 

ويؤكد قاسم، ضرورة تخصيص أماكن منظمة للعربات بالتنسيق بين المحافظات والوحدات المحلية، قرب الجامعات والمناطق الصناعية والسياحية والحدائق العامة، مع عدم إعاقة المرور أو المشاة.

اقرأ أيضاً:

مفاجأة بحُكم جودي ومروان.. تفاصيل جلسة الصلح في قضية "هدير بائعة الشاي" (مستند)

على عهدة محامي مروان.. تصالح أسرة هدير مع المتهمين في قضية دهس بائعة الشاي

مزاعم استهداف معدّنين سودانيين.. الأقمار الصناعية تحسم الجدل في أزمة "الدهابة"

"والحسّابة بتحسب!".. كم مولود تتحمله الأسرة في ظل الغلاء؟

search